سياسة وتاريخ

من المناظير المكبرة إلى الكاميرات.. محطات من هيمنة المحتل على القدس

إنَّ المُتابع لأحوال المسجد الأقصى المُبارك لابدَّ له أن يقف وِقفةَ تفكرٍ وحذرٍ شديدين وهو يستذكر محطات مهمة من محطات تاريخ وجود المسجد الأقصى المُبارك تحت الاحتلال، فمنذ يوم 1967/6/7 ومنذ دخول المحتل الصهيوني إلى القدس والمسجد الأقصى المُبارك؛ بدأت انتهاكات المحتل الصهيوني للمسجد الأقصى المُبارك بدخول الجنود الصهاينة إلى مركز الأرض المُباركة والمقدسة بأحذيتهم العسكرية، وتجوُّلهم في ساحات المسجد الأقصى المُبارك التي هي جزءٌ أساسيٌّ منه، وأخذهم للصور التذكارية أمام قبة الصخرة المشرفة، وصولًا إلى المراقبة الإلكترونية للمسجد الأقصى المبارك.

منذ ذلك التاريخ حرصت دولة الاحتلال على مراقبة مدينة القدس والمسجد الأقصى المُبارك بكلِّ ما أُوتيت من تقنية، ولعلهم في ستينيَّات القرن الماضي كانوا يراقبون المسجد الأقصى المُبارك من خلال المناظير المكبِّرة ومن خلال عيونهم من الجواسيس البشريَّة سواء يهودًا كانوا أم عربًا عملاء بل إن اعتماد دولة الكيان على العملاء العرب (الفلسطينيين) مسلمين كانوا أو نصارى أو يهودًا ممن كانوا يعيشون في فلسطين قبلَ الاحتلال ويلبسون لباسنا ويتكلمون العربية باللهجة الفلسطينية تمامًا.

ومع تطور التكنولوجيا تطورت المراقبة الإلكترونية للمسجد الأقصى نظرًا للتطور التكنولوجي في مجال الاتصالات الذي صار مرعبًا بكل ما لهذه الكلمة من معاني، وتميُّز دولة الكيان الصهيوني بعلوم السايبر والتجسس وبرامج التنصت والمراقبة الالكترونية تطورت معها أساليب المحتل الصهيوني بمراقبة مدينة القدس والمسجد الأقصى المُبارك بشكلٍ خاصٍّ وهناك محطات لابدَّ من الوقوف عندها مطولًا في تاريخ هذه المراقبة.

فهل كان مصادفةً حادثُ نجاحِ الإنجيليِّ الأستراليِّ المتصهينِ (مايكل دينيس روهان) بإضرام النار في المسجد الأقصى المُبارك يوم 1969/8/21 مصادفةً بعد فشله في نفس الهدف قبل عشرة أيام من ذلك الحريق الذي أتى على منبر نور الدين زنكي وعلى ما يقارب نصف المسجد الأقصى المُبارك من الجهة الشرقية، وأحرق قلوب الأمة على مسجدها الأقصى المُبارك.

ثم تلت ذلك محاولات حثيثة لتفجير المسجد الأقصى المُبارك تم كشفها ولكن المراقبة الإلكترونية بلغت ذروتها في السنوات الأخيرة، كان آخرها معركة تركيب البوابات الإلكترونية على أبواب المسجد الأقصى المُبارك بعد العملية البطولية لثلاثة من أبطالنا في فلسطين يوم 2017/7/14، ومنع صلاة الجمعة في أول سابقة منذ عام 1967، وامتناع الأهل في القدس من دخول المسجد الأقصى المُبارك عبر هذه البوابات.

وظلَّ الوضع كذلك حتى يوم 2017/7/25 حيث رضخت قوات الاحتلال وتم سحب وتفكيك هذه البوابات الإلكترونية وتمَّ الإعلان على نيَّة المحتل تركيب كاميرات تهدف إلى المراقبة الإلكترونية للمسجد الأقصى حيث رُكب كاميرات تصوير تحت سمع الأوقاف الإسلامية في القدس وبصرها، وتم بالفعل تركيب كاميرات مراقبة عادية في شهر يوليو 2017 ثم تم استبداله بكاميرات متقدمة جدًا ذكية وحرارية ولعلها تكون أخطر من البوابات الإلكترونية في شهر نوفمبر من نفس العام، حيث حقق الاحتلال واحدة من أخطر مراحل مراقبة المسجد الأقصى المُبارك إلكترونيًا إضافة لدخول شرطة الاحتلال اليومي.

وما نجاح المحتل بالاستيلاء على عدة أمكنة داخل المسجد الأقصى المُبارك لتكون مقرات للشرطة الإسرائيلية، وتجول الشرطة ودخولهم للمسجد الأقصى المُبارك بالأحذية والأسلحة مراتٍ ومرات، وضربهم لقنابل الغاز الحارقة داخل المسجد القبلي الجامع وفي الساحات المحيطة بقبة الصخرة المشرفة؛ إلا محطات مدروسة من محطات خطة العدو المحتل للاستيلاء على مقدساتنا بهدف إعادة بناء الهيكل الأسطورة الذي لم يكن له يوم وجود في منطقة المسجد الأقصى المُبارك كما أثبت ذلك كثير من الباحثين العرب واليهود.

إن دخول الصهاينة واقتحاماتهم اليومية للمسجد الأقصى المُبارك هو حلقة في نفس السلسلة التي نتحدثُ عنها، فالمقتحمون مستوطنون وطلاب المعاهد التوراتية كلهم يكتبون تقارير عن مشاهداتهم بل ويقدمون لمن يسمُّونهم السياح من النصارى الإنجيليين الذي يحكمون أمريكا وأوروبا الآن الروايات التوراتية والتلمودية ويُسمعونهم الرواية والسرديَّة التلمودية حول وجود الهيكل تحت قبة الصخرة المشرفة وعن قُرب نزول المسيح، ولابد قبل عودة المسيح من هدم المسجد الأقصى المُبارك وبناء الهيكل المزعوم الخرافة، لكنَّ هذه الاقتحامات صارت لدى كثيرٍ منا خبرًا عاديًا طبيعيًا، وهذا هدف صهيوني بامتياز.

وأنا أدعو كل من يقرأ مقالي هذا أن يسألَ نفسهُ عن شعوره حين يقرأُ أو يسمع خبر المراقبة الإلكترونية للمسجد الأقصى والاقتحام اليومي للمسجد الأقصى المُبارك فإن وجدَ أنه يعتبره خبرًا عاديًا طبيعيًا فهو مصابٌ بفيروس خطير جدًا أخطر من فيروس كورونا؛ ألا وهو فيروس التطبيع عبر التطبيع الإعلامي الذي تمارسه للأسف الشديد كثير من القنوات الفضائية العربية قبل العبرية.

إن المجسَّات الإلكترونية وكاميرات المراقبة التي تغطي كل المسجد الأقصى المُبارك بجزئية المسقوف منها والمكشوف تقدِّم للعدو المحتل كمية هائلة من المعلومات اليومية لحظة بلحظة حول من يدخل المسجد الأقصى المُبارك ومن يتجوَّل فيه ومن يصلي فيه ويتتبَّعون شباب القدس الممنوعين والمُبعدين ظلمًا وزورًاعن المسجد الأقصى المُبارك، وتتابع كل مقاوم من شباب فلسطين عامَّة والقدس بشكل خاص.

واليوم الأحد 2020/9/6 تسود حالة من التوتر الشديد ساحات المسجد الأقصى المُبارك بعد اقتحام شرطة الاحتلال مدعومة بقواتها الخاصة والسلالم الحديدية وذلك بهدف تركيب سماعات وأجهزة إلكترونية على الجدار الشمالي للمسجد الأقصى المُبارك بالقرب من باب الأسباط، بعد رفض دائرة الأوقاف الإسلامية فتح باب المئذنة لهم لتركيب هذه الآلات قبل أيام، حيث استعانت بالسلالم الحديدية لتجاوز المدخل الوحيد لسطح السور الشمالي عبر بوابة مئذنة باب الأسباط.

  • تُرى ما هي هذه الأجهزة وما الهدف من تركيبها اليوم؟
  • كم من الأجهزة تم فعلًا تركيبه في جدران وعلى مآذن المسجد الأقصى المُبارك؟
  • ما هو الهدف الحقيقي من تركيب السقالات الحديدية الضخمة على السور الجنوب شرقي للمسجد الأقصى المُبارك؟
  • إلى أي حدٍ بلغت حفرياتهم تحت أساسات المسجد الأقصى المُبارك؟
  • هل ما زال المسجد الأقصى المُبارك تحت السيادة الأردنية بوجود الأوقاف وموظفيها وحرَّاسها؟
  • ما هو تأثير اتفاقيات التطبيع العربية العلنية منها والسريَّة كذلك على مستقبل المسجد الأقصى المُبارك ومقدساتنا الإسلامية؟

أسئلة كثيرة تدور في خُلد كل متابع مهتم بالقدس والمسجد الأقصى المُبارك ليس لها أجوبة مريحة أو مقنعة حاليًا. المراقبة الإلكترونية للمسجد الأقصى تأتي في الوقت الذي يظل الأقصى المُبارك فيه وحيدًا وأهله ومحبوه يعانون الأمرّين حوله، فلا يمر يومٌ إلا ونسمع بهدم بيت أو أكثر في مدينة القدس، الأمر الذي يعني تشرُّد أسرة أو أكثر وفقدان مرابط أو أكثر، ولا يمرُّ يومٌ إلا والمُبعدين عن المسجد الأقصى المُبارك بل عن مدينة القدس في ازدياد وقرارات الإبعاد تترافق مع قرارات منع السفر وكلها قرارات جائرة ظالمة بحق المُقدسات والإنسان.

رغم كلِّ ما ذكرنا ورغم كلِّ ما نتوقع ولم نضمِّنه هذا المقال إلا أن للحقيقة دائمًا وجه آخر؛ فما زال المقدسيون رغم كل أساليب التضييق والإبعاد ومعارك الهدم التي ذهب ضحية مجازرها مئات المنشآت المقدسية التي كانت سكنًا للمقدسيين أو أبواب رزق لهم، ما زالوا صامدين مخلصين صابرين مستعدين لفداء المسجد الأقصى المُبارك بدمائهم وأرواحهم وأبنائهم.

وإن حقهم على أمتهم كبير وعظيم أن يساندوهم ويثبِّتوهم في أرض بيت المقدس وحول المسجد الأقصى المُبارك بالدعم من كل أصناف الدعم الماديّ أولًا والمعنوي والمعرفي ثانيًا، وإنَّ فضح المطبِّعين عربًا وعجمًا هو نوعٌ من أنواع الدعم المهم للمقدسيين ولقضية القدس والمسجد الأقصى المُبارك، فما تعجز قوَّات الاحتلال عن تنفيذه بقوة السلاح قد ينجح بعض المطبِّعين المتلوِّنين العملاء الخونة من تنفيذه لدولة الاحتلال، وما شراء العقارات المقدسية بأموال عربية إماراتية ثم تسريبها للمحتل الصهيوني الغاصب إلا دليلٌ مؤلمٌ على صعوبة المعركة القادمة وخطورة أساليبها التي تخدُم المحتل وتخذُل المُقاومين والمُقدسات والمسجد الأقصى المُبارك.

فيا من تقرأ كلماتي هذه وتسمع زفراتي: مع أي الفريقين أنت؟ فريق التطبيع الخادم للمحتل الغاصب المجرم أم فريق التثبيت المقاوم للعدو الصهيوني الغاصب وعملائه.

اقرأ أيضاً: اقتحام المسجد الأقصى تحد آخر للشعب الفلسطيني

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق