ثقافة و فنون

من الحداثة إلى ما بعدها: هل الزمان خطي أم دائري؟

لقد شهدت سبعينيات وثمانينات القرن الماضي تحولات ثورية جذرية على عدة مستويات: ثقافية وحضارية وإجتماعية إلا أنه لم يتم رصد أية حدود واضحة لذلك الانتقال السلس والناعم والمتدرج من الحداثة إللى ما بعد الحداثة، ربما لذلك يمكن وصف ذلك التحول الثوري والناعم في نفس الوقت – على نحو متناقض – كنوع من التزلج الوعيوي و الحضاري على جليد الزمن مكونا تلك السلسلة من التغيرات الثقافية التي يصعب التكهن بها أو رصدها علي وجه الدقة.

ربما ترجع تلك الصعوبة في الرصد بالأساس إلي طبيعة العلوم الإنسانية الرخوة والغير قابله للقياس و الإحصاء المباشر على العكس من العلوم الطبيعية مثلا التي تتسم بالقابلية للقياس و الملاحظة، بناء على ذلك يمكن مجازا الإشارة إلى ذلك التحول الثوري في آليات الثقافة والأدب والفن والعمارة الذي شهدته سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بما بعد الحداثة post-modernism على الرغم من عدم وجود نقطة بدء محدده أو نقطة انتهاء واضحة تفصل الحداثة عن ما بعدها.

في مقالته “نحو مفهوم ما بعد الحداثة” يقول الكاتب والباحث والناقد إيهاب حسن ” إن الحداثة و ما بعد الحداثة ليستا منفصلتين بسياج حديدي أو سور صين عظيم ما ” و إن كان يشير تاريخيا إلى أن أول من استخدم لفظة “ما بعد الحداثة” هو الكاتب الأسباني فريدريك دو أونيس Frederico de Onis .3 . لذلك فيما يلي سوف نحاول عقد مقارنة مقتضبة بين الحداثة وما بعدها على مستوى الخصائص العامة للإنتاج الأدبي على وجه التحديد:

بشكل عام اتسم أدب الحداثة بالسعي وراء المعني والالتزام بقواعد السرد في محاولة لتجسيد ونقد و تغيير الواقع، على الصعيد المقابل جاء أدب ما بعد الحداثة حرا رخوا من حيث آليات السرد والموضوعات والأهداف، لذا يمكن القول أنه بينما سعى أدباء الحداثة وراء أهداف إبستمولوجية (معرفية ) تناول أدباء ما بعد الحداثة أهداف أنطولوجية (جمالية) محضة لا تهدف بالضرورة إلى عكس أية قيم معرفية أو رصد ظاهرة إجتماعية ارتكازا على قواعد ثابته في السرد. على سبيل المثال تعد رواية “يوليسيس” ل چيمس چويس نموذجا لأدب الحداثة المرتبط بالواقع و المتمركز حول قواعد السرد بينما تعد رواية “الغداء العاري” ل ويليام بوروز مثالا على أدب ما بعد الحداثة الذاتي التوليد والمتحرر من السرد.

لذا ينظر البعض إلى الحداثة كامتداد لروح “التنوير” enlightenment التي تلت عصر النهضة Renaissance و شهدت الخروج عن وحشية العصور الوسطي و التمركز حول الأسطورة إلى تنظيم عصر النهضة و وعيه بالإنسان وطبيعة وجوده وتفاعله مع المجتمع، على الجانب الآخر ينسب بعض النقاد البدايات الأولى لأدب ما بعد الحداثة المتمرد على أعمال سابقة زمنيا وخارجة عن المألوف مثل أعمال كافكا المخترقة لأعماق النفس الإنسانية والمثيرة للمخاوف وأعمال رابلييه الخارجة عن نطاق اللياقة الأدبيه التقليدية أحيانا.

بناء على ذلك الاختلاف التقني والكيفي بين آليات الحداثه الأدبية وما بعدها يمكن القول أن أدب الحداثة بأهدافه الإبستمولوچية وقواعده الثابتة كان بشكل كبير في خدمة فلسفة الأسطورة ومرسخا أكثر لاستمرارية الأنظمة السياسية والإجتماعية بينما شكل أدب ما بعد الحداثه تهديدا قويا لكل ما هو مطلق وحتمي و متفق عليه ساعيا وراء زعزعة السياسات والأنظمة الثابتة للمجتمعات. لكن المثير للدهشة أنه على الرغم من هذه النزعة الثورية والمقاومة للجمود لأدب ما بعد الحداثة إلا أنه نظرا لطبيعته السريعة والإستهلاكية يظل متهما على الدوام بمناصرة وتدعيم أواصر الرأسمالية. ينتقد الفيلسوف الماركسي “فريدريك چيمسون” على سبيل المثال ما بعد الحداثة بوصفها شكلا من أشكال “الرأسمالية المتأخرة” و يرجع ذلك – على حد وصفه – إلى افتقادها إلى “الأصالة ” و ” الموثوقية”.

يقول چيمسون أن العمل ما بعد الحداثي يعتمد علي “الأداء الساخر بدلا من التعبير الصادق” واصفا ذلك بالأداء “الغير الثابت و الفاقد للهوية” والذي ينتهي في رأيه إلى نوع من “الكتابة الشيزوفرينية” schizophrenic écriture.

على الجانب الآخر في كتابه “حالة ما بعد الحداثة” يقول الفيلسوف و عالم الاجتماع الفرنسي چان فرنسوا ليوتار أن ما بعد الحداثة تعادل “ما بعد الصناعة” post-industerial 2 حيث تفرض حالة عامة من التصنيع على المجتمع ككل. و لما بعد الحداثة ملامح واضحة عند ليوتار مثل التشكيك في السرديات الكبرى metanareatives وكذلك التشكيك في مصداقية العلم وفي قدرة الدليل العلمي في حد ذاته على الإثبات أو النفي.

ربما يرجع ذلك التشكك في مصداقية العلم إلى الطفرات العلمية التي شهدتها ما بعد الحداثة مثل نظرية الفوضي وظهور فيزياء الكم. ذلك بدوره قد يتشابه تاريخيا مع نقد هيوم وكانط لآليات العقل المحض هادمين بذلك الإيمان المطلق بالمنهج التجريبي و بالدليل العلمي الذي أقره فلاسفة التجريبية مثل فرنسيس بيكون و چون لوك.

في الواقع قد يدفعنا ذلك التكرار الملحوظ و المتواتر للأفكار الإنسانية على هيئة طفرات و نزوعات وعيية على فترات قد تطول أو تقصر أو يتم تمجيدها أو إدانتها إلى التساؤل التالي: هل يسير التغير المستمر و التراكمي في الوعي الإنساني و المتفق عليه مجازا باسم “الزمان” في شكل خطي صاعد في اتجاه كل ما يفيد الانسان و يرضي فضوله و يكفل رفاهيته؟ أم أنه يسير في شكل منحني دائري يعيد نفسه بشكل متكرر متأثرا أو متمردا في كل مرة علي روح العصر الذي يظهر فيه؟

ربما ترجح الكاتبة و الناقدة الفلسطينية أماني أبو رحمة في مقالتها بعنوان “آفاق التحولات السردية نحو بعد ما بعد الحداثة” إحدى كفتي التساؤل حين ترصد تاريخيا الفترة ما بين 1989: 1992 واصفة إياها بفترة نشوء مصطلح “بعد ما بعد الحداثة post-post-modernism . تتسم بعد ما بعد الحداثة بالعودة للطبيعة الصلبة للحداثة Modernism حيث تهتم – على حد وصفها – “بالشكل و النظام و الترتيب و التكامل و الوحدة في العمل الفني من خلال الحبكة التقليدية و تجنب الغموض و السعي لخلق التواصل بين القارئ و الشخصية المتخيلة”.

برجاء تقييم المقال

المصدر
أفاق التحولات السردية نحو بعد ما بعد الحداثة أماني أبو رحمةحالة ما بعد الحداثة جان فرنسوا ليوتارنحو مفهوم ما بعد الحداثة إيهاب حسن
الوسوم

أسماء مجدي

المعرفة شغف..و البساطة فن..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق