مدونات

من الأولى بالثقة؟

أصبحت الثقة اليوم من الأمور الصعبة المنال، فأن تجد من يثق بك وتثق به بالقليل وبالصعب في نفس الوقت؛ وهذا راجع إلى الكم الهائل الكبير من الخيانات والقضايا والجرائم التي جعلت الكثير في تفطن وإدراك وانتباه كبير جعلهم يدققون ويدرسون الشخص جيدًا، بتمريره حول امتحانات واختبارات وتجارب ليتأكد ما إذا كان صاحب ثقة ويمكن الثقة به أو لا، وهذا أنسب من أن تنقرض الثقة بشكل كلي.

أكثر الناس الذين خدعوا وطعنوا ثقتنا هم الأقرباء القريبون منا جداً، الذين منحناهم كل الحب والثقة وحسبناهم أنفسنا دون أي مبالغة، وإنما فعلياً مواقفنا وأفعالنا وسلوكياتنا تدل على ذلك وأكثر، فأموالنا وحاجياتنا وأسرارنا وحالنا وحياتنا السرية والعامة معهم وبجيبهم وتحت تصرفهم، وكل هذا من ثقة كبيرة قد منحناها لهم لأنهم أبدوا لنا في الأول مدى احترامهم لنا وتقديرهم لنا، واستعدادهم للتضحية من أجلنا دون أي تأخير أو تردد أو تفكير، ومن تصرف بطولي مزيف منهم معتمد على التمثيل والخداع صدقناهم ووثقنا بهم ومنحناهم صلاحيات لا يمتلكها غيرهم، تلك الصلاحيات تجعل منهم الشخص الثاني منا.

بعد عديد المواقف والأمور التي بينت وأكدت على أن معظهم لا يستحقون تلك الثقة وذلك الحب والاهتمام الذي صدر منا ومن طرفنا، ظناً منا أنه المناسب في المكان المناسب، إلا أنه المخادع الذي حل مكان بغير مكانه، فبدأنا نمحي تلك الامتيازات منهم بقرار نهائي بعد بحث وتأكد وإثبات مستنبط من أعمالهم وأفعالهم وتصرفاتهم، التي أثبتت معدنهم ونواياهم، وماذا نحن بالنسبة لهم، مما أصابنا بالدهشة والصدمة التي قللت ثقتنا بالجميع بشكل كبير وواضح، أثر فينا التأثير القوي الذي نتج عنه لا للثقة بأي كان، سواء كان قريبًا بالدم أو قريبًا بالصداقة أو قريبًا بأي قرابة وقرب كان، إلا إذا كان بالفعل شخصًا أمينًا وصادقًا ووفيًا ومخلصًا، يقدر ثقتنا ولا يخون الثقة الممنوحة له مهما كان ومهما حدث وحصل، هنا يتم فتح باب الثقة وخروج بالتوجه إلى صاحبها الحقيقي لا بالخطأ.

القريب اليوم خاننا، والغريب احتضننا وأثبت لنا مدى حسن نيته وتعامله وصدقه ووفائه، الذي جعلنا نأخذ الثقة من القريب ونمنحها للغريب دون أي تفكير، فالمواقف كافية بأن تبين نوع المعدن والشكل العام للنوايا، وصدق الكلام والأفعال الذي لولاه لما كنا قد وثقنا بالغريب بما أن القريب خان ثقتنا، فماذا عن الغريب الذي لا نعرف عنه الكثير؟ وإن كنا نعرف فهو غريب عنا وهذا يكفي بأن نتحفظ ونحتفظ بثقتنا عندنا ولا نفكر بمنحها بكل سهولة ولا حتى بصعوبة للغريب، إلا أن الغريب كان ناجحاً في الاختبار، وأعطى جميع الضمانات التي تثبت وتطمئننا بأن يكون هو القريب بالثقة، والباقي غرباء وإن كانوا أقرباء وقريبون منا كثيرًا.

إن الثقة شعور بالأمان جالب للاطمئنان، فمن وثق بنا قد شعر معنا هذا الشعور، ومن وثقنا بهم قد شعرنا كذلك بشعور الأمان والاطمئنان، وأنهم ذلك العضو الذي لا يختلف عن سائر الأعضاء التي تسكننا، فنفتح له أبواب بئر أسرارنا وحياتنا الخاصة جدًا والسرية، حتى أننا نضع المفتاح عندهم، وهذا كله لم يكن ولم يحدث من العدم، وإنما هناك شعور قد وصلنا منهم وصدر منا ذهاباً إليهم، فشعور الثقة متبادل والنوايا واحدة، ومتى كان الشعور واحد والنية واحدة فالثقة هنا تعطي أجمل مثال وقصة ونجاح عن الثقة.

لك أن تثق بالغريب متى كان منك قريبًا ومتى كان الشعور واحد والنية واحد، فلك أن تثق به حسب الشروط والصفات التي وضعتها لتتوفر فتمنح الثقة في الحال.

الثقة عند الغريب ليست جريمة ولا تهورًا ولا تسرعًا ولا غشًا وخداعًا من الغريب، متى كان الغريب بالفعل صادقًا ويستحق ثقتك وهو خير أمين وخير عامل وفقاً لثقتك، التي هي بالنسبة إليه شيء مقدس لا يمكن الاقتراب منه ولا تغيير حقائقه وشكله.

لا تركز في منحك للثقة إن كان ذلك الشخص قريبًا أو غريبًا، يكفي أنك تراه مناسبًا وقد أقنعك وجعلك ترضى فوثقت به بعيداً عن معيار هو غريب أو قريب، والقريب أولى من الغريب، أو الغريب أهون من القريب.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى