سياسة وتاريخ

منعاً للقيل والقال

بعد شد وجذب وإلحاح من هنا وتمنع من هناك، أقر وزراء صحة الاتحاد الأوروبي في ختام اجتماعهم ببروكسل الجمعة الماضية ميزانية قدرها 500 مليار دولار -أي نصف تريليون دولار- كخطة إنعاش اقتصادي لدول القارة العجوز المنضوية تحت لواء الاتحاد؛ نتيجة ما ألم بها من خسائر نتيجة تفشي وباء كورونا القاتل الذي ضرب أوروبا من أقصاها إلى أقصاها.

أرضى هذا القرار العديد من الشعوب الأوروبية وخبراء الشأن الأوروبي على حد سواء، لكن المثير للغموض والجدل في آن واحد هو عدم إعلان تفاصيل الخبر بمعنى:

أولاً: لم يقدم البيان المقتضب المعلن من جانب وزراء الصحة الأوروبيين حصة كل دولة من دول الاتحاد، فمثلاً دول كبرى في الاتحاد مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا لم يقدم وزراء صحتها أو مسئولوها السياسيون أية معلومات بخصوص المبلغ الذي ستمنحه هذه الدولة أو تلك لصالح الدول المتضررة، ويزداد الأمر غموضاً بل وقد يتحول برمته إلى كذبة عندما نراجع سجل الدول المصابة.

فإيطاليا ومن بعدها أسبانيا ثم فرنسا وأخيراً ألمانيا دول ضربها وباء كورونا بكل قسوة، وتسبب من ضمن ما تسبب فيه في ضرب اقتصادياتها، ومن بين هذه الدول ثلاث دول من مجموعة الدول الصناعية السبع، وكيف ستقدم هذه الدول العون لغيرها وهي تحتاج لمن يعينها؟

ثانياً: تجاهل البيان الختامي للاجتماع الطارئ وضع دول شرق أوروبا المتردي، فهذه الدول ذات اقتصاد متداع ويتفشى فيها الفساد بشكل مرعب، وتعيش على المعونات والمساعدات، فكيف لبقية الدول التي يتفشى فيها كورونا أن تنتظر منها المساعدة؟

ثالثاً: أمر مستغرب كشف عنه الوباء الصيني وهو قانون الغاب في التعامل بين الأوروبيين وبعضهم البعض، بدلاً من التعاون والتكامل وهما هدفان أصيلان لإنشاء الاتحاد الأوروبي، فلا أحد ينسى كيف استولت حكومة التشيك على كمامات قادمة من الصين في طريقها إلى إيطاليا بزعم حاجة البلاد إليها، أو استيلاء ألمانيا على باخرة حملت ستة ملايين لتر من الكحول المطهر، أو إحجام الاتحاد الأوروبي عن مساعدة إيطاليا في كبوتها بالرغم من أن روما عضو مؤسس في الاتحاد، حتى وصل الأمر بالإيطاليين لإحراق علم الاتحاد في شوارع بلادهم، وهو أمر ذو دلالة سلبية غاية في الخطورة حول مصير الاتحاد عقب أن تضع الحرب ضد كورونا أوزارها.

لا أرى ومعي كثيرون أن دول الاتحاد الأوروبي جادة في تنفيذ القرار المنبثق عن اجتماع وزراء صحتها، فلا ميزانيات هذه الدول في الوقت الراهن أو حتى بعد انقشاع غمامة كورونا تسمح بضخ عشرات المليارات من اليوروهات لإنقاذ الدول المتأثرة من كورونا، علاوة على أنه لا توجد دولة أوروبية ستحاول تحسين الوضع الصحي لدولة أخرى في نطاق الاتحاد الجغرافي وهي تعاني أشد المعاناة من ذات الأمر.

وأخيراً وليس آخراً، يحاول المسئولون الأوروبيون الإبقاء على اتحادهم الميت سريرياً حفاظاً على صورة أوروبا ومصالحها حول العالم، حتى تتأتى لهم الفرصة لإعلان وفاته بعدما أثبت خلال الأزمة الحالية أنه والعدم سواء.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى