مدونات

منطق معيار الذكاء

من يقرر الفرق بين ذكاء الشخص أو ما دون ذلك إلى بلوغ الجرأة بنعت شخص ما بالغباء؟ فبين ما هو متعارف عليه كمعيار للذكاء والغباء ألف درجة من التفاوت والظروف.. بل أن في حالات كثيرة تكون العملية نسبية وقد تعتمد بقدر كبير على الشخص الذي يقوم بالتقييم، أو مبنية على الاختبارات المعتمدة سواء كانت أكاديمية أو تشخيصية نفسية.  في حالات عديدة قد ينجح من نصفه بالذكاء في القيام بمهام معينة ويفشل تماماً في مهام أخرى.. فهل نوصمه بصفة “الذكي الغبي” مثلاً؟  وهكذا حالات مرت علينا في تجاربنا الطويلة في المجال الأكاديمي والمهني، حيث نجد البعض ممن ينجزون بعض الواجبات أو المهمات بكثير من مؤشرات الإبداع، يفشلون في مجالات أخرى بشكل يثير الكثير من درجات الشك والريبة في قدراتهم واستيعابهم البسيط والمتوقع من عامة البشر!

تقول الأستاذة “هبة بيضون” على موقع “(Linkedin):.. لم يتفق العلماء على تعريف الذكاء بصورة مطلقة، فمنهم من عرّفه بأنه القدرة على التكيف مع الظروف المختلفة ومنهم من قال إنه القدرة على الاستفادة من الخبرات السابقة، وآخر عرّفه بأنه القدرة على التفكير المجرد وغيره ربما عرّفه بأنه القدرة على التصرف الهادف والتفكير المنطقي.. كما أن البعض قد يربط الذكاء بالأداء والنشاطات العملية وليس فقط بنشاطات العقل المتعلقة بالتفكير، قد يقول عنه بأنه القدرة على القيام بنشاط فيه قدر من الصعوبة والتعقيد والتحدي والابتكار.

ففي حالات كثيرة يكون التقييم مبنياً على التحصيل العلمي، وعادة يكون الحكم مبنياً على الدرجات والشهادات.. أي أن المعيار هو بالأرقام والمسميات، وليس بالضرورة بالقدرات العقلية المتفتحة أو مدى الفهم الصحيح والاستخدام الأمثل للمعلومات في مناحي الحياة الأخرى.. فقد كان لنا زملاء أيام الدراسة ممن تعارفنا على وصفهم بالأذكياء بناءً على حصولهم على درجات عالية بالذات في مجال الرياضيات والمواد العلمية وتلك المواد المعتمدة على حفظ النظريات والنصوص، لكنهم لم يلمعوا في المجالات الإبداعية والتفكير الحر والقدرات الابتكارية.. بل أن كثير منهم بعد سنوات الدراسة المدرسية فشلوا في الدراسات الجامعية، بالذات ممن توجهوا للدراسة في الجامعات الغربية المرموقة.

أنا شخصياً لم أكن قط أيام المدرسة من ضمن الطلبة “الأذكياء” نظراً لضعفي الشديد في الحفظ، لكنني كنت أتميز عن غيري بقدراتي العالية في المواد الأدبية والكتابة الإبداعية والرسم والرياضة، ولاحقاً في اللغة الإنجليزية.. وكثيراً ما بت أيام العمل الأكاديمي أردد على مسامع طلبتي أنني كنت أتحصل على درجات مشرفة نتيجة لمقدرتي على الكتابة بشكل مقنع، مما كان يوحي للمدرسين بإلمامي الجيد بالمواد الدراسية.. غير أن هذا الإبداع لم يكن يجدي أبداً مع المحتويات العلمية وبالذات مع مادة الرياضيات والحاجة لحفظ النظريات.. لربما كان فشلي مع النظريات “الرياضية” أيام المدرسة سببه عدم رؤيتي الواضحة للعلاقة الوثيقة بين تحليل وربط النظريات بنتائجها المنطقية، حيث كان المطلوب منا الحفظ ثم الحفظ، والحفظ المجرد ملكة كنت ولم أزل ضعيفاً فيها.. بل أن عجزي الملحوظ في عملية الحفظ المجرد كان له الأثر الواضح في حفظي للقصائد الشعرية والآيات القرآنية والقواعد النحوية!

وهنا أتفق مع الأستاذة “هبة بيضون” في أن التعريفات المتعارف عليها في تقييم درجات الذكاء والغباء هي جميعها مجرد اجتهادات لا أكثر، وهي تعريفات مرنة ومطاطه وغير محددة وقابلة للتأويل والنقاش والجدل، مما يفقدها صفتها المطلقة لافتقارها للدقة في التحديد ولا حدود معينة تحكمها.  وقد نجد في مواقف عديدة بأن القدرة على التأقلم والتفكير المنطقي والبديهي أكثر منطقية في تفسير “الذكاء” الفطري لدي الأشخاص، مقارنة بتلك القدرات المبنية على الحفظ والتكرار والتخصص في مجالات محددة دون سواها.. أي أن بعض ممن نراهم أذكياء في مجالات معينة قد يفتقرون للقدرة على نفس درجات الأداء في مجالات أخرى لم يتمرسوا عليها، وتخونهم قدراتهم على التأقلم مع كل جديد قد يستجد عليهم سواء في المجال الأكاديمي أو المهني.

ربما يجب أن يعتمد تقييم الذكاء على المستوى الثقافي العام لكل فرد.. حيث تكون القدرة على الفهم والتقييم والمنطق هي المعيار الحقيقي والأمثل.. حيث أرى أن الثقافة تعكس المستوى الفكري أكثر من المستوى العلمي أو التخصصي.. وأرى أن الثقافة تعكس أمراً وجدانياً ورؤية منفتحة لشتى المعارف الإنسانية وقدرة إيجابية للتحليل المنطقي للأمور بعيداً عن التعصب لأفكار محددة، بالذات تلك المتعلقة بالمواضيع الدينية والمذهبية والطائفية والقبلية التي تحصر الفكر في أطر ضيقة قد تَحُّد من حرية التفكير وتقّبل الآخرين والاستئناس بالأفكار المختلفة..  فبينما يحدد البعض مفهوم الثقافة على مجال المعاني والقيم، ويعتبر أن الحضارة نتاجاً للتقدم العلمي والتقني وربما حتى العمراني، أرى أن المفهوم الثقافي هو عكس ذلك.. فهي المعاني والقيم والرؤية الإبداعية التي يضفيها الإنسان على الجانب المادي من مظاهر التطور والتعلم والعمل، أو أنها التأويل الإنساني في صورة معانٍ وقيم، في الفلسفة وحرية الفكر وعدم التقيد في الأطر الضيقة للقواعد المهنية والمجتمعية والعقائدية.. أو كما يقول المفكر الألماني “ماكس فيبر”: “الثقافة هي عملية تراكمية تُعزى أساساً للطبيعة أكثر من عزوها للإنسان”.

هل يحق لأي منا أن نحكم على الآخرين بصفة الغباء، من منظورنا الخاص أو بالمقارنة مع أحكامنا العامة على ماهية معايير الذكاء؟  هنالك من قد يقول ان الغباء قد يكون هو السبيل في الوصول إلى نقطه بداية النجاح..  فالتاريخ يشهد لكثير من العباقرة والمخترعين أنهم عانوا في مراحل أعمارهم الأولى بكونهم من “الأغبياء”، سواء من قبل مدرسيهم أو عوائلهم أو أقرانهم.. وثبت فيما لحق بأنهم أثبتوا درجات عالية جداً من العطاء والإنجازات والإبداع والقدرات العقلية المتميزة.. فلو وضعنا في الاعتبار حقيقة أن التوصيف بالغباء فيه الكثير من الإجحاف والدونية ومسببات الإحباط، لكم أن تتخيلوا كم من البشر الذين قد يكون هذا التقييم قد قيّدهم وحرمهم وحرمنا من نبوغهم فيما بعد.

صفتي الذكاء والغباء، وما بينهما من درجات التفاوت، ليستا مجردتين.. فكثير ممن حسبناهم في مراحل معينة وظروف معينة من الأذكياء أثبتوا عكس ذلك في مواقف أخرى.. وكذلك مع ممن في مواقف معينة ربما حكمنا عليهم بالغباء أثبتوا في مراحل لاحقة بأنهم عباقرة أزمانهم.. وكم من أبنائنا ربما ظلمناهم كلما فكروا خارج الأطر المتوقعة منهم، وبالتالي حصرناهم ضمن توقعاتنا المحدودة سلفاً وربما جهلاً منا، دون أن نعي أهمية التفكير “خارج الصندوق”.  ومصطلح “خارج الصندوق” يعني حرية التفكير والقدرة على أن ندع كل تجاربنا وأفكارنا ومبادئنا جانباً لنأتي بحلول جديدة لا تعتمد على أي شيء موجود بداخل الصندوق الضيق.. أن نترك لعقولنا أن تختبر كل فكرة مهما كانت سخيفة أو غريبة دون ترشيح أو انتقاء، وهي مهارة بالأساس ترتكز على قدرتنا على الإبداع والابتكار والمنطق والنظر للأمور من جوانب جديدة.. وربما يكون هذا هو أنسب تقييم لمستوى الذكاء، حين نتمكن من رؤية الأمور من جوانب وزوايا مغايرة لتلك المتعارف عليها من قبل.. فالذي ينجح في إيجاد الحلول الإبداعية هو الذي يجب أن نصفه بالذكاء والمثقف والواعي والقادر على اجتياز المعضلات والعوائق في كافة مناحي الحياة.

وأنا هنا أود أن أركز على ربط مستوى الذكاء بمفهوم الثقافة المعرفية.. ولا أعني بذلك المستوى العلمي بالضرورة، وإن كان في أحيان كثيرة أثر واضح للتعلم ومستوى الاكتساب المعرفي على تكوين مستوى أرفع لدى عامة الناس ثقافياً.. فلا يمكننا أن ننكر أن المتعلم يكتسب الثقافة بشكل عام من خلال سنوات الدراسة والتجربة والاحتكاك بأقرانه من المتعلمين المثقفين، لذا يتبادلون في نقاشاتهم المتخصصة والعامة شتى النظريات والأفكار والتحليلات التي بطبيعة الحال تؤدي إلى المزيد من وجهات النظر وتفتح أطراً غنية من الأفكار لرؤية الأمور من زوايا جديدة شتى.. فالذكاء مصطلح يشمل القدرات العقلية المتعلقة بالقدرة على التحليل، والتخطيط، وحل المشاكل، وبناء الاستنتاجات، وسرعة التصرف، كما يشمل القدرة على التفكير المجرد، ورؤية الأمور من جوانب مغايرة، وجمع وتنسيق الأفكار، وكسب اللغات، وسرعة التعلم والتطور، كما يتضمن أيضا حسب بعض العلماء القدرة على الإحساس وإبداء المشاعر وفهم مشاعر الآخرين.

اقرأ أيضا: ما هو الفرق بين الذكاء والحكمة؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

د. محمد العباسي

أكاديمي من البحرين.. دكتوراة في سيكولوجية تعلم اللغات.. أكثر من 30 سنة في إدارة وتعليم اللغة الإنجليزية في كليات وجامعات في البحرين والكويت.. درست وعشت سنوات الدراسة و العمل في قطر والكويت وكاليفورنيا ولانكستر في إنجلترا وكارديف في ويلز.. متقاعد، وأكتب مقالات في كافة المجالات التربوية واللغوية والاجتماعية والسيكولوجية والفلسفية والسياسية، إلخ. وأيضاً لي مشاركات أدبية و مطبوعات شعرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى