مدونات

منطق الحوار وصياغة الحديث

نحن نتعلم التحدث عبر اكتسابنا الأصوات ممن حولنا منذ الطفولة.. قد نتعلم بعض الكلمات القصيرة والمتناغمة الأصوات أو تلك المتكررة مثل “ماما” و”بابا” قبل سواها، ولربما كأطفال نبدأ في تلفظها كأصوات آحادية كقول “ما” أو مجرد “با” في البداية.. ومع ذلك نشعر بردود أفعال الأهل المشجعة والفرحة تعم على محياهم.. ثم ما نلبث بعدها بأيام حتى نجد منهم المحاولات المتوالية لتشجعينا على إصدار تلك الأصوات وتكرارها مع تسابق الأب والأم على سماع الـ”ماما” والـ”بابا” كل قبل الآخر.

وتمر الأيام ومعها يزداد محصولنا اللغوي حتى نتعلم تركيب المزيد من الأصوات والكلمات وأشباه الكلمات.. ثم الجمل القصيرة ونتعلم الفروق بين المؤنث والمذكر والمفرد والمثنى والجمع.. ثم الماضي والحاضر وبعض القواعد اللغوية والمسميات المختلفة والتشكيل، وهكذا دواليك.. كل هذا في بداية مراحل اكتسابنا للغة أهلنا أو ما نسميه “اللغة الأم”.. وبعدها في المدارس نكتسب المزيد ونتعلم القراءة والكتابة والتعبير والمرادفات، بالرغم من كون اللغة في المدرسة ربما تختلف عن اللغات الدارجة التي نكتسبها ممن حولنا في البيت.. بل وننتقل إلى مراحل نبدأ فيها تعلم لغات جديدة كالإنجليزية أو الفرنسية وغيرها حسب موقعنا الجغرافي وتاريخنا وإرثنا من تأثيرات القوى الاستعمارية التي جثمت على أوطاننا لعهود.. وبين هذه وتلك ربما نكتسب من علاقاتنا مع القاطنين من حولنا لغات أو مصطلحات جديدة حسب أصول من يعيشون بيننا أو نحن نعيش بينهم.. لذا قد نتعلم الكردية أو الفارسية أو الهندية أو اللهجات المتنوعة أو حتى غيرها من لغات الوافدين والعمالة الأجنبية من حولنا.

ونعود هنا لعنوان مقالنا، ألا وهو المنطق المتوقع في الحديث.. فبالرغم من إتقاننا اللغوي بشكل عام نجد أن في كثير من الأحيان يفتقر البعض للمنطق السليم في تركيب الجمل واستخدام المفردات الصحيحة المناسبة لمواضيع الأحاديث.. أي أن للتحدث أصول وفن و وعي.. بل وفيه ذكاء ومنطق.. لنأخذ كأمثلة عامة ما نجده في نشرات الأخبار في قنواتنا العربية.. فهنالك دائماً مذيعين يطرحون نوعاً من الأسئلة الغير واقعية .. أسئلة ربما تعكس الجهل ببعض جوانب وأصول فن الحوار وأحياناً حتى من قبل بعض المذيعين المتمرسين.. مثلاً أن يتم سؤال أحد الضيوف العسكريين عن الخطط العسكرية قبيل معركة متوقعة قريباً!!  أسئلة في سياق (أين ومتى وكيف ستتم عملية عسكرية ما؟).. كيف بالله تتوقعون أن يتم إفشاء الأسرار العسكرية على الهواء مباشرة؟   فهل من المعقول أو المقبول أن يفضح مسئول عسكري خططهم وخطواتهم التالية على الهواء مباشرة؟!   هل من المتوقع أن يفضح شخص عاقل معلومات عن عدد وعدة ومنطقة الانطلاق ونوع الأسلحة؟ .. أي استخفاف وأية سذاجة هذه العقلية الغير متمرسة في فن التحاور؟

ثم نجد الكثير من المذيعين تقريبا يسألون الضيوف أسئلة مباشرة ولمجرد المثال (لماذا فعل “باراك أوباما” كذا أو كذا؟).. بينما الأصح هو قول (لماذا تعتقد..) أو (كيف تحلل..) أو (برأيك، لماذا..) وهكذا.. فالأسئلة المباشرة كأنما توحي بأن الضيف على علم تام بالأمور ويجالس ساسة العالم كل يوم!! فما هؤلاء سوى محللين ومفسرين يعتمدون على التحليلات المنطقية حسب سير الأحداث وتتابع الأمور.. والآراء تتضارب وتختلف من محلل إلى آخر ومن يوم للذي يليه. الضيف يفسر ويحلل ويستنبط الأمور حسب متابعاته للأخبار وخبرته تتحكم في مدى نجاعة تحليلاته.. قد يصيب وقد يخيب.. لكنه في نهاية الأمر يبني أفكاره على المعطيات المطروحة أمامه وكم المعلومات المتوفرة عبر الأخبار والأحداث وربما عبر مصادره الخاصة.. والمُجّد فيهم من تكون آراءه منطقية وتحليلاته عقلانية وردوده عامة تحتمل الخطأ والصواب دون إحراج!

ثم لا يجب طرح أسئلة أطول من الإجابات المتوقعة وكأنما المذيع يقوم بالتلقين وتوجيه دفة الحوار في اتجاه جامد.. ثم تتم مقاطعة الضيف بعذر ضيق الوقت كلما لم تعجبهم الإجابات!   بعض المذيعين يتمادون في سرد الأسئلة ويكررونها ولا يقبلون إلا بتلك الردود التي يريدونها هم.. بينما الأصول تفرض عليهم الحياد وتقبل اختلاف الآراء ووجهات النظر.. البعض يتصرفون وكأنهم محققين استخباراتيين وجل أسئلتهم هجومية ويقاطعون الضيف عشرات المرات.. بينما الأجدر بالضيف المحسوب علينا كخبير إستراتيجي أو محلل عسكري أو أكاديمي في الشئون الدولية أن يتم إعطائه المساحة الكافية لأن يثري الحوار بخبرته وتحليلاته.

أما أعجب ما يثيرني غيظاً عندما يقول المذيع مثلاً (وقد قُتل في القصف “حوالي” واحد وثلاثون شخصاً..) أو (أكثر من واحد وثلاثون..).. فمع هكذا رقم محدد لا يجوز قول مصطلحات كـ “حوالي” أو “أكثر من” ومثل هذه المصطلحات التقريبية.. فهذه المصطلحات لا تتوافق مع الأرقام المحددة بالعدد الصحيح.. بل الأصح هو قول (حوالي ثلاثون) أو (أكثر من ثلاثين).   ثم نسمع جملة مثل (وقد قُتل في القصف عدد كذا من القتلى).. فهل القتيل يُقتل؟  والأصح قول (قُتل عدد كذا من الأشخاص).. وكذلك نسمع بأن (زعيم ما قد نجا من محاولة قتل أو تفجير فاشلة)، أليس من المنطق أن نجات الضحية تعني بأن العملية كانت فاشلة؟

وأيضاً نجد عبارات تتكرر في كافة الأخبار عن القتلى وكلها تنتهي بذات الصياغ مثل (قُتل في القصف عشرون شخصاً من المدنيين.. بينهم أطفال ونساء) وكأنما القتلى من المدنيين الرجال والشباب ليسوا بذات الأهمية!!   لكن من الواضح أن من يصيغ الخبر يرى ان النساء والأطفال يمثلون إضافة تدل على أن الضحايا من المدنيين الأبرياء المستضعفين.. مع أن كل الضحايا هم ضحايا والقنابل والبراميل المتفجرة لا تستثني أحداً.. هكذا ظاهرة تتكرر كثيراً في نشرات الأخبار وهي مثيرة للسخرية ويدفع ثمنها مذيع الخبر.. بينما هو خطأ من قد كتب وصاغ الخبر!!

أما التناقضات والأكاذيب في الأخبار فقد باتت تمثل فضائح لبعض المحطات حتى لم نعد نثق بأخبارها.. بل بتنا نقاطعها لكثر الزيف وعدم الحياد.   المحطات التي تمثل الأنظمة الظالمة والشخصيات المارقة والأحزاب السياسية الخارجة عن الشرع والقانون باتت تملأ الفضائيات.. وجل أخبارها كذب ونفاق وزيف وأبعد ما تكون عن المصداقية.. مئات القنوات الفارسية أو تلك المدعومة من ملالي فارس يشوهون ويختلقون الأخبار.. وبعد التدخل الروسي في قضايانا بتنا نكتشف مدى الزيف وكم الكذب من الجانب الروسي أيضاً.. بعد أن كنا نلاحظ التوجهات الآحادية والاستفزازية من القنوات الغربية مثل (فوكس) وأخواتها، باتت أغلب القنوات الإخبارية في عصرنا هذا مجرد ترسانة جديدة من الأسلحة المستخدمة ضد كل من يختلفون معهم.. يقتلون البشر ويختلقون الأعذار لمجازرهم دون حياء أو خجل.

بل حتى إدراج نطق الأصوات الدارجة في اللغات واللهجات المحلية تتكرر رغم كون الحوار باللغة العربية الفصحى، فنجد المتحدث ينطق حرف الـ”ث” كما ينطقه في لغته الدارجة، لتصبح “س” وأحياناً “ت”.. فيتحول “الحدث” إلى “حدس” و”الثوار” إلى “سوار” و”ثلاثة” إلى “سلاسة” أو “تلاتة”.. فعند التحدث باللغة العربية يجب استخدام الأصوات العربية الفصحى الصحيحة، كمن يقرأ القرآن مثلاً، فلا يجوز لهم اعتماد الألفاظ من اللهجات المحلية.. ربما نتجاوز قليلاً مع بعض المتحدثين الأجانب ممن يحاولون التحدث معنا أو عبر قنواتنا العربية باللغة العربية، لكن مثل هذه الأمور لا يجب أن نتقبلها من الأخوة والاخوات المحسوبين علينا عرباً.. وأيضا ربما نتقبل أي حوار كان بين متحدثين بلهجاتهم الدارجة، كأي حوار بين مواطنين من الخليج العربي، أو من لبنان أو السودان أو اليمن أو من دول المغرب العربي أو من مصر حين يكون الحوار في شئونهم المحلية أو من أجل متلقين أو مستمعين من أوطانهم أو في قنواتهم المحلية أو ضمن برامجهم الخاصة.. وهكذا برامج حوارية تملأ القنوات الخاصة ونشيد على أياديهم بكل فخر ومن غير أي انتقاد.. وكمثال على مثل هذه البرامج التي كنت أو لا زلت أتابعها بكل متعة ومن دون أي تمنع على استخدامهم اللهجات الدارجة برنامج “البرنامج” للدكتور المصري “باسم يوسف” وبرنامج “الليلة مع نديم” للإعلامي اللبناني “نديم قطيش” وبرنامج “سردة.. بعد العشاء” للمذيعين اللبنانيين المتألقين “ميديا عازوري” و”معين علي جابر”.. هكذا حواريات تبقى مقبولة وجميلة طالما لا يتداخل فيها الخلط واللغط بين اللغة العربية السليمة واللهجات الدارجة!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

د. محمد العباسي

أكاديمي من البحرين.. دكتوراة في سيكولوجية تعلم اللغات.. أكثر من 30 سنة في إدارة وتعليم اللغة الإنجليزية في كليات وجامعات في البحرين والكويت.. درست وعشت سنوات الدراسة و العمل في قطر والكويت وكاليفورنيا ولانكستر في إنجلترا وكارديف في ويلز.. متقاعد، وأكتب مقالات في كافة المجالات التربوية واللغوية والاجتماعية والسيكولوجية والفلسفية والسياسية، إلخ. وأيضاً لي مشاركات أدبية و مطبوعات شعرية.
زر الذهاب إلى الأعلى