مدونات

منجب الأوبئة و المساعد الأول لانتشارها

أدت أزمة وباء (كوفيد -19) التي انطلقت شرارتها من الصين لتمتد بعد ذلك لكل أرجاء العالم لِإعادة بعث التفكير فيما ينبغي عمله لمواجهة مثل هذه الأخطار والتي بالرغم من قلة تكرارها إلا أن آثارها كبيرة جدا وقد تمتد إلى أجيال. ولأن الجوائح العامة التي تصيب العالم كله أو جزءا منه هو أمر نادر الحدوث، هي الممارسات التي طبقت إلى الآن أن العالم قد تعلم الكثير من الدروس في التعامل مع الجائحة. ستمر الجائحة بكل تأكيد، ولكن هل ستمر العولمة معها وتختفي؟

وبداية سنبدأ بتعريف الجائحة والوباء والفرق بينهما، دون نسيان تعريف العولمة.

فالجائحة مصيبة عامة لا يستطاع دفعها، من آفة سماوية كمطر شديد وحر وبرد شديدين وجراد يغطي الآفاق ويأكل الزرع والثمر بجائحة عامة كمطر شديد، وعرفها بعضهم على أنها ” كل شيء لا يستطاع دفعه ولو علم به، كسماوي وجِيش”.

وبحسب التعريف الأخير، يمكن تقسيمها إلى قسمين : جائحة لا دخل لآدمي فيها : وتسمى سماوية، أي لا علاقة للبشر بها، كالبرد والقحط والريح والثلج والسيول والزلازل والجراد والطير الغالب والآفات التي تهلك الثمار والأوبئة كالطاعون والفيروسات وغير ذلك. وجائحة من قبل الآدمي كفعل السلطان والجيوش ونحوها وما تسببه من دمار وخراب في الممتلكات.

أما الوباء فقد عرفته منظمة الصحة العالمية على أنه حالة انتشار لمرض معين، حيث يكون عدد حالات الإصابة أكبر مما هو متوقع في مجتمع محدد أو مساحة جغرافية معينة أو موسم أو مدة زمنية.

في حين يشير مصطلح العولمة إلى فيض وتدفق المعلومات، البضائع، رأس المال، بل والأشخاص عبر الحدود الجغرافية والسياسية، وقد ساعدت العولمة على انتشار الأمراض المعروفة، المعدية والمميتة للإنسان. وكان انتشار الأمراض عبر القطاعات الجغرافية قد تزايد على مر التاريخ، ومن بين الأمراض المنتشرة في القرن 21 نجد كورونا، زيكا والسارس وغيرها….

ونلاحظ أن العالم في حقبة العولمة الحالية أصبح أكثر تغلغاً مع بعضه البعض وترابطاً عن أي وقتٍ مضى. كما أن وسائل النقل والمواصلات رخيصة التكلفة لم تترك مكاناً إلا وصلت إليه، وكذلك ساعد ازدهار التجارة العالمية في مجال المنتجات الزراعية على اتصال المزيد من الأفراد بالأمراض الحيوانية والتي تخطت حواجز الأنواع نتيجةً لذلك تحولت لتصيب الجنس البشري.

فالعولمة هي رحم الجوائح والأوبئة. فإن كانت التحوّلات الجينية التي تُنتِجُ لنا فيروسات شديدة الفتك والتفشي ظواهرَ بيولوجية، فإن قدرة هذه الفيروسات على التحوّل لأوبئة وجوائح مرتبط بشكل وثيق بالخصائص الإجتماعية التي تخلقها العولمة. فالجسيمات الصغيرة من نوع الفيروسات كائنات «عولمية» بامتياز: لا تعترف بحدود ولا طبقات ولا قوميات ولا أعراق ولا أديان. وتنتقل عبر خطوط التجارة والتنقل السريعة والمعقدة التي تمثل قلب العولمة. والعولمة لا تلد الجائحة فقط، بل في حالات كثيرة تموت أثناء وضعها. فالعلاقة بين العولمة والجوائح جدلية بالمعنى الهيغلي للكلمة: فالأولى بما تمثله من تسهيل وتحفيز وتسريع وتكثيف لحركة البشر وتنقلهم عبر الحدود تسهّل من تفشي الأمراض وانتشارها وتحويلها إلى جوائح. وبالمقابل، عندما «يتعولم» المرض، تبدأ الدول بتشديد الحدود وتضييق حركة البشر وتقييدها وتبطئتها، أي تعطيل أهم ركن من أركان العولمة.

ونكمل حبرة بحثنا بحوصلة الجوائح والأوبئة التي تصب جلها في منبع العولمة حيث هي المستثمر الأول لانتشار هذه الكوارث، ففي القرن 21 شهد العالم أكثر من 6 أوبئة عالمية, كما نلحظ استقرار المجتمعات وتعودها على كذا أمراض وآخرها وباء كورونا الذي يتعايش معه منذ عام ونصف.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

Aissam Badkouf

كاتب جزائري طالب جامعي تخصص تاريخ عاشق للكتابة و الإعلام لحد الهُيام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى