مدونات

ممنوع للمرأة …

يعتقد أكثر العالم الشرقي بأن المرأة غير مسموح لها الاختيار، بل يعتقد البعض أنه لا يحق لها التعبير عن آرائها، بل وتصل في أحوال كثيرة بكل أسف لحد المنع والحرمانية إذا ما تعلق الأمر بالحب والعاطفة، فإن التعبير عن الحب بالنسبة للمرأة يعد منطقة ملبدة بالألغام، فمن الصعب أن يسمح الناس لها بالإفصاح عما تريده أو من وقع عليه اختيارها من الرجال، وهنا تكمن الكارثة التي عانى منها أجيال ولازالوا يعانون من التشرد والتفكك نتيجة للزواج عن غير قبول، أو إكراه المرأة على الارتباط والسلام خوفاً من كلام الناس وتلاسنهم عنها.

تلك التقاليد العقيمة التي سجنت الفتيات في أفكار عفى عليها الزمان وانتهت تماما في المجتمع الأوروبي الذي سادت المرأة فيه لتعبر عن رغبتها بكل حرية واستقلالية ليس لها نظير.

تلك الأفعال المريضة التي يعاني منها المجتمع الشرقي لم تكن من الدين في شيء ، فما جاء الإسلام إلا لنصرة المرأة وتحريرها من العبودية والذل، فإذا رفضت الفتاة أن تتزوج لأنها لا تجد الرجل الذي تبحث عنه في خيالها سارع المجتمع لإطلاق الألفاظ المهينة بها، فتارة يقول إنها عانس، وتارة يصفها بالمرأة الفاشلة وأحياناً يتهمها بالتقصير وعدم الجدية، وعلى العكس يرى الرجل، فإنه إنسان حر متحمل للمسئولية، لم يتزوج لأنه يفضل التضحية ورعاية والديه وأخوته بدلا من السير وراء رغباته، إنه المنطق الظالم الذي يقسم الناس تبعاً للأهواء، الجنس، اللغة والأصل، فهل أصبح الرجل يتسم بالإنسانية والمرأة تفتقدها؟ لكن الإسلام جاء ليمحي تلك الأفكار الذميمة وذلك الجهل المتفشي.

وقد ضربت لنا أول الأمثلة وأعظمها سيدة شريفة عظيمة تقية، إنها السيدة خديجة بنت خويلد أم المؤمنين، وزوجة سيد الخلق أجمعين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، لقد أبت السيدة خديجة أن تكون في عداد النساء الضعفاء أو المغلوبات على أمرهن، لقد نسجت لنا أروع القصص في الجأش والصلابة عندما أرسلت خادمتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتفصح عن رغبتها في الارتباط به، فلم يمنعها حياؤها وأنوثتها في التعبير عن إرادتها وإظهار عاطفتها، ولكن بأسلوب راقي مهذب، فقد استعانت بوسيط نسائي من نفس جنسها لتبوح لها بذلك الإحساس الدفين في قلبها، وهنا استطاعت السيدة خديجة أن تحقق شيئين هامين :

أولهما: أن تحافظ على فضيلة الحياء بأنها لم تواجه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بهذا الطلب لأنها لا تعرف رده في تلك اللحظة وهي سليلة أعرق الأسر وأعلاها ورغم ذلك فقد رفعت عنه وعن نفسها تلك الحرج لتعفيه، وتعفي نفسها من تلك الموقف الذي يضعهما في خجل.

الثاني: إنها عبرت عن إرادتها الحرة وتمسكت بإظهار رغبتها في الزواج.

علمتنا السيدة خديجة العظيمة كيف يمكن أن نحب؟ وما هو الحب والمودة؟ وكيف يمكن أن تكون المرأة قوية؟ وكيف تعبر عن رغبتها في الحب والزواج دون أن تهين نفسها أو كرامتها، أو تعرض سمعتها لحديث قيل وقال بأن تبحث عن الوسيط الأمين لتعبر عن تلك الرغبة، إنه نهج الأميرات من النساء الأشراف في الإسلام، إنها أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد التي كانت نعم الزوجة الشريفة العظيمة التقية لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

أما المثل الثاني فكان أيضاً من نصيب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنها السيدة زينب بنت جحش الشريفة  التي كانت من علياء القوم في مكة، فهي تنتمي إلى قبيلة بني أسد وهي ابنة عمة الرسول صلى الله عليه وسلم، لم تمنعها أنوثتها ورقتها أن تعبر عن رغبتها، فقد تزوجت من سيدنا زيد بن حارثة في البداية بأمر الله تعالى لحكمة لا يعلمها إلا هو، فذهب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لكي يخطبها للصحابي الجليل زيد بن حارثة، وقد أبدت رفضها في ذلك الوقت، ولم يحاسبها الرسول الكريم على ذلك أو يلومها على عدم الموافقة ، لكنه فقط ذكرها بأن تلك مشيئة الله التي يجب أن يخضعون جميعاً لها ، قال تعالى : “وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا” آية 36 الأحزاب.

فقالت رضي الله عنها : رضيته لي يا رسول الله زوجاً، قال رسول الله : نعم، قالت : إذن لا أعصي رسول الله، قد أنكحته نفسي.

أراد النبي صلوات ربي وسلامه عليه أن يحطم الفوارق الطبقية الموروثة في الجماعة المسلمة، ليجعل الناس سواسية كأسنان المشط حيث كان زيد بن حارثة من الموالي أو كما يقال من الرقيق المحرر، وقد تحققت المساواة الكاملة بتزويجه من شريفة من بني هاشم وقريبة للنبي صلى الله عليه وسلم.

فيما بعد لم تسير الحياة على وجهها المطلوب بين زيد بن حارثة وبين السيدة زينب بنت خويلد، فجاء زيد للنبي يريد أن يطلق زينب فإن تعاملها معه يدل أنها لا ترغبه ، لكن الرسول رده عن ذلك وقال له (اتق الله وامسك عليك زوجك)

فأنزل الله قوله 🙁 وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۖ ) آية 377 سورة الأحزاب.

فإن الله تعالى أخبر نبيه أن زينب بنت جحش ستكون زوجة من زوجاته، لكن النبي خاف المنافقين وأقوالهم لأن زيداً ابن النبي بالتبني، لكن الله تعالى أخرج ما كان في صدر النبي ليكون زواجه منها ذات حكمة تشريعية عظيمة وهو إسقاط التبني ، بل وهناك حكمة عظيمة أخرى لم يتحدث الكتاب والفقهاء الإسلاميين المحدثين بها كثيرا فنادرا ما روت كتاباتهم ذلك ، وهي التعبير عن إرادة المرأة وإعطائها الحرية في الاختيار، فإن السيدة زينب بنت جحش لم تكن من البداية ترغب في سيدنا زيد بن حارثة، ولهذا فقد أراد الله تعالى أن يظهر قوة المرأة وحريتها في الاختيار حتى ولو كان هذا الرجل الذي لا ترغبه هو الصحابي الجليل الشريف الورع زيد بن حارثة.

قال تعالى : (فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ) آية 37 سورة الأحزاب.

أي انعم الله عليها بعد أن تم طلاقها من زيد بن حارثة بالزواج من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

فهل بعد تلك الحرية حرية، وهل بعد هذا الشرف شرف.

فيا فرحة النساء بالإسلام الذي حررهن وأنصفهن ورفعهن إلى أعلى درجة، فما بالنا وقد احتوى القرآن سورة النساء، فأي تكريم بعد ذلك، الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

عزة عبد القادر

أنا مصرية وأعمل كمدرس قانون منتدب بجامعة حلوان ، بدأت العمل بالصحافة عام 2005 في مجلة المسلمات ثم انتقلت لجريدة إشراقات ، في عام 2011 عملت بجريدة النبأ الوطني ثم انتقلت إلى جريدة وموقع الوسيط الدولي ، بعد ذلك كتبت في موقع ساسة بوست وموقع توضيح وأخيرا موقع أراجيك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى