مدونات

ملاك التوحد

شُخصت ملاك الطفلة ذات العشرة أعوام حاليًا بمرض التوحد وهي في العام الثاني من عمرها، وهو كما يعرف باسم الذاتوية، اضطراب في الطيف الذاتويّ، حالة يخل فيها النمو العصبي لدى المصاب، والذي يؤدي إلى صعوبة في التفاعل الاجتماعي، والاستجابة للآخرين، وعدم القدرة على التواصل اللفظي، ويكون لدى المصاب سلوك مختلف وغريب نوعًا ما، حيثُ يتصرف وكأنه في عالم آخر وحده، وسلوك آخر يؤذي به المصاب نفسه أحيانًا، مثل العض والضرب وركل أطراف الجسم بقوة على الأرض، وكذلك الصراخ المفاجئ وغيره من التصرفات الغير طبيعية.

تعزل ملاك نفسها بعيداً عنّا، لا تشعر بنا، تمشي بيننا ولا تلاحظنا حتى، تجلس في مكان حيث لا يقابلها إلا الجدار، تنظر بعينيها إلى السقف دائمًا، لا تتفاعل معنا ولا يهمها إن كنّا موجودين أساساً، تتمتم بفمها كلامتها الخاصة الغير مفهومة، تضحك أحيانًا بلا سبب بصوتٍ عالٍ، تبكي في الحين الآخر لسببٍ غير معلوم كذلك بصراخ ونياح، يقذف في قلبك الألم والأسى عليها، وليس بيدك إلا أن تشاهدها من بعيد، وإذا اقتربت منها فقد تؤذيك، ولكن تأكد أنه بغير إرادتها، فهي ملاك، فكيف تجرح أحدًا؟

تقف أمها عاجزة، ليس بوسعها شيء إلا أن تستغيث بالله لكي يعطيها الشفاء، المرض لم يصب ملاك فقط، بل أصاب العائلة كلها!

الأم أنهك ظهرها وهي تحملها، وتبدّل لها وتنظف الفوضى التي تسببها، وتتألم لرؤية طفلتها بهذا الشكل، وحيدة لا تلعب مع أحد، ولا تتحدث مع أحد، ولا تفعل الأشياء الطبيعية التي يقوم بها من هم في سنّها، كرهت الأم هذا الاختلاف الذي تعاني منه ابنتها وتعبت من المحاولة دون نفع، في كل مرة تؤمن أنها ستتغير وسيختفي مرضها كما تختفي العاصفة بحلول اليوم الجديد، ملاك ليست الوحيدة عند أمها ولكنّها الأقرب.

ليس لأنها تشفق عليها بسبب المرض، بل لأنها حقيقية، قد تكون غير طبيعية ولكنّها من الداخل حقيقية، لا تؤذي أحداً بكلامها، ولا تحكم على الناس بشكلٍ قاسٍ، وتفضل أن تعيش منعزلة على أن تشارك في هذا النفاق الاجتماعي، يرهقها التفكير بمستقبل ابنتها كثيراً، ماذا عن تعليمها؟ عن حياتها الشخصية؟ وعن مصيرها القادم؟ كيف ستواجه كل هذا بصبر؟ هل ستأخذ ابنتها في النمو على هذا الحال؟ فملاك حالتها تتطور عاماً فلآخر، سيضيع عمرها ولن تعيش الحياة التي يعيشها أقرانها، ستكون وحيدة، تجلس بعيداً في الزاوية حيث لا يدري عنها أحد.

وليست أمها فقط، فوالدها يقف في الجهة الأخرى، والتفكير والحيرة بالكاد يقتلانه وهو لا يعرف كيف ينقذها، يحاول أن يسيطر على الوضع بقدر الإمكان، يوفر لها العلاج، يأمن لها الرعاية التي تحتاجها، ويحاول أن ينصف بينها وبين حق إخوتها الآخرين في الاهتمام، فيجب أن تمضي الحياة رغم الظروف والمعوقات، ويطلب الرفق من الأيام بحاله، ولا يسعه إلا أن ينظر لها وهي تجتازه ويبتسم لها في كل مرة.

ملاك ليست بحاجة إلى أن تقطع الأميال لتلقي العلاج من هذا المرض، وهي ليست بالحاجة إلى أن تتغرب في مكان لا يوجد فيه أحد تعرفه حتى تُخلق فتاة طبيعية من جديد، ولا تحتاج إلى شفقة أحدهم، حقها هو العلاج في موطنها، بين أهلها وفي مجتمعها الحقيقي.

ليس ذنبها أن تولد في مكان لا يراعون فيه حالتها الخاصة، وليس ذنبها أن علاجها بات أمراً مستحيلًا، حق الحياة يجب أن يعود إليها لكي تندمج مع العالم الخارجي وتتعلم منهم، ومثل ملاك هناك الكثيرون، ينتشرون بصمت، لا أحد يعلم عنهم شيئاً، يعانون في صمت، يحتاجون إلى كلمة الحق تخرج وتحرك من في قلبه إنسانية، ويحدث الله بعد ذلك امراً.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق