سياسة وتاريخ

ملاحظات حول الفكر الاشتراكي التحرري

ملاحظات حول الفكر الاشتراكي التحرري

إن أبسط تعريف للاشتراكية هو “ملكية المنتجين الحقيقيين (العمال) لوسائل الإنتاج” وإدارة الناس لشؤون حياتهم دون وصاية خارجية. فالفكر الاشتراكي قام على أساس المطالبة بملكية المنتجين لوسائل الإنتاج، للتخلص من العمل بدافع الحاجة، وتحرير الطاقات الإبداعية للعامل، كما قال فيلهيلم فون همبولت (وهو مؤسس الفكر الليبرالي الأصيل)، وتعزيز روح المبادرة في مجتمعات تعاونية طوعية تشاركية حرة.

وحصر إدارة العمل بيد العمال وليس بيد فئة نخبوية تدعي تمثيلهم. فالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ما هي إلا سرقة واستغلال “القوي للضعيف” كما قال جوزيف برودون. وتعود ذجذور هذه الأفكار، إلى جانب الأفكار الليبرالية الأصيلة، إلى مثل التنوير التي نادت بالمساواة بين الناس أمام القانون وحق الإنسان في تقرير مصيره.

في ضوء ما سبق، لا يمكن الحديث عن تجارب اشتراكية تحررية حقيقية وواقعية، باستثناء بضعة تجارب محلية محدودة تم إفشالها بالقوة، مثل تجربة الماخنوية في أوكرانيا وإقليم كاتالونيا في الثورة الإسبانية وكومونة باريس وعاملات النسيج في القرن 19 في ماساشوستس إبان الثورة الأمريكية. أما الدول التي قامت على أساس ادعاء تطبيق الاشتراكية، مثل الاتحاد السوفياتي المنحل، فقد تبنت حكمًا شموليًا وشكلًا من أشكال رأسمالية الدولة، وتدعى أحيانًا الاشتراكية السلطوية (نقيض التحررية). وقد أدرك كثير من المفكرين الليبراليين والاشتراكيين أن تحكم بيروقراطية الدولة بالإنتاج لن يخلق الشروط اللازمة لتحرير العمال مهما كانت غاياته سامية. لذلك فإن مفكرين منهم باكونين وراسل وتشومسكي وكامو وأورويل وغيرهم، وجهوا سهام نقدهم لها، كل بطريقته.

في عام 1871 خرج عمال باريس للمطالبة بإلغاء الملكية القائمة على أسس طبقية، فسعوا لاستعادة حقوقهم من مستغليهم، وإلى تحويل الملكية الفردية إلى حقيقة عن طريق تحويل وسائل الإنتاج إلى أدوات عمل حر وتكافلي. وقد سقطت تلك التجربة مضرجة بالدماء على يد حكومة فرساي. أما ثورة البلاشفة في روسيا، والتي كان عمادها هم الاشتراكيون الثوريون اللاسلطويون، فقد أفضت لوصول فئة مستغلة لا تختلف كثيرا عن النظام الذي انقلبت عليه، وأدت إلى تركيز السلطة واحتكارها بيد الحزب الواحد، ما كان له نفس مساوئِ تركيز الثروة الرأسمالي التي تدَّعي “الثورة العنيفة” رغبتها في التخلص منها. وقد كانت الستالينية هي النتاج الذي تنبأ به برتراند راسل مبكرًا عقب لقائه الشهير بالزعيم الشيوعي لينين. إذ أسهم احتكار الدولة البيروقراطي للإنتاج في عرقلة الحرية الاقتصادية التي تساعد العمال على إدارة إنتاجهم بطريقة ديموقراطية، فأغلقت كثير من المصانع في السوفييتات التي لم تخضع لرقابة اللجان الحزبية المركزية الصارمة.

لقد حسنت رأسمالية الدولة من حال العمال بشكل طفيف للغاية، وقد أضرّت سياساتها المركزية والشمولية بشدة بالطبقة العاملة الذين كانوا أثرب إلى العبيد في تلك البلدان وأبعد ما يكون عن إدارة شؤونهم. ففي بلادنا، كان قرار التأميم الذي اتخذه ناصر في الجمهورية المتحدة قد أفضى لمصادرة وسائل عمل كثير من العمال والتي تشكل مصدر رزقهم الوحيد. ولم يكن الحال أفضل بعد الانفصال، ففي مدينة حمص تظاهر عمال النظافة في ستينيات القرن 20 للمطالبة بمكانس تنظيف وملابس عمل، وتم قمعهم من قبل قوات مكافحة الشغب. وهذا يعكس الحالة المذرية للطبقة العاملة في بلادنا حتى بعد حدوث “تحول” وصف بأنه “إشتراكي” يقوده حزب “اشتراكي” في البلاد.

لقد كان للدول التي ادعت تمثيل “الاشتراكية” أثرًا كارثيًا في نواحِ عدة على الطبقة العاملة وعلى مفهوم الاشتراكية نفسه، والذي أصبح مفرغًا من معناه. فقد ساهمت تلك الأنظمة بسياساتها الديكتاتورية وابتكارها للقمع والرعب الذي مورس ضد الجماهير الكادحة بشكل أساسي في تشويه مصطلح الاشتراكية وربطه بالشمولية والاستبداد الدولة وحكم الحزب الواحد. كما أنها قامت بتحطيم جميع البدائل الاقتصادية الممكنة ما جعل الرأسمالية “قدرًا” لا بديل عنه لقرن من الزمن على أقل تقدير، وهو الذي أفضى لظهور الأيديولوجيا النيوليبرالية، التي “تقبع خلف مشاكلنا” كما وصفها محرر النيويورك تايمز جورج مونبيو، والتي لعبت دورًا في انهيار الخدمات العامة وثقافة التكافل الاجتماعي والتعليم وعودة شبح إفقار العائلات وانهيار التوازن البيئي، وحتى صعود دونالد ترامب والنسخ المصغرة عنه إلى السلطة في أكثر من بلد.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

‫4 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى