مدونات

مقام بيروت الغاضب: مدينة النور تعزف نغمًا حزينًا

أصاب بيروت عطبٌ شاملٌ في غفلة من أولئك الذين لا يلتفتون سوى إلى ما يقوّي جناحهم السياسي بمزيد من مدّ اليد في خزينة البلاد المنهكة أصلًا، وذاك ما خلق تذمرًا واضحًا في الأوساط الشّعبية التي تحاول أن تجعل من عرقها نهرًا يغتسل فيه لبنان من خطايا الفسدة والمولعين بنكئ جراح الوطن حتى لا يبقى للدّم سوى اسم الخيانة والأوردة الواصلة مع النهب والسرقة وتشكيل الكانتونات الغارقة في عصبياتها المستمرّة رغم وجه مدينة النور العريق في المحبّة.

حين أقام عازف العود الجزائري “علاّ” سنة 2006 حفلًا ارتجاليًا في مدينة النّور بيروت كما أسماها الشّاعر والفنّان فادي العبد الله، الذي حضر الحفل في “كافيه دو لا دانس”، كتب هذا الأخير في آخر مقال له عن الحفل: “لافتة ودقيقة جدّاً هي الكلمة الوحيدة التي تلفّظ بها “علاّ” في الأمسية، في ختامها تحديداً، بعد إيّابه من تجواله في ثنايا الرّوح، قال بالفرنسية voilà”.

Voilà، يمكن ترجمتها في سياق المعنى بــ”هذا كل شيء”. هل أناب “علاّ” عن بيروت حينها وقال ما لم تستطع أن تبوح به لعشّاقها كمدينة للنّور والمعنى؟ أو يمكن أنّ بيروت أبهرت “علاّ” إلى درجة أنّه قالها نغمًا وكلمة وحيدة. أو يمكن أيضًا أنّ “علاّ” استمتع بالدّفء الذي منحته بيروت له بعد أن جاءها من “عزلته الباريسية” كما وصفه فادي العبدالله، “دفء بيروت ذاك الطّالع من أرزها ومن مبانيها الجميلة وأطرافها المشبعة بروح الجبل وأصالة  الضّيعة”.

لم يكن “علاّ” سوى فنّانًا على باب الله يرتجي فرصة من نغم كي يستطيع أن يشرب الأمكنة ويزرعها في أعماقه ليقف على حقائقها. يرى كيف ينزرع النّور في ثنايا التراب لينجز مدينة في مقام بيروت التي كظمت غيضها إلى أن لم تستطع الاحتمال، فانفجرت. هل كان انفجار بيروت تعبيرًا عن عدم الاحتمال؟ عن فقدان طاقة الابتسامة المقتدّة من الألم على وجوه اللبنانيين كي لا يفقدوا الأمل ويظلّوا متمسّكين بحبل النّجاة من غرق أكيد.

voilà، لم تكن كلمة عابرة من العازف “علاّ”، لم تكن وترًا اهتزّ وفقط، لم تكن كلمة خارج سياق الارتجال المعبّر والمُعجز، “علاّ” استطاع أن يرتجل سهرة كاملة من أجل مدينة النور ولم تنطق شفتاه بكلمة سوى تلك التي لخّص فيها رؤيته النّغمية لــ “مدينة النور”.

voilà، هي بيروت في أشدّ حالات الاهتزاز الذي يصله الوتر حين تمتد إليه أصابع عاشق، فنّان يعرف أهمّية الصّمت حين تتكلّم المدن، هل كان “علاّ” يستمع إلى ألم بيروت الدّاخلي وهو ينحني برأسه على العود ليعرف جيّدًا الكلمة التي سوف لن يقول غيرها في حفل تحضره بيروت ذاتها مشتاقة إلى فنجان قهوة Arabica. كان “علاّ” يرى بيروت في الطّاولات الأخيرة تنظم أشعار ليلتها تلك، وتتوسّل إلى البيروتيين لكي يناموا على صوت الإنسان خارج أقبية الأبنية المطلية بدهن السياسة والطائفة والمذهب والمنطقة.

voilà، تلك، ليلة باتت فيها مدينة النور محمّلة بوصايا “علاّ” الفنّان الذي أنجز “الفوندو” من عالم لا تتحكّم فيه سوى نغمات مرتجلة وأوتار تحكي تاريخ أبٍ نزل إلى عمق المناجم وترك أنفاسه عالقة بجدران مدينة “بشار” الجنوبية في جزائر الثورة والمواعيد الطّالعة من جنون العود والبانجو.

أهدى ليلتها عازف العود بيروت اسمها المدوّن على مساحات الموسيقى البيضاء، وغنّاها وترًا مضافًا إلى أوتار عوده، وحين تصير بيروت وترًا، يغدو “علاّ” عاشقًا، وتعود الألسنة إلى قلاع الصّمت لتتكلم المدينة معلنةً بوحها وأنّاتها، سارقةً من حنينها لحظة كبياض الحمام وهذيله، فيراها العابرون راقصة تتجلى كما العذراء بعيدًا في السّماء:

ليديك سماء صغرى:

ما أعذب همّك

أيّتها الضّيعة شاردة بين حطام المدن القتلى

أعرف أنّك أضعف منّي

فأنا الوعريّ

يؤجّجني نزق فطري

لكن لضعفك شوكًا وحميًّا

ما أضعفني.

هذه الأسطر من “قصيدتا حب” لجودت فخر الدين في ديوانه “أوهام ريفية”، مؤرّخة 19- 03 -1979، هل كانت المخاطبة مدينة النور (بيروت)؟ حتى ولو لم تكن هي فإنّ أوصافها حاضرة وألمها متّشح على وجه القصيدة، ولعلّ لبيروت الصّابرة على نزق السّاسة “همّ عذب” يستحليه من يتلّمسه في أغانيها، ومن بسمتها يظنّها ضعيفة لكن “لضعفك شوكًا وحميًّا”، لم يروه، ولم يستطيعوا أن يقرأوه على شفتيك أو يستقرأوه من صمتك، فغرّهم صبرك “بيروت”، فكانوا على موعد مع الغضب القادم من عمق النّداء في “ما أعذب همّك”.

“علاّ” عرف كيف يسامر همّك العذب، ويلتقيه على قارعة “الكافيه” ويوشوش في سمعه صوت الوتر إذ يكتبه الوجع كلمة واحدة، وتر، رمّمت العزلة نقصه فأضافت بيروت نوتة واحدة إلى سلّمه الموسيقي، تلك هي واحدية المعنى في كلمة: voilà.

voilà، تضع سياقات بيروت الجمالية والقبحية أيضًا في مواجهة داخل حقيقة اهتزاز وتر، ذلك هو اهتزاز وطن، كيف يخرج البيروتيون يقاومون جبال القمامة التي تزكم أنف المقاهي العتيقة العبقة بروح الشّعر المعفّر بالأسئلة الحداثية، ويخرجون ومازالوا كذلك يواجهون عنف السّلطة والسياسات العقيمة، ملّ أفق اللبناني أمراض المنطقة والطّائفة والمذهب وظلّ يستمع، ويستمتع بصمت بيروت الغاضب وينتظر ربّما انفجاره إلى جانب انفجار المجتمع بالحراك المفتوح على الألم والأمل.

ربّما voila، كانت خرير لساقية تعبر شوارع بيروت، تذكّرها بزمن الضّيعة والشّيوخ الذين كتبوا تاريخ مدينة النور على واجهة الحكايا والمدينة التي تنشر، وتنشر ومازالت تنشر الكتب التي يقرأها العرب، كلمة واحدة، كما تنهيدة من صدر العازف على قارعة المقهى، تلك بداية حكاية جديدة في صدر كتاب سوف تنشره بيروت بعد أن تنجلي غمامة الانفجار العظيم الذي هشّم زجاج أبنيتها، وشرّد الإنسان وحرمه وضعًا مسقوفًا لفضاء كان يمتلكه وعرّته السياسة الوسخة بالمال المكتنز في الجيوب، وفي عقارات تجارة المال الفاسد.

voilà، كانت تعيد مع أميمة الخليل كلمات:

يا يا يا..يا شوارع

بيروت الحرب اليومية

يا مدينة يا يا مخزن هم

يا هيصة ووحشة جمرية

اقرأ أيضًا: انفجار مرفأ بيروت: ما بين الحقيقة والتسريبات ضاعت البلاد

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق