سياسة وتاريخ

مفهوم الوحدة الإسلامية ومقوماتها

الوحدة الإسلامية معناها أن تجتمع قلوب المسلمين على قلب رجل واحد، وأن تشيع بينهم روح الألفة والمحبة والتعاون، معناها أن تجتمع كلمة المسلمين بلا مذهبية ولا عصبية ولا طائفية ولا نعرات قومية.

ومعناها أن يجتمع المسلمون على أهداف معينة وغايات بعينها، وأن يكون هم المسلمين الأوحد هو تحقيق هذه الأهداف وتلك الغايات الكبرى.

ومن معانيها أن يتعاون المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها تعاوناً ثقافياً وحضارياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، ومن هنا فوحدة المسلمين هي وحدة القلوب، ووحدة الكلمة، ووحدة الهمِّ، والهدف، والغاية، وهي وحدة ثقافيةٌ وحضاريةٌ واقتصاديةٌ، وأخيًرا وليس أولًا؛ وحدة سياسيةٌ.

وقد قلت أن وحدة المسلمين السياسية تأتي آخرًا؛ لأنه لا معنى لاجتماعنا تحت راية سياسية واحدة وقلوبنا مشتتة متفرقة متعادية.

حديث القرآن عن الوحدة

قد أمرنا الله تعالى بالوحدة في آيات كثيرة، منها قول الله تعالى: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ” (103) آل عمران.

والاعتصام معناه التمسك بالشيء، والمراد بحبل الله تعالى دين الله وكلمة الله التي تجمع المسلمين جميعاً تحت لوائها، ولقد عبر القرآن الكريم بلفظ الحبل لقوته وشدته، ولجمعه المتفرقات وضمها إلى بعض، وشدِّها شدًّا محكمًا.

وهكذا الإسلام يجمع أبناءه وشتات قلوبهم فيضم بعضهم إلى بعض، ويشد بعضهم إلى بعض، ويؤلف بين قلوب أبنائه، قال تعالى: “وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” (63) الانفال.

ومن هنا فلقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بالبناء الواحد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا” أخرجه مسلم.

كما شبه النبي صلى الله عليه وسلم وحدة المسلمين واجتماعهم بالجسد الواحد، وهذا من قوة الترابط والتماسك وعظيم الإحساس الذي يربط المسلم بأخيه المسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”، وأنا لا أدري حين نجد المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، يتباهى كلٌ ببلده ووطنه، ويجعله النجم الأوحد الذي تنسب إليه المفاخر كلها، وصار المسلم يتعمد الإسقاط على دولٍ إسلامية بعينها، وتفاخر الجسد الواحد بعضه على بعض، ومن هنا تمزقت الأوصال وتقطعت الحبال والوشائج.

ولعلنا حين نتحدث عن الوحدة والتآلف والتعاون والترابط والمحبة، فكل هذه معانٍ نفسية، غير أن آية آل عمران والأحاديث النبوية نقلت هذه المعاني من جوها النفسي إلى عالم الحسيات؛ لتأكيد هذا الترابط وتثبيته حتى أنه من شدته كأنك تراه بعين رأسك واقعًا، بل لعمري، فهذا ميزان ومقياس نقيس عليه وحدتنا ونزنها بميزان هذه النصوص، وأي خلل في الوحدة فمرجعه إلى الخلل في الإيمان والعقل الجمعي.

مقومات الوحدة الإسلامية

الوحدة الإسلامية ليست شعاراً يرفع في المحافل والاجتماعات والمؤتمرات، بل هي منهج وثقافة تقوم على أسس معينة منها:

  • الإحساس بأن المسلمين مهما تباعدت أقطارهم وفرقت بينهم حدودهم فهم جميعاً أخوة في الدين، وهذه الأخوة ذكرنا الله بها مرارًا، ففي سورة البقرة: “فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178)”، وفي سورة آل عمران: “اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)”، وفي سورة الحجرات: “إنمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)”.

ولعلك تلحظ معي أن هؤلاء الآيات ذكرت إخوة الدين في معرض الحديث عن القصاص والعداوات والخصومات، وفي هذا لدليلٌ على أن حقوق الأخوة أكثر ما تظهر منادياةً بحقها هو وقت الأزمات والاختلافات والإحن والمحن، وإذا كان المولى سبحانه وتعالى أمرنا بمراعاة حقوق الأخوة في وقت الخلافات والنزاعات، فما بالنا بوقت الوفاق وائتلاف الكلمة والصفاء.

  • التآلف بين المسلمين: ومعناه التقارب والامتزاج والالتئام والالتحام النفسي والشعوري بين المسلمين وبعضهم، ولعلنا نعلم يقينًا أن قوة المسلمين الحقيقة في ألفتهم وتقاربهم، قال الله تعالى في سورة الأنفال: “ولَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64)”.

ولنا مع تلكم الآيات وقفة متأنية، فالحديث جاء عن القوة التي أمر الله بإعدادها قدر المستطاع، ثم جاء بعد ذلك الحديث عن المؤمنين وتآلفهم، ودلالة ذلك أن القوة الحقيقة لدى المسلمين ليست في قوة السلاح والرمي فقط، بل من معاني الآيات واتساقها نفهم، أن من قوة المسلمين تآلفهم ووحدتهم.

كما ترشدنا الآيات إلى أن هذا التآلف هو صنعة الله تعالى بحكمته وقدرته، وأن ألفة المسلمين ليست بالأمر السهل ولا الهين، وإلا فلماذا قال الله تعالى: “لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم”، فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يملك جمع المختلفين فما بالنا بغيره.

ولعل هذا يشرح لنا ويفسر أن كل ما يعقده المسلمون من منظمات ومجالس وتحالفات وما يرفعونه من شعارات، كل هذا لم يزدنا إلا تفرقًا وتشرذمًا وضعفًا؛ لأننا طلبنا شيئًا لا تستطيعه منظماتنا وتحالفاتنا، إنها الألفة التي هي من خصوصيات الله تعالى: “ولكن الله ألف بينهم”.

فالامتزاج النفسي والشعوري والعاطفي الذي يجمع معنى التآلف، يشبه إلى حد بعيد مكونات (الملاط)  من الماء والرمال والتراب، والتي تتركب وتختلط بأسلوب وكيفية وطريقة معينة مع الحجر والطوب، حتى تقيم البناء المحكم الذي يقف أمام عاتيات الحوادث.

بل وأكثر من ذلك، فما أجمل هذا التشبيه بين التآلف ههنا الذي يجمع الأمة كلها، وبين مواد البناء والملاط التي تكون البنيان، وهذا عين ما ذكرنا به النبي صلى الله عليه وسلم: “المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا”، ثم أليس هذا البنيان يحتاج إلى من يؤلف بين حجراته، فهكذا هي الألفة تشد المؤمنين وتجمعهم إليها، فلا تشغلوا أنفسكم بشعارات، ولكن أشغلوها بمرضات الله وجمع الشتات حتى يؤلف الله بين المسلمين.

  • التحذير من التفرق والاختلاف: والتفرق هنا ليس معناه فرقة الأرض واللسان، وإنما هي فرقة القلوب واختلافها، واختلاف الأمة فيما بينها، ولقد حذرنا الله تعالى من ذلك فقال تعالى: “وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)” آل عمران، وقال تعالى في سورة الأنفال: “وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)”، ولك أن تنظر إلى التعبير بذهاب الريح، وهو آخر ما يذهب عن الإنسان بعد رحيله، وحين ترك المسلمون ديارهم ومساجدهم التي هي بقايا ريحهم في الأندلس، تحولت بعد ذلك إلى ما تحولت إليه، وهذا هو ذهاب الريح من الديار.

ولعلنا إذا استجمعنا ذاكرتنا وعدنا إلى أسباب ما نحن عليه من عداوات وخصومات وفرق مذهبية متناحرة، تلوح غيوم الحرب فوق سمائها، سنرى أن الاختلاف والتنازع كان سبب ذلك وأسه.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

سعيد عبدالخالق طه

عضو المركز الإسلامي المصري بدار السلام تنزانيا ليسانس اللغة العربية جامعة الأزهر عضو المركز الإسلامي المصري بتزانيا أؤمن أن لشريعتنا الإسلامية فلسفة لا بد أن تدرك نقدم رؤية لا أكثر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق