ثقافة وفنون

مفهوم الحضارة

“الحضارة هي تراث أو إرث من العادات والتقاليد والمعارف، التي ورثتها وحصلت عليها الأمم والشعوب بطريقة بطيئة وتدريجية عبر الزمن، والتي يصعب علينا تبريرها بالمنطق وتبرر من تلقاء نفسها، مثل طرق أو سبل إذا قادتنا إلى مكان ما، بما أن هذه العادات والأعراف تفتح للإنسان فضاءه الداخلي” (1)
وقد ظهر مفهوم أو لفظ “الحضارة”  لأول مرة في فرنسا في منتصف القرن الثامن عشر، ونجده استعمل ربما لأول مرة من طرف ماركي دو ميرابو سنة 1760، وهو مشتق من فعل “تحضر” يتحضر، والمشتق بدور من الحضر أو الحاضرة التي تعني المدينة أو سكان المدينة.

في الأصل هو يثير فكرة الحياة الحضرية، التي تقابل الحياة القروية أو حياة البادية للفلاح أو الإنسان البدائي” المتوحش”، ولكن في عصر الأنوار كان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمفهوم التقدم والتطور.

الحضارة كما يتصورها كانط أو هيغل، كوندورسي أوكويزو هي إذن “حالة الكمال” التي تسعى لتحقيقها كل المجتمعات البشرية، وهي منتوج تطور وصيرورة سماوية أو جدلية انطلاقًا من حالة مناقضة أو أصلية: التخلف.

حاليا أيضا لفظ “الحضارة” تعني “مجموع الصفات المشتركة للمجتمعات البشرية التي تصف بكونه الأعلى”.

في القرن التاسع عشر، انتقد تيار الفكر الرومانسي هذه النظرة الكوسموبوليتية أو العالمية، مستنداً إلى تطور علم الآثار، حب الأجنبي-الدخيل والاكتشافات العرقية –الاثنوغرافية، وأكد الفرق بين الأمم، وارتبط أكثر بالخصوصي والمتعدر منه بالعام والمتشابه.

لفظ “الحضارة” أصبح له معنى جد مختلف مع الأول، والحضارة عرفت إذن “كمجموعة مركبة من الظواهر الجماعية التي نتجت عن النشاط الخلاق للإنسان؛ فكر فلسفي، ديني أو علمي، الأنظمة أو الأنساق الأخلاقية، القانونية المؤسساتية، الإبداعات الفنية، اختراعات علمية”.

لكي يكون مجموع هذه الظواهر الاجتماعية حضارة وليس”ثقافة” بسيطة ، يجب عليها -أي الظواهر- أن تتوسع في الزمان والمكان، حدث حضارة يتموقع في”الأمد البعيد”، ويشكل ديمومة نسبية ويغطي مجالًا جغرافيًا واسعًا.

إذن وكمثال، يمكن للجغرافي أحيانًا أن يميز حضارة بواسطة عنصر واحد من عناصرها، ويتحدث عن “حضارة العسل” أو”حضارة النباتات”، في حين أن المؤرخ يدرس مجموع العناصر التي تكونها دون تدريجها.

ففي هذا المعنى يمكن الحديث عن الحضارات المصرية، السومرية، أو الانكا، حسب هذا المعنى لفظ الحضارة إذن يخضع للعبة التسلسل والتقسيمات والخلاصات الذكية.

الحضارة الرومانية يمكن دراستها كحضارة أصلية جد محددة زمكانيا، ويمكن أيضاً اعتبارها كبنت للحضارة اليونانية، حيث نتكلم إذن عن مفهوم الحضارة اليونانية – الرومانية؛ وهي أيضاً أصل الحضارة الأوربية الحالية، ويمكن على سبيل المثال وداخل “الحضارات الكبرى” تحديد أو تدريج حضارات محلية؛ إنجليزية، فرنسية، يابانية.

عكسياً يمكن التحدث عن “حضارة غربية” التي يمكن لدول جد متباعد كأستراليا والنمسا أن تجد مكانًا بداخلها.

مهما يكن فإن المؤرخ الحالي يستشرف المفهوم التفائلي والأخلاقي والتبسيطي للقرن الثامن عشر، على حساب النظرة التعددية المتقطعة للقرن التاسع عشر، ولكن عالم اليوم يدفعه لطرح السؤال؛ ألسنا في لحظة مميزة من التاريخ؟ لحظة تضمحل وتتلاشى فيها كل التباينات الحضارية، وأن “الحضارة الواحدة” المفضلة عند فلاسفة عصر الأنوار في طور التكون أو تلوح في الأفق؟

هوامش:

(1) سان أنطوان أكزوبيري، ربان الحرب، صفحة105، طبعة كاليمار 1943.

ترجمة/ المرجع:

J .Sento et Ch.O.Carbonnell
,Histoire ,le monde contemporain
,Classe terminale ,Librairie Delagrave,
1971,P 229

برجاء تقييم المقال

الوسوم

حمزة خليف

ذ حمزة خليف باحث وكاتب منذ ٢٠١٦ ، مغربي من مواليد ١٩٧٧،له عدة مؤلفات لم تنشر بعد بصفة رسمية من بينها : .مقالات ومنشورات( بالعربية والفرنسية )؛ لغة الكلام ؛ معطفي قال لي ؛ عبد الملك بن مروان (في طور الإنجاز )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق