سياسة و تاريخ

مفهوم الانتخاب من العملية “الإجرائية” إلى وعي “الحرّية”

بين ثورة الشارع في الجزائر ورفض الانتخابات وثورة الصندوق في تونس وانتصار مسعى الحرّية، يصبح ضروريا النظر في هذه العملية التي تمتحن حرية الإرادة وممارسة الحرية.

تعتبر المجتمعات العربية من حيث التكوين مجتمعات أبوية تتأسّس عند حافة الرؤية الواحدة للزعيم، ومن ثمة اعتبرت الحرية قيمة تابعة للحالة التي يصفها الشخص الذي بيده السلطة، فالأخذ بذلك البعد الديماغوجي المعرّف فقط في عرف السلطة وأدبياتها وما يمكن أن تنتجه من مصطلحات درج عليها وعيها المتسلط الكامن بين الاستحواذ والتعبئة.

بنية المجتمع العربي وحقيقة الإنسان

تكشف لنا بنية المجتمع العربي على عمق التشابه والتطابق في الخطاب السلطوي اتجاه “الأفراد” القائم على عدم الخروج عن الخط المرسوم من قبل رؤية المهيمن على دواليب السلطة، وتأطير التفكير داخل الدائرة المجتمعية بعناصر الإيديولوجيا الأحادية، وتأميم التفكير خارج الخط الذي يعتبر فيه الإنسان حقيقة قائمة بذاتها، تمتلك إرادة التغيير والتعليق على الحدث واتخاذ مسارا تكون فيه هذه الحقيقة واضحة وجلية ومسموعة، لأنّه “لا يستطيع الإنسان أن يعيش بلا حقيقة. ولكل إنسان حقيقة يضم حياته حولها فتحدّد أهدافها وتعطيها دلالة ومضمونا وتعطيها دلالة ومضمونا” كما يقول هشام شرابي في “مقدمات لدراسة المجتمع العربي”.

تقوم أهمية الجدل المجتمعي في أنه يحوّل الاختلاف حول المفاهيم الإجرائية إلى جدل حول التصورات، وبالتالي ينطرح سؤال الانتخاب لا بكونه عملا ولكن بكونه تصور يتأسس على قواعد ومفاهيم.

إنّ الحقيقة التي تكلم عنها شرابي لا تمثل سوى قيمة الحرية التي بدونها تنبني جدلية القمع وتكميم الأفواه والإذعان للصوت الواحد، ولهذا ارتبط مفهوم الانتخاب في العرف السياسي الغربي بالصندوق، الذي يمثل في رمزيته مؤسسة السلطة شكلا، والإرادة الحرّة مضمونا، تلك التي جعلت المواطن يتداول أمر الاختيار بينه وبين ذاته الحرة خلف عازل لا يمثل سوى الضمير الاجتماعي الذي يصب أولا وأخيرا في مصلحة المجتمع، ولهذا فالانتخاب ليس سلوكا فرديا بل فعل إرادة جماعية.

بين سلطتين.. الفكرية والقبورية

فالمجتمع يجب أن يقوم على وعي الانتخاب كمؤسسة وليس كجهة، إذ لا يمكن أن نتجاوز المكوّن الرئيس للمجتمع العربي وهو القبيلة، فالمجتمع القبلي ينظر – ولو كان حداثيا في مظهره – للعملية الانتخابية كإعلان جهة، تكلّف وجهائها بدعم فرد معيّن بذاته يحمل هوية الجهة عبر ما تكرّس في وعي المشيخة القبلية التي تؤول في كل أمورها إلى حكمة الشيخ دون الوضع في الاعتبار حرية الإرادة في المعارضة أو الاختيار، وهو ما جعل النظام السياسي يقوم على هذا الجدل الحاصل في بنية الوعي بين تأسيس سلطة الفكري أو تكريس سلطة القبري، وما بين التفكير والتقبير كما بين الانبثاق والانسحاق، والسلطة القبورية التي تطمر عميقا وعي النهوض والمواجهة، تعود جذورها إلى العائلة حيث الخوف من سلطة الأب يغرس كل قيم الانكفاء والانسحاق أمام شخصية وحيدة الاتجاه، ويتبيّن كما يؤكد شرابي أنّ “سلوكنا الاجتماعي وتركيب مجتمعنا مترابطان ترابطا وثيقا وأنّ المنطق الأساسي لتفهم هذه العلاقة يكمن في تحليل العائلة والعلاقات التي تقوم عليها وخصوصا علاقة الوالدين بأطفالهما..”، ومن هذا البعد السحيق في وعي البنية العقلية للفرد العربي تنتج كل علاقات التواصل بين المؤسسات و”التابع”، ويغيب في هذه المنظومة مفهوم “المواطن” المبني على علاقات الحق والواجب، والسلطة لا تعترف بالانتخاب كواجب سوى لأنّها ترى إلزامية المواطن في أدائه تعبيرا عن انضمامه للجماعة وتوافقه مع السلطة التي لا تظهر في مثل مجتمعاتنا إلا متناسقة مع الدور المنوط بها في تدجين الرؤية لمخرجاتها السياسية والاقتصادية والثقافية.

السقف المعياري للانتخاب

بعيدا عن الحكم على وجوب الذهاب من عدمه للانتخاب في الواقع الجزائري، لأنّ ذلك يخضع لقناعات الأشخاص السياسيين بعيدا عن التخوين والتتفيه لمسارات القناعات الفردية، يمكن أن تسفر الدعوة إلى الانتخاب في ظل الانقسام الحاصل مجتمعيا حوله عن رؤية للعملية الانتخابية في حدّ ذاتها تتجاوز حالة الاستقطاب إلى

نوع من القراءة في العملية ذاتها، وهو ما سيؤدي حتما إلى تحديد السقف المعياري لكل من الفريقين، أو كما سماهما الباحث السياسي بشير عمري، “التأسيسيون” الرافضون و”الدستوريون” الموافقون، والسّقف المعياري تاريخي ومعرفي، فمن الناحية التاريخية أسست الجماعة الوطنية حلمها الأول على فكرة التنازل عن  التعدّدية المختلفة لصالح الأحادية المنقذة، وهو ما جعل “النوفمبرية” سقف للتفكير داخل الحضن الوطني الواحد، وعلى مستوى الرّمز تبدّت تجليات هذا المعنى في رفض العلم الأصفر والالتفاف حول العلم الوطني بما يختزنه من شحنة نوفمبرية، وهو ما يمكن أن يكون تعبيرا عن الحالة الفردية في انكفائها داخل الوعي الجمعي في انفتاحه، إذ الحراك القائم حرّر المبادرة في قراءة تداعيات التعدّد في التفكير داخل الحالة الوطنية بما يجعل المؤسسة العسكرية فاعلا ومنضويا في نفس الوقت تحت البداهة الجديدة في قبولها للعبة السياسية القائمة عند الوقوف على حوارية القرار وليس تنفيذه في المباشرة المطلقة، وتعتبر هذه من محاسن الحراك الشعبي، إذ الحياد النّسبي للمؤسّسة العسكرية ينظر إليه كمكسب في عملية الحوار الوطني المأمول إطلاقه. أمّا من الناحية المعرفية فالانتخاب إجراء عملي يقوم بالضرورة على تحرير الإرادة وتكريس مفهوم الاختيار.

وعي لحظة الرّفض/التقريب والمقاربة

إنّ الوعي العربي ربّما يبدو في استيعابه للأشياء واقفا عند حدّ الرّفض لما لا يتقبّله، دون أن يقرأ تداعيات ما يراه سلبيا، ففي السلبي تكمن أحيانا كثيرة مخارج الإيجابي، لأنّ القراءة ووعي لحظة الرّفض كفيلان بأن يحيلا الإبعاد إلى تقريب والمناكفة إلى مقاربة، وهو ما يمكن أن نسقطه على الحالة الوطنية في تداعيات الاختلاف حول الشأن السياسي الظاهر لحسن الحظ في سلمية المسعى الحراكي وتواصل المؤسسة العسكرية في الظهور المختلف حوله من طرف الحراك، لكنّه في الوعي العسكري يعتبر تنازلا لأنّ الموقف العسكري تحكمه جدلية التطبيق مسبقا، ومن هذه الناحية التي تعبر عن تواصل مدّ الحبل البعيد في تراخيه وعن التوتر، يمكن أن يكون الجدل حول الانتخاب المختلف حوله قيمة لتثمين الفعل السياسي من حيث هو فعالية مجتمعية تهدف إلى خلق ميكانيزمات التعاون وإنتاج المفاهيم.

إنّ الانتخاب ليس هو تلك الوضعية التي تبدأ بالتسجيل في القوائم واستخراج البطاقة ثمّ دعوة الهيئة النّاخبة إلى ممارسة الانتخاب بما فيه التوجه إلى المركز الانتخابي والإدلاء بالصوت، ليس هذا هو الانتخاب، هذا يمكن تسميته “العملية الانتخابية”، أما الانتخاب فهو في حقيقته الوعي السياسي بالحرّية، بكل ما تمثله حرية الإرادة في اختيار الممثلين على مستوى المجالس المحلية أو الوطنية أو الاستفتاء حول الاستحقاقات الكبرى والمصيرية كما هو الحال بالنسبة للدستور.

الحراك الشعبي.. المرجعية والأطروحة

لا يمكن حصر الجدل القائم في الجزائر فقط في الاختلاف حول الذهاب من عدمه إلى الانتخاب، لأنّ في هذا، يظهر جليا وكأنّ التفكير ينحصر في الصراع حول أطروحة لم يتم استيعابها كوعي، بل كتكتيك لا يليق بمسار وطني كما هو الحال بالنسبة للحراك الشعبي أن لا يترك بصمته كمرجعية تاريخية في تعميق الفهم حول الأطروحات التي تخللت حركته. فالحراك الشعبي من حيث الأطروحة يمثل مستوى الوعي بوقوف المواطن من خلال منظومة الشارع لإرساء النظرة الأفقية إلى المؤسّسات الوطنية النابعة منه وإليه، فالشارع رمزيا هو سياق الوصول إلى المؤسسة، والأداة التي تمنحها معناها، فالمجتمع هو الشارع بكل مقوّمات اعتماده كمفصل في إنتاج صورة المواطن وهو ينسج حكاية وطن عبر الخيارات التي تتيحها كافة المواجهات اليومية مع المؤسسة الرسمية وما يمكنها أن تثيره من معارضة تنبثق من التعطيل لمصالح المواطن والذي يمكن أن يؤدي إلى انبثاق الاحتجاج والمطالبة بتحسين الوضع، وهو وضع ليس بالاستثنائي في عرف الديمقراطية الحديثة، ولكنّه طبيعي أنتجته طبيعة الديمقراطية نفسها كحالة من حالات التطوير المستدام للمفاهيم والممارسات الديموقراطية، وهو معنى من المعاني الأكيدة المختزنة في الأبعاد الرّمزية للانتخاب أو الإدلاء بالصوت الحر.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

‫2 تعليقات

  1. فعلا كما جاء في المقال وهي الجملة التي اتارت انتباهي ” الانسان لا يستطيع ان يعيش بلا حقيقة .”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق