سياسة وتاريخ

مفهوم “الاحتلال” عبر التاريخ

ربما دأبنا على تسمية دخول المسلمين والسيطرة على الأمم الأخرى بالفتوحات، غير أنها لابد كانت من منظور تلك الأمم والشعوب نوعاً من الاحتلال والهيمنة.. فمثلما أتانا “هولاكو” وقضى على الدولة العباسية في بغداد، لابد أن كل الشعوب التي وقعت قبلها وبعدها ضمن الهيمنة باسم الإسلام ونشر العقيدة وإنقاذ العالم من الوثنية أو الشرك أو أياً كانت المسميات والنوايا هي الأخرى كانت تراها صوراً من الظلم والبغي والاستعمار الغاصب.  قد يخالفني البعض بالقول إن الإسلام لم ينتشر بحد السيف، غير أن الشعوب التي سيطرنا عليها لمدد ليست بالقصيرة كانت بلا أدنى شك ترى غير ذلك.  فالمنطق يؤكد أن أية ملة تقوم بالتحكم في ملة أخرى سواء كان ذلك بحد السيف أو بشكل غير مباشر باستخدام آليات القوة الناعمة هي في الأخير تؤدي إلى السيطرة والتحكم والإذلال وفرض التغيير والاستغلال الظالم.

لنترك جانباً ما نسميها بالفتوحات الإسلامية الأولى لأنها قد تثير حفيظة شعوبنا العربية والإسلامية بدواعي أنها كانت “فريضة الاهية” واجبة علينا لنشر دين الله الحق.. أو لأنها كانت واجبة الحدوث حيث كانت الحركة الإسلامية في مهدها معرضة لمخاطر من الامبراطورية الفارسية من الشرق، ومن الامبراطوريات الصليبية من الغرب.. رغم أن هذا يدعونا بالضرورة للتفكر في حقيقة أهداف الانتشار والتوسع الإسلامي، إن كانت من أجل إنقاذ البشرية من ظلالها، أو أنها كانت من أجل درء الأخطار المتربصة بنا في الأساس!   لكن يبقى في الأفق أيا كانت الأسباب والمسميات والتأويلات أن فتوحاتنا التي لم نزل نفخر بها نوعاً من أنواع التدخل والسيطرة والتحكم “الجائر” في مصائر الأمم الأخرى سواء كانت تلك الأمم تمثل خطراً علينا بشكل أو بآخر، أو أنها كانت بعيدة عنا جغرافياً وبلغناها في النهاية عبر اجتياحنا لكافة الأوطان والأمم الأخرى الواقعة بيننا وبينهم.

لنأخذ هنا الحقيقة المرة بأن تاريخ البشرية لم يخلو قط من المعارك سواء كانت بين الدول والامبراطوريات، أو تلك الأدنى حجماً بين القبائل والإثنيات وأصحاب العقائد المختلفة.. أوروبا مثلاً لم يتوقف قط القتال فيما بين أممها حتى بلغت الحربين العالميتين وراحا ضحيتهما الملايين من البشر.. وروسيا القيصرية ومن بعدها البلشفية سيطرت بالحديد والنار على عشرات الأمم والشعوب من حولها وقضت على حضارات بأكملها.. والولايات المتحدة لعبت ذات اللعبة عبر تاريخها القصير وقضمت أجزاء كبيرة من المكسيك وتدخلت في شئون العديد من دول جاراتها الجنوبية، ولم تزل تفرض هيمنتها في مناطق شاسعة من أقصى شرق العالم حتى غربها سواء بقوة السلاح أو بقوة الاقتصاد وتتحكم بمصادر الطاقات والثروات وتهيمن على الممرات الملاحية.

لقد امتدت ظاهرة الاحتلال أو الاستعمار تاريخياً في جميع أنحاء العالم وعبر كل الأزمان بلا هوادة.  فقد مارس الاستعمار القديم وفي العصور الوسطى من قبل الفينيقيين والإغريق والصليبيين وغيرهم.  ثم بدأ الاستعمار بالمعنى الحديث أو الإمبريالية في القرن الخامس عشر تزامناً مع”عصر الاستكشاف” بقيادة البرتغاليين، ثم بالاستكشاف الإسباني للأمريكيتين وسواحل إفريقيا والشرق الأوسط والهند وشرق آسيا.  و ربما كانت الإمبراطوريتان البرتغالية والإسبانية أول إمبراطوريتين عالميتين لأنهما كانتا أول من امتدتا عبر قارات مختلفة، وغطيتا مناطق شاسعة حول العالم.  وفي القرنين السادس عشر والسابع عشر أنشأت إنجلترا وفرنسا والجمهورية الهولندية أيضاً إمبراطورياتهم في ما وراء البحار في منافسة مباشرة مع بعضهم البعض.

ثم شهدت نهاية القرن الثامن عشر ومنتصف القرن التاسع عشر الحقبة الأولى من إنهاء أغلب أشكال الاستعمار المباشر، عندما حصلت معظم المستعمرات الأوروبية في الأمريكيتين، ولا سيما مستعمرات إسبانيا وفرنسا الجديدة والمستعمرات الثلاثة عشر، على استقلالها من عاصماتها الأوروبية.  ثم وجهت مملكة بريطانيا العظمى (التي توحدت بين اسكتلندا وإنجلترا و ويلز) وفرنسا والبرتغال والهولنديين انتباههم إلى العالم القديم، وخاصة جنوب إفريقيا والهند وجنوب شرق آسيا، حيث تم بالفعل إنشاء مستوطنات ساحلية.  ومن بعدها أدت الثورة الصناعية الثانية في القرن التاسع عشر إلى ما أُصطلح على تسميته بعصر الإمبريالية الجديدة، حيث تسارعت وتيرة الاستعمار بسرعة للسيطرة على الثروات الطبيعية، وكان ذروتها التدافع على كامل أفريقيا، حيث انضمت لقافلة الحركة الاستعمارية دولاً مثل بلجيكا وألمانيا وإيطاليا أيضاً.

وفي غضون القرن العشرين، وُزعت مستعمرات الدول الخاسرة في الحرب العالمية الأولى بين الدول المنتصرة باعتبارها ولايات مكتسبة وغنائم حرب، وكان من ضمنها آخر “المستعمرات الإسلامية العثمانية”.  ولكن لم تبدأ مرحلة إنهاء الاستعمار بشكل جدي ملموس (ولو كان ذلك ظاهرياً) إلا بنهاية الحرب العالمية الثانية.  وفي سنة 1997 تنازلت المملكة المتحدة عن “هونغ كونغ” لتعود بعد قرن من الاستعمار إلى الصين.  وفي أخر سنة 1999 تنازلت البرتغال هي الأخرى عن آخر المستعمرات الأوروبية في قارة آسيا، وهي “ماكاو” أيضاً في الصين، وانتهت رسمياً بذلك حقبة استمرت ستة قرون.. ولكن لم تزل الكثير من الجزر المنتشرة عبر المحيطات تخضع لسيطرة بعض الدول الاستعمارية، مثل جزر “فوكلاند”، “دييغو غارسيا”، “غوام”، “جزر فيرجن”، “كيب فاردي”، والعشرات من الجزر الأخرى.  بل و لا تزال أجزاء من المغرب تخضع للسيطرة الإسبانية مثل “مليلة” و “سبتة”.. بل حتى “جبل طارق” و”إيرلندا الشمالية” لا تزالان تحت الحكم البريطاني إلى يومنا هذا.

ولم نزل إلى يومنا هذا نعاني من كراهية بعض الدول في أوروبا (الشرقية) للمسلمين بسبب خضوعها الكامل أو أجزاء منها للهيمنة العثمانية “الإسلامية” لعدة قرون، مثل ألبانيا وبلغاريا وقبرص والقرم ومقدونيا وأوكرانيا والمجر والجبل الأسود ومولدافيا وصربيا وبعض الجزر اليونانية وترنسلفانيا، وغيرها.  بل أن المجازر التي ارتكبها الصرب ضد مسلمي البوسنة والهرسك في التسعينيات من القرن الماضي كانت نتيجة مباشرة لكراهيتهم للحكم الإسلامي “العثماني”.  أما امارة “ترنسلفانيا” التي عانت من قسوة العثمانيين فقد عمدت لارتكاب مجازر في حق كل ما كان يمت بصلة للإسلام والمسلمين.. فقد انتقم أميرهم “فلاد دراكولا” من الأتراك فقتل و”خوزّق” المسلمين وبطش بهم بلا رحمة انتقاماً لسنوات من الحكم العثماني، لدرجة أن مجازره الدامية خلقت اسطورة “مصاص الدماء” وباتت أساس الشخصية الروائية “كونت دراكيولا”.

ربما بشكل عام نود أن نقر بأن الحكم العثماني كان امتداداً للفتوحات الإسلامية، وربما حفل التاريخ العثماني ببعض السلاطين العظماء، ولكن كيف نفسر كون الحكم العثماني لم يكن استعمارياً، بل وجائراً في كثير من المواقع؟   فيكفينا أن نتذكر بأن العثمانيين حكموا الوطن العربي لقرابة أربعة قرون، ارتكبوا فيها المجازر.. فهل كانت تلك فتوحات إسلامية أم مجرد غزو واحتلال واستعمار؟   فالعثمانيون قسموا المجتمع العربي لفئات طبقية فهناك طبقة السلاطين، يليها طبقة البكوات، وبقايا المماليك، وهؤلاء ينعمون بالثروة والنفوذ، ثم الطبقة العامة وهم الأغلبية من عامة الناس ويعانون من الفقر، فضلا عن الانعزالية التي فرضها العثمانيون على الشعوب العربية، فلم ينفتحوا على الثقافات والشعوب الأخرى، ولم يطالعوا أحدث ما وصل إليه الآخرون من تطور ورقي ونهضة، فعاشت بلادنا في عزلة ورجعية وتخلف ظللنا نعاني منها لقرون.  بل وفور دخولهم بلادنا العربية جمعوا كل العمال والصناع المهرة وأرسلوهم للأستانة، فحرموا بلادنا من خيرة عمالها وصناعها المهرة، كما تفننوا في جمع الضرائب، وغلب الطابع العسكري المستبد على طبيعة حكمهم، ووجهوا موارد الدول العربية لتسليح الجيش العثماني، ولم يكاد يمر عام دون أن يخوض العثمانيون حرباً في مناطق بالعالم وتكون تكلفتها على حساب اقتصاد الدول العربية.

ويشرح الأستاذ “أشرف عبدالحميد” على موقع (العربية) أنه نظراً لتولي العثمانيين الدفاع عن ولاياتها العربية فقد باتت بلا جيوش نظامية، لذا وعقب سقوط الولاية العثمانية، وقعت الدول العربية فريسة سهلة لقوى الاستعمار الجديد مثل فرنسا وإيطاليا وبريطانيا.. مضيفاً أن هناك سلبية كبرى أدت لتخلف الدول العربية خلال عهد العثمانيين وهي أن جميع القوانين التي فرضها “سليم الأول” و”سليمان القانوني” منذ القرن السادس عشر ظلت تحكم البلاد حتى القرن العشرين دون تغيير، فضلا عن قضية الامتيازات الأجنبية للدول الأوروبية، حيث قامت الدولة العثمانية في بعض فتراتها بتقديم امتيازات للدول الأوروبية في الولايات التابعة لها، مثل المعاهدة التي وقعها “السلطان سليمان القانوني” مع ملك فرنسا “فرانسوا الأول” عام 1535، وكانت تسمى معاهدة الامتيازات الأجنبية، وتم بمقتضاها تقديم امتيازات لفرنسا في القضاء والمنازعات الفردية وغيرها من مجالات الحياة في العالم العربي.

فكيف لنا أن نفهم بأن الحكم العثماني كان غير سيطرة دولة تتوشح بالإسلام وتهيمن على دول المسلمين، وجل إدارتهم لها كانت لجني الضرائب المكلفة مما أدى لفقر الشعوب وتزايد الجهل والمرض ونقص الخدمات وشح الموارد.  فمنذ أغاروا على المنطقة العربية في القرن السادس عشر وانتصروا على المماليك، ارتكب العثمانيون فظائع إنسانية، فقد قتلوا الآلاف من المصريين والعرب في مذابح جماعية، وعلقوا جثث قادة المماليك في الشوارع، بينهم “طومان باي”، ونهبوا المنازل والمتاجر، ومثلوا بجثث القتلى.  ولم يزل الكثير من آثار حكم العثمانيين باقية على المنطقة العربية حتى الآن، ومنها عدم توافر مقومات الدولة في منطقتنا منذ الحقبة العثمانية، وعدم فهم الحكام العثمانيين لأساسيات الحكم السليم.. فقد اهتموا بالمدن الساحلية فقط وركزوا الطرق الخاصة بالتجارة، وتركوا باقي المدن كما كانت دون تطوير أو رعاية.. وعينوا رؤساء القبائل الخانعين لهم لإدارة شؤون المناطق دون نظام إداري واضح ومحدد، فتخلفت بلادنا كثيرا ولم يعرف المواطنون الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية.

بل ويمكن الجزم أننا العرب لم نزل نستشعر بالنظرة الدونية لنا من قبل الأتراك رغم أنهم من تسببوا في الكثير من ويلاتنا اللاحقة بعد أن هزمتهم القوى الغربية في الحرب العالمية الأولى وتم تفتيت وتقسيم أراضيها وولاياتها ومناطق نفوذها في شمال القارة الافريقية والشام (ومنها فلسطين) كغنائم حرب وحرروا معظم مناطق سيطرتها في أوروبا، لتسيطر علينا بحكم الأمر الواقع قوى استعمارية جديدة رغماً عنا.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

د. محمد العباسي

أكاديمي من البحرين.. دكتوراة في سيكولوجية تعلم اللغات.. أكثر من 30 سنة في إدارة وتعليم اللغة الإنجليزية في كليات وجامعات في البحرين والكويت.. درست وعشت سنوات الدراسة و العمل في قطر والكويت وكاليفورنيا ولانكستر في إنجلترا وكارديف في ويلز.. متقاعد، وأكتب مقالات في كافة المجالات التربوية واللغوية والاجتماعية والسيكولوجية والفلسفية والسياسية، إلخ. وأيضاً لي مشاركات أدبية و مطبوعات شعرية.
زر الذهاب إلى الأعلى