ريادة أعمال وإدارة

مفهوم الإدارة: من كتاب إدارة الإدارة

يعيش المجتمع اليوم أزمات متلاحقة ومتباينة، فالبلدان النامية تعود أزماتها إلى عدم قدرتها على اللحاق بالدول المتقدمة من كافة النواحي، لا سيما العلمية وما يتبعها من تقدم صناعي واقتصادي، أما الدول المتقدمة فأزمتها ترجع الى التحديات العالمية من الدول المتنافسة تكنولوجياً وصناعياً، مما دفع تلك الدول لتبني استراتيجيات حديثة لتطوير المؤسسات؛ مع الاهتمام المتزايد بإدارة التغيير وإدارة الجودة والإدارة الإلكترونية عنوان العصر ومنهجه، وبالتالي جودة المخرجات.

أن مصطلح الإدارة كما يعتقد البعض، هو إدارة الأعمال، وهذا اعتقاد عار عن الصحة، فإدارة الأعمال لا تتعدى كونها فرع من فروع الإدارة وليست الإدارة، بل إن الإدارة واحدة من فروع العلوم الاجتماعية، فهي على علاقة مباشرة مع الأفراد والمؤسسات الاجتماعية الإنسانية، وبالتالي نجد أن الإداريين يميلون للتصرف حسبما يملي عليهم فرع المعرفة. ولأن العلوم الطبيعية والقوانين المادية أكثر ثباتاً واستمرارية من العلوم الاجتماعية المتغيرة حسب ما يستجد من تطورات وأحداث مجتمعية،  وهذا يعني أن الإدارة التي كانت تصلح بالأمس لم تعد تصلح اليوم.

ومن منطلق غد مليء بالتحديات، فإن  مستقبل المنظمات والإداريـين في القرن الواحد والعشرين أيضاً يعج بالصعوبات والعقبات التي أحدثتها الثورة التكنولوجية وما صاحبها من تغييرات، الأمر الذي يدفعنا للتفكير بعدد من الاستراتيجيات والحلول المتاحة والممكنة بهدف التعامل مع ما يُتوقع من تحديات.

وهذا يتطلب وعياً وحراكاً على الصعيد المحلي، وسعياً حثيثاً باتجاه التغيير، يسبقه فهم عميق لأبرز المتغييرات العالمية وأهم المستجدات في عالم الإدارة، بل والامساك بزمام “إدارة الإدارة”([1])، بكافة أبعادها، والتعرف على مستلزماتها والصعوبات التي قد تواجهها ومتطلبات التطبيق، إضافة لآلية التنفيذ.

ولذلك من الصواب التعرف على المهام المناسبة لكل فرد داخل المنظمة، فقد يكون الخيار هو العمل ضمن طواقم متجانسة أو غير متجانسة أو فرق عمل متباينة ومتكاملة في ذات الوقت.  فالإدارة عليها أن تتعلم كيفية البحث عن سبل للتطوير والتحسين وتختبر الاتجاه الإداري المناسب للعمل وتحسين القدرة الانتاجية وزيادة الجودة.

ولعل القدرة “الإنتاجية” أساس أفكار فردريك تايلور(1856-1915) لم تعد صالحة لإدارة المؤسسات فالفرد لا يدير الجماعة بل مهمتة قيادتهم، كما ويمكن اعتبار نقطة الانطلاق من النظرية إلى التطبيق هي”الإدارة نحو أفضل أداء” بدل “إدارة ما يقوم به العاملون”.

ومن هنا نجد أن الإدارة تبنى على الشراكة، وليس إصدار الأوامر والمطالبة بتنفيذها، بل تسويق لفلسفة جامعة مبنية على رؤية واضحة، شعارها كيف نحقق الأهداف بأعلى جودة وأقل تكلفة وما الذي يريده المستهلك، وما هي السبل لتحقيقه؟

مفهوم الإدارة التقليدي

إن المفهوم التقليدي للإدارة بين النظرية والتطبيق مصمم على أساس السيطرة والضبط وهمها محددتان بشكل قانوي، فليس للمدير أن يتجاوزا الحدود القانونية بأي شكل من الأشكال، ولعل هذا التعريف لا يتلائم مع المؤسسات الكبرى، وبهذا كان لا بد من وضع فرضيات جديدة بديلة للسيطرة والتحكم تبنى على أساس الشراكة المتساوية، والتركيز على الجودة بشكل أكبر.

وعليه فإن اهتمامات الإدارة وتحديد مسؤولياتها تؤثران بشكل بارز على إنتاجيتها وإبداعها، وقدرتها على التغيير الداخلي والخارجي، من خلال استراتيجيات عمل إجرائية، بدلاً من العمل على أساس ردات الفعل لما يحدث.

ولعل الخطوة الأبرز نحو التغيير هي التعرف على أبرز الاتجاهات الإدارية المعاصرة، والتي تمتلك القدرة الإدارية على تلافي أكبر قدر من الأخطاء والانجاز الأسرع والأكثر كفاءة وفاعلية، مع الشراكة الكاملة بين الأفراد، والفلسفة المبنية على أساس تحقيق الأهداف وجودة الأداء، ولعل الاتجاهات الأبرز لتحقيق ذلك هي إدارة التغيير أولاً بالتزامن مع إدارة الجودة الشاملة والإدارة الإلكترونية.

تعتبر إدارة التغيير حاجة ملحة للمؤسسات بأنواعها، بل من أبرز متطلبات القيادة في العصر الحديث وأساس لتبني كافة المدخلات الإدارية المطروحة، والتي شاع الحديث عنها واستخدامها في السنوات الأخيرة، كما أن مدخل الإدارة الإلكترونية من الاتجاهات المعاصرة والمتطورة باستمرار في عصر التكنولوجيا والمنافسة المحلية والعالمية، والتي استحوذت على اهتمام القادة والباحثين والإداريين.

وقد صنفت المؤسسات في العالم إلى نوعين بناء على اتجاه الإدارة المبني على إدارة الجودة الشاملة؛ الصنف الأول يُعنى بالكم والتنوع الديموغرافي للعاملين والمستفيدين وأنواع البرامج؛ والنوع الثاني نوعي يُعنى بكيفية قيادة الإداري نحو الجودة والتميز)[2](.

ونجد أن على كافة المؤسسات جعل التنافس العالمي هدفاً إستراتيجيا، بل وأن تنصب نفسها بين المؤسسات الخاضعة لمعايير الجودة العالمية في مجالها، وتجعل من تلك المعايير معطيات تنطلق منها نحو الإبداع، فالإدارة بدون المقاييس والمعايير الدولية للجودة سيكون مصيرها التقزم، ومن الأمثلة على ذلك المكسيك، التي انتهجت سياسة متأنية على مدى خمسين عاما أي منذ عام (1929) لبناء اقتصادها المحلي بشكل مستقل عن العالم الخارجي، فمنعت شركاتها من التصدير لكن هذا الأسلوب فشل فشلا ذريعا بل أصبحت المكسيك فيما بعد تعتمد على الاستيراد بشكل متزايد ([3]).

وحيث إن إدارة الجودة الشاملة واسعة جداً وقابلة للتجدد والتغيير باستمرار باعتبار ذلك جزءاً من فلسفتها الأبرز والأهم؛  وكجزء من تجددها وتطورها احتوائها على الإدارة الإلكترونية وبشكل آخذ في الازدياد، لذلك سيعرض هذا الكتاب وبشكل مكثف لإدارة التغيير وإدارة الجودة الشاملة والإدارة الإلكترونية من حيث المفهوم والفلسفة ومتطلبات التطبيق والصعوبات التي تواجه تطبيقهما.

كما  سيتطرق الكتاب بشكل خاص لإدارة قطاع التعليم باعتباره أهم القطاعات التي لا بد من إدارة الإدارة فيها، علماً بأن هذا القطاع يشهد اهتماماً كبيراً، سواء من خلال مؤسسات جديدة، أو باستحداث أنماط جديدة للادارة، تهدف لتحسين المخرجات وضبط الجودة، إضافة لإعداد رأس مال بشري متميز كدعامة أساسية لكل نهضة تنموية واقتصادية واجتماعية ومجتمعية مستدامة للوصول بالفرد والمجتمع  لأعلى  المستويات العالمية، وتسهيل اندماجه الذي يتميز بالتنافسية والتغيير المستمر في كافة المجالات.

الأمر الذي جعل اتجاهات الإدارة المطروقة في الكتاب، موضوعات لا يمكن إغفالها من قبل أي مؤسسة سواء كانت إنتاجية ربحية أو تعليمية عامة أو خاصة. وذلك من أجل مواكبة علمية مدروسة لعصر يتسم بالتسارع المعرفي والتكنولوجي المتغير، وتتزايد فيه حمى الصراع والمنافسة بين الأفراد والجماعات والمؤسسات.

([1]) مصطلح أطلقته الباحثة ليشير إلى آلية إدارة الإدارات، بمداخل الإدارة المختلفة وتقصد بها هنا إدارة التغيير وإدارة الجودة  والإدارة الإلكترونية مجتمعة.

)[2]) Brown, K.,M.& others: Leading School of Excellence and Equity: Documenting Effective Strategies in Closing Achievement Gaps, )2011( University of North Carolina, Teachers College Record, Vol. (113), No. (1),   p. 58.

([3] ) بيتر. ف. دركر، ترجمة ابراهيم بن علي الملحم، مراجعة مساعد بن عبدالله الفريان، تحديات الإدارة في القرن الحادي والعشرين، مركز البحوث، 2004.

اقرأ أيضا: المواطن والإدارة بالدول العربية “المرفق العام”.. أي علاقة؟

د. ايناس العيسى

ايناس عبّاد العيسى المؤهلات العلمية: دكتوراه إدارة تربوية تخصص أدارة الجودة الشاملة والإدارة الإلكترونية (دراسة حالة مدينة القدس) عدد من الكتب العلمية المنشورة أوراق بحثية ومشاركة في مؤتمرات عالمية عشرات الأبحاث والدراسات والمقالات منشورة في مجلات ومواقع محلية وعالمية باللغة العربية والانجليزية والفرنسية، ومنها حول القدس، والتعليم والحالة المجتمعية، والأحداث اليومية والعالمية. مناقشة عدد من رسائل الماجستير باللغتين العربية والانجليزية في جامعة القدس وجامعة النجاح الوطنية مشاركات في جمعيات ومؤسسات أكاديمية ومجتمعية، سواء كعضو مجلس أمناء أو عضو هيئة إدارية. مشاركات في التحكيم والتقييم في عدد من البرامج المحلية والدولية. إضافة الى المشاركة في عدد من البرامج الاذاعية حول التعليم والتربية والقدس والمرأة والطفل والعوامل المؤثرة على التعليم في القدس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى