مدونات

مفضّل الولي على النبي مرتد أو زنديق؟

دعى حبي لمسايرة الأحداث ومتابعتها انتباهي لقضية المغنّي المشهور في كانو يحيى شريف أمين الذي اتهم بجناية سب النبي صلى الله عليه وسلم لما قام به من تفضيله لواحد من شيوخ الطريقة التيجانية عليه في غناء نشره منذ شهر مارس على الشبكات الاجتماعية المختلفة يومَ حكم عليه القاضي محمد كاني بالقتل في اليوم العاشر من شهر أغسطس عام 2020م. ظهر لي خلال مراجعتي للتحليلات بخصوص هذا القضاء أنه لم يعلق القاضي تنفيذ ذلك الحكم على عدم استتابته لثلاثة أيام. لعل السبب من ذلك يرجع إلى أن القاضي اعتبر تفضيل ولي على النبي سبا له، وسب النبي في المالكي الذي هو مذهب القضاء في نيجيريا أنه يقتل كل من سب النبي بلا استتابته؛ إذ توبته لا تنفعه في رفع الحد عنه وإن كان قد تنفعه فيما بينه وبين الله يوم القيامة.[1]

ومهما أثار القضاء بقتله في العالم من الفوضويات من حيث جوازه وعدمه، لست ألتف لشيء منها هنا؛ لوضوح جوازه في شرعنا وضوح الشمس وضحاها كما هو الحال في شؤون المرتدين. إنما يهمني هنا النظر في هل الجناية التي أتى بها عقوبتها ترفع بالاستتابة أم لا؟. وعليه أقول بعد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.[2]

فإن بين سب النبي صلى الله عليه وسلم وبين الردة علاقة عموم وخصوص؛ بما أنه مما يعتبره أهل العلم نوعا من أنواع الكفر بعد الإيمان – الذي هو عين الردة وحقيقته – إلحاق العار بشخصية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق السب ونحوه إذا وقع ذلك ممن لم يتظاهر بالإسلام في ذلك الحال ولم يخلع عنوان المسلم الذي عليه قبل في تلك الآونة. لكن السب يختلف عن الردة عند المالكية في بعض أحكامها حسب التفاصيل الجائية.[3]

فالردة توجب لصاحبها العقوبة بالقتل إذا توفرت الشروط المطلوبة فيها مع انتظار استتابة المرتد لثلاثة أيام قبل التعرض لتنفيذ الحكم عليه. وللردة طرق عدة وأوجه مختلفة باختلاف ما تكونّها من الأمور من سب النبي أو ترك الصلاة أو الشرك أو النفاق أو لاستهزاء بالله وآياته أو نحو ذلك مما يوجب القتل للآتي به من المسلمين ويدل على كفره بعد الإيمان.[4]

لا يختلف سب النبي عن سائر أصناف الردة في الحكم عند المالكية من حيث كفر صاحبه وإباحة دمه غير أنه لا يثبت له عندهم حق إمهال لثلاثة أيام يستتاب فيها توبة تقبل وترفع عنه القتل إلا أن يكون كافراً فأسلم؛ لأن الإسلام يجب ما قبله على الراجح في المذهب خلافا لمذاهب أخرى. يقتضي هذا أن اعتبار من فضل وليا على النبي سابًّا له يمنعه من حق الاستتابة لثلاثة أيام على العكس من اعتباره مرتدا عاديًّا.[5]

لا خلاف بين أهل العلم أن الأنبياء لهم عند الله مكانة أعلى ودرجة أرفع مما لسائر الناس من الأولياء وغيرهم لقوله تعالى: “وكلا فضلنا على العالمين ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم”[6] فإنه لقول ورد بعد أن ذكر ثمانية عشر نبيا ثم أشار إلى أسلافهم وأخلافهم وأقارنهم ليبين أن الحكم منطبق عليهم جميعاً. قَال الْقُشَيْرِيُّ : رُتْبَةُ الأولِيَاءِ لاَ تَبْلُغُ رُتْبَةَ الأنبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لِلإجْمَاعِ الْمُنْعَقِدِ عَلَى ذَلِكَ.[7] و قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ : أَفْضَل أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى هُمْ أَنْبِيَاؤُهُ ، وَأَفْضَل أَنْبِيَائِهِ هُمُ الْمُرْسَلُونَ ، وَأَفْضَل الرُّسُل هُمْ أُولُو الْعَزْمِ : نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَفْضَل الرُّسُل : نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.[8] إذن، لا شك في أن اعتقاد ما ينافي هذا خرق لإجماع الأمة وإبطال لما علم من الدين بالضرورة يخرج صاحبه من الملة ويجعله مرتدا عن دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم غير أنني أعتبر جعل كل من قام بذك في حكم من سب النبي قضية قابلة للنظر والتمحيص بما لا يستبعد أن الكلمة الواحدة تكون في حال سبا و في حال ليست بسب.[9]

فكل من مر بتعريف السابّ الوارد في كثير من كتب المالكية يجد أنه يصطلح على من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه أو ألحق به نقصا في نفسه أو دينه أو نسبه أو خصلة من خصاله أو عرض به أو شبهه بشيء وفعل كل ذلك على طريق السب له والإزراء عليه أو التصغير لشأنه أو الغض منه أو العيب له. ولا أحد ينكر أن المفاضلة لا تكون على هذه الطرق في جميع الأحوال. وقد قضى مالك على ضوء ما رواه ابن وهب أنه يقتل من قال إن إزار النبي عليه السلام وسخ بشرط أن يريد به عيبه.[10]

ومثله ما ذكره الجزائري من اشتراط الصراحة في السب الذي يوجب حد القتل مطلقا. قال: “ومن سب النبي صلى الله عليه و سلم صريحا أو عرض بمقامه الكريم أو سب نبيا من الأنبياء أو سب جبريل وميكائيل فقد اختلف فيه قولين : أحدهما أنه يقتل حدا ولا تقبل توبته كما يقول المالكية ثانيها : أن حكمه حكم المرتد الذي سب خالقه فإن تاب وإلا قتل”.[11] وكذلك الإجماع الذي حكاه ابن المنذر على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم صريحا وجب قتله.[12] إذن، مجرد المفاضلة لا تكون صراحة في السب، إذن، فالحكم بقتل المفاضل لا يكون أحيانا من وقوع جريمة السب منه وقد يكون لقوله بقول الكفر.

أضف إلى ذلك ما أشار إليه شيخ الإسلام أنه “لم يكن للسب حد معروف في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى عرف الناس فما كان في العرف سبا للنبي فهو الذي يجب أن ننزل عليه كلام الصحابة و العلماء و ما لا فلا … وأما من أخبر عن معتقده بغير طعن فيه ـ مثل أن يقول : أنا لست متبعه أو لست مصدقة أو لا أحبه أو لا أرضى دينه و نحو ذلك ـ فإنما أخبر عن اعتقاد أو إرادة لم يتضمن انتقاصا لأن عدم التصديق والمحبة قد يصدر عن الجهل و العناد و الحسد و الكبر و تقليد الأسلاف …”[13]

قال محمد بن رشد من المالكية: “من حجد ما نزل على نبي من الأنبياء مثل أن يقول إن الله لم ينزل التوراة على موسى بن عمران أو الإنجيل على عيسى بن مريم أو جحد نبوة أحد منهم فقال إنه لم يكن بنبي فإنه كفر صريح إن أعلنه أستتيب فإن تاب وإلا قتل”.[14]

فإن المفاضلة في عرف الناس لا يكون سبا إلا إذا أجريت بين صالح وطالح، كأن يقال لإنسان صالح الشيطان أحسن منك وإلا فمندرج تحت إبداء اعتقادك في ذلك السخص فقط لا انتقاصا لشأنه إلا إذا كان قصدك بالمفاضلة الشتم واللوم واستدل لذلك بأدلة أخرى.

إذن، فأرى أنه للمغنّي أمين شرف عند المالكية حق في أن يمهل لثلاثة أيام ليتوب خلالها إلى الله وليتراجع عما قال، فتعتبر بتوبته ويرفع عنه حد القتل وليتبين حقيقة كفره وارتداده فيما لو أصرّ على ذلك القول وأبى أن يرجع إلى الحق وإلى الطريق المستقيم. فأنصح القضاة الشرعيين في العمل بهذه القاعدة فيما سيرفع إليهم من الدعاوى المتعلقة بسب النبي خلال نظرهم فيها وهي أن ليس كل قول الكفر في حق نبينا محمد صلى عليه وسلم يعتبر سبا له وأن منه ما يوجب القتل بعد الاستتابة.

فعنوان المقال مأخوذ من قول الحطاب عند تحليله لخلاف العلماء في حكم من كفر أحد الخلفاء الراشدين أو ضللهم وقال: “لا خلاف في وجوب احترام الصحابة وتحريم سبهم ولا يختلف في أن من قال كانوا على كفر وضلال كافر يقتل لأنه أنكر معلوما من الشرع فقد كذب الله ورسوله. وكذلك الحكم فيمن كفر أحد الخلفاء الأربعة أو ضللهم. وهل حكمه حكم المرتد فيستتاب؟ أو الزنديق فلا يستتاب ويقتل على كل حال؟ هذا مما يختلف فيه”.[15] فشكرا.

[1] Nigerian singer sentenced to death for blasphemy in Kano state, <https://www.bbc.com/news/world-africa-53726256>

[2] Muslim lawyers applaud death sentence on Kano singer <https://ibrandtv.com>; John O.J, Blasphemy: Concerned Nigerians cry to US, Buhari over death sentence of Kano singer, Aminu https://dailypost.ng; John O.W,  Blasphemy: Primate Ayodele warns against killing of Kano musician, Aminu <https://dailypost.ng>;   USCIRF Condemns Death Sentence for Yahaya Sharif-Aminu on Blasphemy Charges, <https://www.uscirf.gov/news-room/press-releases>; Nigeria: Authorities must quash the conviction and death sentence imposed on Kano-based singer, <https://www.amnesty.org/en/latest/news/2020/08/>

[3]  محمد بن يوسف العبدري: التاج والإكليل لمختصر خليل ، (بيروت، دار الفكر 1398)، 6/279؛ محمد عليش: منح الجليل، (بيروت، دار الفكر 1989م)، 9/231؛ الموسوعة الفقهية الكويتية، (برنامج المكتبة الشاملة)، 22/ 184.

[4]  أحمد بن إدريس القرافي : الذخيرة، تحقيق محمد حجي، (بيروت، دار الغرب 1994م)، 12/22؛  التاج والإكليل، 12/27-28؛ الموسوعة الفقهية الكويتية، 22/ 184-192.

[5]  النووي: المجموع شرح المهذب، (موقع يعسوب)، 19/426-427؛ الشوكاني : نيل الأوطار، (إدارة الطباعة المنيرية)، 7/209؛ ابن رشد القرطبي : البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة، حققه : د محمد حجي وآخرون ، (بيروت، دار الغرب الإسلامي 1988م)، 16/398؛ عبد الوهاب بن علي البغدادي: التلقين في الفقة المالكي: حققه : أبو أويس محمد بو خبزة الحسني التطواني، (دار الكتب العلمية 2004م)، 2/199؛ الذخيرة، 12/22؛  التاج والإكليل، 12/27؛ عبد الرحمن الجزيري :الفقه على المذاهب الأربعة، (برنامج المكتبة الشاملة)، 1/107.

[6]

[7]  ابن تيمية: الفرقانُ بينَ أولياءِ الرَّحمَنِ وأولياءِ الشَّيْطانِ، (برنامج المكتبة الشاملة)، 1/5، 06، 201.

[8] ابن تيمية: مجموع الفتاوى، المحقق : أنور الباز – عامر الجزار، (دار الوفاء 2005م)، 11/161 .

[9]  ابن تيمية: الصارم المسلول على شاتم الرسول، تحقيق : محمد عبد الله عمر الحلواني، (بيروت ، دار ابن حزم 1417)، 1/539.

[10]  الذخيرة، 12/22؛  التاج والإكليل، 6/285؛  البيان والتحصيل، 16/398.

[11] الفقه على المذاهب الأربعة، 1/107.

[12] المجموع شرح المهذب، 19/426.

[13] الصارم المسلول، 1/539.

[14]  البيان والتحصيل، 16/416.

[15]  الحطاب الرُّعيني : مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل،  المحقق : زكريا عميرات، ( دار عالم الكتب 2003م)، 8/380.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى