مدونات

مع فائق استحمارهم

في عالم زحفت فيه العولمة والميديا بمختلف أنواعها إلينا، وعبثت بملامح أوجه حياتنا التي نجم عليها تراكم الأحداث وتعدد للظواهر، فانكشف من خلالها المستور وتعرّى المبدأ وتحوّل فصار أحول، البيوت فُضحت والقناعات توفّيت، فكل واحد منّا أصبح يسبح في بحره غير آبه أنّ الغرق واحد.

إنّ الميديا سمحت بانتشار العديد من الأشخاص عبر اليوتيوب، والسناب شات وغيرها من وسائل التواصل، ومن الملاحظ أن نسبة المشاهدات العالية حظيت بها تلك الفيديوهات التافهة أو التي لا تحوي شيئا من الأهمية أو رسالة أو هدفا، فالّتفاهة تسوّقها الرّداءة.

جولة في اليوتيوب تجعلك تتوقف للحظة لهضم الأمر، فمن الأشخاص ما ينشر حماقاته اليومية من ألفها إلى يائها، ومنهم من يظن أنه مذيع ذو أهمية، أو مغني متوهّم أنه أفضل من مايكل جاكسون، أو شواذ لا يزالون معلقين بحبل رفيع بين الأنوثة والرجولة وجدوا وسائل الاتصال منبرا للحرية لديهم .. والأخرى تظن نفسها هيفاء وهبي فتعمل على إبراز مفاتنها عن طريق تحريك شفاهها مع الأغنية، وإبراز مشاعرها المكبوتة فيها، ومن السخرية حين تسألها فهي تسمي الموضوع بالموهبة، والمشكل أنها تصدق الموضوع بكونها موهوبة فتدعمها العائلة لينتهي الأمر بها ب”هزّ الوسط” على حد قول المصريين.

الغاية واضحة وهي البحث عن الشهرة عن طريق أساليب مختلفة حتى وإن كانت مؤسفة يخجل من نشرها، ولكن الرديء متابع بشدة ويسجل أعلى نسب مشاهدة، فالممنوع مرغوب، وخصوصا في عالمنا العربي.

فهل انحدر الوعي الجمعي والفكري والانساني لهذه الدرجة؟ أم أنه ذلك القهر المدفون الذي أنتج جنونا لأجل الترفيه بشيء ما ليبعد عنه إرهاق أحلامه المقعدة التي تبحث عن تجسيد.

للأسف حتى الترفيه عليه أيضا أن يبرز لنا مفاتن الوعي والفكرة أو الرسالة المرغوب إيصالها!

للأسف تعدّى استعمال “الميديا” الخيال، فحتى احترام المواقف الأليمة في القلوب طغى عليه الهوس بالسّلفي، وهذا الأخير هو إدمان من نوع آخر، للدرجة التي يصبح فيها الإنسان مبرمجا على عدم ترك أي فرصة ينتهزها لالتقاط صورة حتى ولو لم تكن خاصته أو هي تعد صارخ على خصوصية الطرف الآخر، حتى ولو تصل الوقاحة والتجرد من أدنى المشاعر الإنسانية وأخذ السلفي مع شخص ميّت، وهو يبتسم، يعني التهكم ليس فقط على حريات الفرد الحي بل حتى على الموتى.

إن الشغف بالميديا والتواصل المستمر إدمان يستصغر العقول، ويجرفها إلى ذلك العالم الاستحماري الذي فيه تصدق التفاهات فتستعمر الوجدان فتهفوا النفس للتقليد الأعمى لأنها عقول مراهقة التفكير لا واعية، ناسية أن هدف أولئك المدمنين للميديا هو رفع نسبة المشاهدة ولو حتى على حساب عائلاتهم وشرفهم أو على حساب العادات والتقاليد، وحتى على النبش في أعراض الناس وهتك حرماتهم وحرياتهم من دون وعي مسبق ماذا سيحصل بعدها من انتحار وجرائم قتل وهروب.

إنّ المُحزن والمُبكي في الأمر هو أن تنصاغ بعض من تلك الفئة التي تنتسب  الثقافة إلى هذا الهوس، فتنصهر ثقافتهم وأساليبهم الراقية إلى وقاحات تغذت من أخلاقيات عرجاء في حالة شلل ضميري واضح، وهذه الأخيرة تعمل على استحمار العقول، واستغباء المُشاهد الذي يثق فيهم بغرس مصطلحات ومسميات أخرى تعمل على زج كل ما هو جميل في ركن الانتقام أو الضياع أو العيش في أحلام وردية سرعان ما تنتهي بتسوّل على أرضية الشارع او جثة على الطريق، أو راقصة في ملهى ليلي، وتختلف هنالك النهايات.

فلم الكل منقاد ولم فكر الاستغباء؟ ولم لم يختاروا مواضيع ذات أهمية لانقيادهم ؟ ولم الموهوبون الحقيقيون ذووا الهوايات المتعدّدة وذووا الأحلام الراقية والمبدعة، لا تزال مسجونة تترقب خلف قضبان الخوف متخفية بصمت،لم لم يجتاحوا الميديا بقوة لفرض مواهبهم والإصرار على أخذ فرصتهم بعيدا عن ما يسمى”بالمحسوبية” و”الرشوة” على منصتهم الحرة لينشروا أحلامهم وابداعاتهم وأفكارهم المفيدة و المنعشة بعيدا عن ابتذال اليتيوبوريين الفارغين لعلّنا حين اجتياحكم نستفيق من فائق الاستحمار.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

سيلا

الكتابة هي راحة أولئك الذين لا يجيدون الصراخ ... لذلك أنا كاتبة بالفطرة وصحفية من مواليد 1985 متحصلة على ليسانس ادب فرنسي وديبلوم تقني إعلام آلي وتجارب متعددة في التصوير والتنشيط والتدريس و و
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق