أسلوب حياة

معضلة الثروة والسعادة

أمدّت إحدى الشركات الكبرى بعض القرويين الأفارقة بنوع من الأسمدة يضاعف من المحصول، واعتقد رجال الأعمال أنهم بذلك يساهمون في تحقيق الاكتفاء الزراعي، ولكن لخيبة أملهم لم يزرع الفلاحون شيئاً في العام التالي، ولما سألهم رجال الأعمال عن السبب أجابوا بقولهم: “لقد تضاعف محصولنا في العام الماضي فأصبح لدينا ما يكفي احتياجاتنا لعام آخر”.

وسواء كانت القصة حقيقية أم غير ذلك، فإنها توضح ردود أفعال الناس المتباينة على سؤال: كم يحتاج الإنسان؟ فيجيب أحدهم: ما يكفيه ليعيش، بينما يجيب آخر: أكبر قدر يمكنه الحصول عليه، وهذا الأخير غالباً ما يحقق ثروة أعظم، ولكن هل يحصل أيضاً على قدر أكبر من السعادة؟ وأي إنسانٍ كثير الترحال يستنتج أن الثروة والسعادة لا يتواجدان في نفس المكان، فإذا زرت أوروبا لن تجد إلا الوجوه العابسة والحواجب المعقودة في أغنى البلدان، ولكن قم بزيارة أفريقيا وستندهش من حالة الضحك والسعادة العامة حتى في أفقر الدول.

استطلاعات السعادة

ولمَن يفضلون الدليل المادي والنظريات، فهناك استطلاع رأيٍ أوربيٍ في الثمانينات يطرح على الناس هذا السؤال البسيط: “هل أنت سعيد؟” وقد أسفرت النتائج أن الألمان الأكثر ثراءًا هم الأكثر تعاسة، وأن الأيرلنديين والبرتغاليين الأقل ثراءًا هم الأكثر سعادة، وفي استطلاع عالمي عام 1998، قام الخبراء بسؤال الناس عن تفاؤلهم بالمستقبل، وكانت النتيجة المتوقعة أن التشاؤم يسود أوروبا، ففي ألمانيا حيث متوسط الدخل 28 ألف دولار سنوياً، يشعر 18% فقط بالتفاؤل حول المستقبل، وفي فرنسا حيث متوسط الدخل 26 ألف دولار كانت النسبة 17%.

وبالمقارنة ارتفع “مؤشر الأمل” في جنوب أفريقيا (3500 دولار) إلى 42%، وفي البرازيل (4400 دولار) إلى 64%، ويبدو أن هذه العلاقة العسكية بين السعادة المادية والمعنوية ليست اكتشافاً جديداً، فقديماً قالوا: المال لا يصنع السعادة، ونُسبت للسيد المسيح -عليه السلام- عبارة “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”.

ولكن ما هو تفسير هذه الظاهرة الغريبة؟ من المعروف أنه إذا أخذ المرء يتفحّص أفكاره ودوافعه ومشاعره فلن ينعم بالسعادة، حيث كتب جون ستيوارت منذ أكثر من مائة عام “اسأل نفسك هل أنت سعيد وسوف يتوقف إحساسك بالسعادة”، وقد يعتقد البعض أن السعي وراء السعادة أمر لا يليق بشخص متحضر، ولا يلائم إلا الإنسان السطحي الساذج.

ولك أن تتسائل؛ كم روايةً أو فيلمًا تدور أحداثه حول أناس سعداء يحظى بتقدير النُقّاد؟ الجواب: قليل جداً؛ لأن العلامة المميزة لأي مفكر حكيم عندهم هي حالة الكرب والسخط على الدنيا كلها، ومن ناحية أخرى يرى بعض “العقلانيين” أن الجهل هو منتهى السعادة، وأن المعاناة هي ما يسبق التفكّر في أي شيء له معنى.

معايير مغلوطة

وإدراكنا أن الثروة تولِّد التعاسة يقودنا إلى البحث عن مقياس جديد للتطور الإنساني، والذي يمثّله في الوقت الحاضر معايير الأمم المتحدة، فمنذ عام 2012 يصدر سنوياً “تقرير السعادة العالمي” الذي يصنّف دول العالم على أُسس أهمها متوسط الدخل، ومعدل الأمية، ومتوسط العمر المأمول، وبالطبع فقد صاغ هذه المعايير أشخاص يحظون بدخل مرتفع، وتعليم عالٍ، ومتوسط أعمار طويل.

وبناءًا على هذا المؤشر تُسجّل دولة بها نسبة عالية من الفلاحين الفقراء الأميين ذوي الأعمار القصيرة صفراً كبيراً، بينما تحصل على الدرجة النهائية دولة أخرى معظم مواطنيها من المصابين بأمراض عصبية، لكنهم حاصلون على شهادات عليا، ويُتوقع أن يعيشوا حتى التسعين.

وفي الواقع فإنه من الصعب أن يُغيّر السعداء من طريقة حياتهم، لأنهم يرون أولئك الأغنياء كالخفافيش التي تطير كثيراً، لكنها لا تعرف إلى أين تتجه.

ولنضرب مثلاً بالقصة التالية: أثناء إجازة كان يقضيها أحد رجال الأعمال الأمريكيين في قرية يعيش أهلها على الصيد في المكسيك، أخذ يراقب أحد الصيادين وهو يجمع صيداً هزيلاً من الأسماك فسأله: لماذا لا تقضي وقتاً أطول في أعالي البحار لتحصل على غنيمة أكبر؟ فرد المكسيكي: لأني أحب أن أقضي وقتاً ألاعب أطفالي وأسامر زوجتي وأعزف الجيتار مع أصدقائي، ولم ينبهر الأمريكي بجوابه فاستطرد قائلاً: إذا عملت بكدٍ فسيمكنك شراء مركب صيد آخر ثم أسطول كامل، وبعد ذلك تتملّك إحدى الشركات البحرية الكبرى، ثم تنتقل إلى نيويورك وتسجلها في بورصة المال، وأخيراً تستطيع أن تبيع الأسهم وتصبح غنياً جداً، ويسأله الصياد الفقير: ثم ماذا بعد ذلك يا سيدي؟ أجاب رجل الأعمال: ثم يأتي أفضل جزء في القصة، تتقاعد عن العمل وتنتقل للعيش في قرية صيد مكسيكية، وتلاعب أطفالك وتقضي الوقت مع زوجتك!

ترجمة بتصرُّف لمقال بعنوان “Healthy, Wealthy, and Unhappy” عن مجلة تايم الأمريكية، عدد 19 يوليو 1999.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

إسلام يوسف

أستاذ جامعي في اللغويات الإنجليزية، جامعة جنوب شرق النرويج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق