سياسة و تاريخ

معركة وادي المخارن.. بدر المغاربة وخذلان المتوكل

لقد كانت الدول والإمبراطوريات تتهافت على المغرب بشكل كبير جدا، كونه يحتل موقعا استراتيجيا مهما، يربط بين ضفتين، لذلك نجد أن الحملات الإيبيرية لم تهدأ منذ سقوط الأندلس في يد الإسبان والبرتغاليين، بالإضافة إلى الرغبة العثمانية التي سبق وأن تطرقنا إليها خلال الأجزاء السابقة.

الأطماع العثمانية والصراع مع السعديين قصد دخول المغرب الأقصى، ليكون بذلك هذا البلد الذي يعرف صراعات داخلية وتنافسا خارجيا أمام مهمة كبيرة تتمثل أساسا في حماية ثغوره وعدم الدخول تحت وصاية ورحمة أي طرف، حتى وإن كانت الإمبراطوية العثمانية الإسلامية، كما حصل مع دول عربية أخرى التي استنجدت بالأتراك و دخلت تحت حكمهم العثماني.

فبعد سقوط الأندلس وما رافق ذلك من تراجع كبير واستسلام للعالم العربي والإسلامي، بات المغرب محط أنظار الدول الأوروبية، وأعني هنا إسبانيا والبرتغال، هذه الدول التي أطلقت حملة مطاردة الأندلسيين الفارين من الأندلس إلى المغرب، كذريعة لاحتلال شمال إفريقيا والسيطرة على أهم النقط التجارية التي كانت تربط بين أوروبا وإفريقيا.

لقد سعت البرتغال كما إسبانيا في الكثير من المرات استغلال انشغال المغاربة بأمورهم الداخلية التي كانت تعرف صراعات قوية على الحكم ما بين الدولة الوطاسية بالشمال والسعديين القادمين من الجنوب، كما أنهما كانتا تراقبان علاقة المغرب بالعثمانيين، وكانتا تنتظران ضعف الدولة السعدية التي سيطرت على الحكم بالمغرب، وانتهى بذلك عهد الوطاسيين.

هذه الدولة الجديدة، أي السعديين التي باتت تتقوى وتسيطر على الأوضاع الداخلية، والتي ألجمت العثمانيين وألزمتهم بالتراجع  عن دخولهم إلى المغرب، بل وهزمتهم في معارك كثيرة، باتت تشكل خطرا كبيرا على الدول الإيبيرية التي كانت تنتظر أن تسيطر على المغرب بسهولة، بعد الضعف الكبير الذي عرفه الوطاسيون، فقررت كل من إسبانيا والبرتغال الهجوم على السعديين والقضاء عليهم فيما عرف تاريخيا بمعركة وادي المخازن الشهيرة.

لقد شكلت معركة وادي المخازن أو معركة الملوك الثلاثة التي وقعت بمدينة القصر الكبير،  نقطة تحول في التاريخ العالمي، غيرت موازين القوة بين الضفتين الإسلامية والمسيحية، وأعادت للمغاربة القوة والهيبة، ومنعت الاستعمار المبكر لدول شمال إفريقيا، أو ما كان يعرف سالفا بالمغرب الأقصى.

هذه المعركة و التي تعتبر من أهم المعارك التي خاضها المسلمون إبان السيطرة العثمانية على العالم، دارت رحاها بين السعديين والدول الإيبيرية وفي مقدمتها البرتغال، يوم 30 جمادى الثانية من عام 986 هـ 1578م، وترجع أسبابها إلى رغبة الدول الأوروبية في تحويل أرض المعارك إلى دول شمال إفريقيا، كونها كانت تخاف أن يتقوى السعديون كثيرا ويعاودون فتح الأندلس من جديد، هذا من جهة، ومن جهة أخرى نشوب نزاع داخلي حول كرسي السلطة و تطور الأمور إلى نزاع قوي،  بين أبو عبد الله محمد المتوكل والسلطان أبو مروان عبد الملك، ثم إلى حروب ومعارك، حيث استنجد الأول بالدول الإيبيرية من أجل القضاء على السعديين مقابل منحهم امتيازات كبيرة، والثاني طلب المدد والعون من العثمانيين، فكانت الغلبة لعبد المالك أبو مروان.

لقد كانت رغبة البرتغاليين بقيادة ملكهم سبستيان القضاء على هذا المولود الجديد الذي تقوى وأضحى يشكل خطرا كبيرا عليهم، وعلى وجودهم وحتى في بلدانهم، ووجدوا إستنجاد المتوكل بهم دريعة وسببا من أجل القيام بحملة صليبية ظاهرها مساعدة السلطان على استعادة حكمه، و باطنها القضاء على السعديين والسيطرة على جميع شواطئ وثغور المغرب المطلة على البحر المتوسط والمحيط الأطلسي.

بعدما علم ملك البرتغال الشاب المتحمس إلى نفوذ كبير خارج الإمبراطورية البرتغالية، وكانت الفرصة مواتية لتحقيق ذلك بمعاونة محمد المتوكل، سعى إلى محو آثار الدولة السعدية، ونفض غبار التواضع والخوف الذي ميز فترة حكم أبيه، فعرش هذه الإمبراطورية البرتغالية اتسم من قبل بنوع من الضعف والتخاذل، الأمر الذي أجل السيطرة على مناطق عديدة من المغرب الأقصى في العهد الوطاسي الذي كان يعرف مشاكل داخلية لا حصر لها، كما أراد هذا الفتى الشاب العاشق للحروب أن يعلي من شأن إمبراطوريته، وأن يخلد لاسمه بأحرف من ذهب وفخر بين ملوك أوروبا، فكانت هذه الفرصة بدعم المتوكل والسيطرة على المغرب الأقصى جد مواتية، خاصة وأن مقابل هذا الدعم  التنازل على جميع الشواطئ المغربية.

لقد خشي البرتغاليون والإسبان أن تعيد الدولة السعدية التي بدأت تصلح علاقتها مع العثمانيين، فتح الأندلس من جديد والدخول إلى معاقلهم، ما اضطرهم للقيام بهذه الحرب التي انتصر فيها السعديون، وفقدت الإمبراطورية البرتغالية ومعها الإسبان في هذه المعركة التاريخية العظيمة التي شبهها المؤرخون “بمعركة بدر”، سيادتها وملكها وجيشها والعديد من رجال الدولة، ولم يبق من العائلة المالكة إلا شخص واحد.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق