سياسة و تاريخ

النهاية غير المتوقعة!!

جهز الملك البرتغالي سيبستيان نفسه من حيث العدة والعتاد، و أبحرت سفن جيشه الصليبية من ميناء لشبونة نحو بلاد المغرب الأقصى في 24 من يونيو عام 1578، وعلى متنها الآلاف من الجنود من مختلف بقاع وأصقاع أوروبا، فاقتضت الضرورة أن يتوقف الملك سيباستيان في منطقة تدعى لاكوس بضعة أيام، كان يجهز جيشه ويقوي من عزيمتهم، يضع الخطط للقضاء على السلطان المغربي السعدي عبد المالك.

ثم توجه بالجيش إلى منطقة أخرى تدعى قادس، حيث مكث ما يقارب أسبوعاً، عمل الملك سيبستيان البرتغالي على تفقد أحوال المغرب الداخلية قبل اللقاء المرتقب بالسلطان محمد المتوكل في مدينة طنجة، حيث كان ينتظره هناك.

و في مدينة طنجة شمال المغرب، رست سفن الجيش الصليبي، والتقى الملك سيبستيان بالمتوكل، وبدأ التخطيط الاستراتيجي لهذه المعركة، حيث تحالف الطرفان فيما بينهما واتفقا على ما اتفقا عليه، النصر مقابل السواحل المغربية، وبعد هذا التحالف واصلت السفن الأوروبية سيرها بحرا عبر المحيط الأطلسي إلى مدينة أصيلة، لكن الملك سيبستيان بقي بمدينة طنجة ليوم واحد قبل أن يلحق بجيشه الذي كان يزحف نحو العرائش، وهي المدينة المطلة على المحيط الأطلسي، حيث ستدور رحى الحرب بين السعديين وجيوش الصليبين.

وتقول كتب التاريخ أن السلطان السعدي الذي لقي تأييدا كبيرا من طرف المغاربة، قد جهز نفسه لهذه المعركة بشكل كبير، حيث كتب السلطان عبد الملك من مراكش رسالة إلى سيبستيان ملك البرتغال يقول: “إن سطوتك قد ظهرت في خروجك من أرضك، وجوازك العدوة، فإن ثبتّ إلى أن نقدم عليك، فأنت نصراني حقيقي شجاع، وإلا فأنت كلب بن كلب”، فلم يكن السلطان المغربي خائفا من الجيوش الصليبية بالرغم من تعدادها الكبير و الأسلحة المتطورة التي كانت تمتلكها، فقد حاول أن يحول هذه الحرب إلى حرب دينية بين المسلمين والمسيحيين، وجعلها في مقام معركة بدر، سواء من ناحية التخطيط أو الخطاب الذي كان بثه في نفوس المقاتلين المغاربة، فظهر بذلك مظهر السلطان المدافع عن الدين الإسلامي الحنيف، من سطوة الصليبين.

وقبل أن تبدأ المعركة على أرض الواقع، كانت هناك معركة من نوع خاص، أو لنسميها حربا نفسيا بين الطرفين، حرب كلامية فيها وعد ووعيد، هذه الحرب الكلامية التي بثت الرعب في نفوس الصليبين، جعلت الملك البرتغالي سيبستيان يستشير أصحابه حول رسالة سلطان المغرب، الذين أشاروا له بضرورة ضم مناطق مغربية أخرى ومواصلة التقدم، حيث اقترحوا عليه ضم كل من تطاوين والعرائش والقصر الكبير ومناطق أخرى، وأن يجمع ما فيها من رجال وعدة تقوية لجيشه، وزيادة من جنده ومدده.

و انطلق الملك البرتغالي متحمسا، بدأ يتريث في خطواته وقراراته رغم الإشارات التي تلقاها من جنوده ومرافقيه، وما زاد الطين بلة، سماعه بخبر رسالة عبد المالك إلى أخيه بفاس، حيث كتب السلطان السعدي أبو مروان عبد الملك سلطان المغرب الجديد إلى أخيه أحمد، الذي كان واليا حينها على مدينة فاس، أن يستعد لقتال الجيش المسيحي، وأن يخرج بجنده من مدينة فاس، والمناطق المتاخمة ويتهيأ للقتال، الأمر الذي استجاب له أخوه بسرعة، وانطلق الجيش السعدي من مراكش وفاس نحو الشمال لملاقاة الصليبين، حيث سار جند مراكش بقيادة عبد الملك وسار أحمد بجند فاس وما حولها، وكان اللقاء قرب مدينة القصر الكبير، كما اتفقا سلفا.

توجه السلطان السعدي عبد الملك إلى القصر الكبير وقد اختاره مقراً لقيادة جيشه الذي اجتمع، ثم جعل من يراقب تحركات الجيش الصليبي، و يراقب خطوات وتحركات الملك البرتغالي سيبستيان بدقة، ليشرع في تنفيذ خطته العبقرية، والتي تتمثل في ضرورة إنهاك هذا الجيش الصليبي، حيث كتب إلى الملك سبستيان يقول: “إني قد قطعت للمجيء إليك ست عشرة مرحلة، فهلا قطعت أنت مرحلة واحدة لملاقاتي”، هنا وقع الملك سيبستيان في الفخ الذي نصبه له السلطان السعدي، وجعله ينهك جيشه بطول المسافة المقطوعة بين المناطق، بينما كان الجيش السعدي في راحة تامة يجهز للإجهاز على الصليبين وجعل القصر مقبرتهم الأخيرة.

كان محمد المتوكل يعلم بمكيدة السلطان السعدي عبد المالك، حيث أشار الى حليفه الملك سيباستيان بعدم المجازفة بمغادرة مدينة أصيلة الساحلية، وذلك من أجل البقاء على اتصال مباشر بالمؤونة والعتاد والبحر في حالة العودة، ولكن الملك المغرور رفض وأمر جيشه بالتحرك نحو القصر الكبير، عابرا بذلك الجسر الوحيد ، جسر وادي المخازن الذي أقام بالقرب منه عبد المالك وجنوده، وفي جنح الليل أقدم الجيش السعدي على نسف قنطرة جسر وادي المخازن، ولم يتبقى للجيش الصليبي أي منفذ للرجوع أو الهروب، فالقنطرة الوحيدة قد نسفت والوادي لا معبر له سوى هذه القنطرة.

وتقول المصادر التاريخية أن المواجهة بين السعديين والأوروبين بدأت بالمدفعية، وبعدهما جاء الدور على الرماة ثم المشاة، وعلى المجنبتين من الفرسان، الجيش السعدي كان قد تقوى بشكل كبير، فقد تطوعت الكثير من القبائل للقتال بصفوفه، بالإضافة إلى ذلك كانت هناك كوكبة كبيرة احتياطية من الفرسان للهجوم في الوقت المناسب.

وفي الرابع من غشت من عام 1578، توجه السلطان عبد المالك إلى جنده، يحثهم على القتال، فقد ركب فرسه بالرغم من مرضه، فكان خطابه خطابا إسلاميا دينيا بشكل يشبه فيه معكة بدر التي انتصر فيها المسلمون على المشركين، وفي الضفة الأخرى كان القس المسيحي يثير الحماس في نفوس الصليبين، وكان خطابه للجنود شبيه بالذي قدمه السلطان السعدي، مع اختلاف المضمون ما بين الإسلامي والمسيحي، أي أنه خطاب ديني بالأساس، فقد ذكرهم بأن البابا أحل من الأوزار والخطايا أرواح من يلقون حتفهم ويقتلون في هذه الحروب.

وبدأت المعركة التي حبست الأنفاس، بعشرات الطلقات النارية من الجيشين كليهما إيذاناً ببداية الحرب التي لا هوادة فيها، ومعها بدأ السلطان السعدي بخطته العجيبة، بحيث أنه قد مال بجيش أخيه أحمد المنصور الذهبي نحو مؤخرة البرتغاليين، وأرسل بالفرسان من الجانب في مناورة تطويقية تهدف إلى محاصرة الصليبين من كل الجوانب، ثم أوقد نارا كبرى في بارود الغزاة الأوربيين، واتجهت موجة مهاجمة ضد رماتهم في المقدمة والقلب فقتل العديد منهم، وتكبد جيش الملك سيبستيان البرتغالي خسائر فادحة، وزادت الخسائر فداحة لما ولى الجيش الصليبي ظهره لأرض المعركة وسقط العديد منهم في الوادي، بعد خطة نسف الجسر.

وأمام هذه الخسائر الغير متوقعة، حاول الملك سيبستيان أن يظهر قوته وشجاعته، لكنه انهار هو وجنوده، وخسروا المعركة التي مات فيها، ومعه الآلاف من جيشه، بما فيهم أغلب نبلاء البلاط وقادة الدولة البرتغالية، فما كان من حليفهم محمد المتوكل إلا الفرار مرة أخرى شمالا، ليسقط في وادي المخازن غارقا، ويفقد بذلك حياته، حيث وجدت جثته طافية على الماء، فسلخ وملئ تبناً وطيف به في أرجاء المغرب انتقاما منه على الخيانة وموالاته للبرتغاليين.

وبعد نهاية هذه المعركة توفي السلطان عبد الملك، وذلك بسبب الجهد الفائق الذي بذله في قيادة الجيش السعدي من تحميس الجند ووضع الخطط بالرغم من مرضه الشديد، ودامت المعركة ما يقارب خمس ساعات وسميت بمعركة “الملوك الثلاثة”.

برجاء تقييم المقال

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق