سياسة وتاريخ

معركة ذات السلاسل

كانت الدولة الإسلامية في خلافة  أبي بكر الصديق تقع بين فكي أقوى دولتين في العالم وقتها: دولة الفرس من ناحية الشرق بأرض العراق وإيران، ودولة الروم النصرانية في الشمال.

معركة ذات السلاسل

وبعد دراسة للموقف قرر (أبو بكر) البدء بالجبهة العراقية، وذلك بعد أن انتهى من القضاء على حركة الردة التي وقعت بأرض العرب. جاءت الأوامر من الخليفة (أبى بكر الصديق) إلى خالد بن الوليد بعدما انتهى من حربه على المرتدين من بني حنيفة أتباع  مسيلمة الكذاب بالتوجه إلى الأراضي العراقية، مع عدم إكراه أحد من المسلمين على مواصلة السير معه إلى العراق، ومن أحب الرجوع بعد قتال المرتدين فليرجع.

فرجع الكثير من الجند، إلى ديارهم، ليس خوفًا ولا فرارًا من لقاء الفرس ولكن تعبًا وإرهاقًا من حروب الردة، فلم يبقى مع (خالد) سوى ألفين من المسلمين.

المعركة

وضع الخليفة (أبو بكر) خطة عسكرية هجومية، حيث أمر قائده (خالد بن الوليد) أن يهجم على العراق من ناحية الجنوب، وفي نفس الوقت أمر قائداً آخر لا يقل خبرة عن (خالد بن الوليد) وهو (عياض بن غنم الفهري) أن يهجم من ناحية الشمال، في شبه كماشة على العدو، ثم قال لهما:

“من وصل منكما أولاً إلى الحيرة واحتلها فهو الأمير على كل الجيوش بالعراق، فأوجد بذلك نوعًا من التنافس الشريف والمشروع بين القائدين، يكون الرابح فيه هو الإسلام”.

كانت أول مدينة قصدها (خالد بن الوليد) هي مدينة الأبلة، وكانت ذات أهمية استراتيجية كبيرة، حيث أنها ميناء الفرس الوحيد على الخليج العربي، ومنها تأتى كل الإمدادات للحاميات الفارسية المنتشرة بالعراق، وكانت هذه المدينة تحت قيادة أمير فارسي كبير الرتبة اسمه هرمز، وقد اشتق من اسمه اسم المضيق القائم حاليًا عند الخليج العربي، وكان رجلاً شريرًا متكبراً، شديد البغض للإسلام والمسلمين، وللجنس العربي بأسره، وكان العرب بالعراق يكرهونه بشدة، ويضربون به الأمثال فيقولون: “أكفر من هرمز، اخبث من هرمز؟، فلما وصل (خالد) بالجيوش الإسلامية هناك، وكان تعداد هذه الجيوش قد بلغ ثمانية عشر ألفًا بعد أن طلب الإمدادات من الخليفة، أرسل برسالة للقائد (هرمز) تبين حقيقة الجهاد الإسلامي، وفيها أصدق وصف لجند الإسلام، حيث جاء في الرسالة: “أما بعد فأسلم تسلم، أو اعتقد لنفسك ولقومك الذمة، وأقرر بالجزية، وإلا فلا تلومن إلا نفسك، فلقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة”.

حرب  الاستنزاف

رفض (هرمز) الرسالة الإسلامية التي تدعوه إلى الإسلام أو الجزية، ويختار بيده مصيره المحتوم، ويرسل إلى كسرى يطلب الإمدادات، وبالفعل يرسل (كسرى) إمدادات كبيرة جدًا، ويجتمع عند (هرمز) جيش جرار عظيم التسليح، ويبنى (هرمز) خطته على الهجوم على مدينة كاظمة ظنًا منه أن المسلمين سوف يعسكرون هناك، ولكنه يصطدم أمام العقلية العسكرية الفذة للقائد (خالد بن الوليد).

قام (خالد بن الوليد) بما يعرف في العلوم العسكرية الحديثة بحرب استنزاف، ومناورات مرهقة للجيش الفارسي، فقام (خالد) وجيشه بالتوجه إلى منطقة #الحفير، وأقبل (هرمز) إلى كـاظمة فوجدها خالية وأخبره الجواسيس أن المسلمين قد توجهوا إلى الحـفير، فتوجه (هرمز) بسرعة كبيرة جداً إلى الحفير حتى يسبق المسلمين، وبالفعل وصل هناك قبل المسلمين، وقام بالاستعداد للقتال، وحفر خنادق، وعبأ جيشه، ولكن البطل (خالد) يقرر تغير مسار جيشه ويكر راجعاً إلى مدينة الكاظمـة، ويعسكر هناك ويستريح الجند قبل القتال.

وعندما كانت الأخبار تصل إلى (هرمز) يستشيط غضبًا، وتتوتر أعصابه جدًا، وتحرك بجيوشه المرهقة المتعبة إلى مدينة الكاظمة ليستعد للصدام مع المسلمين، وكان الفرس أدرى بطبيعة الأرض وجغرافية المكان من المسلمين، فاستطاع (هرمز) أن يسيطر على منابع الماء بأن جعل نهر الفرات وراء ظهره، حتى يمنع المسلمين منه، وصدق الحق عندما قال {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [216] سورة البقرة، فقد كان سببًا لاشتعال حمية المسلمين وحماستهم ضد الكفار، وقال (خالد بن الوليد) كلمته الشهيرة تحفيزًا بها الجند: “ألا انزلوا وحطوا رحالكم، فلعمر الله ليصيرن الماء لأصبر الفريقين، وأكرم الجندين”.

ـ وقبل أن يصطدم (هرمز) قائد الجيوش الفارسية مع جيوش المسلمين أرسل بصورة الوضع إلى (كسرى)، الذي قام بدوره بإرسال إمدادات كبيرة يقودها (قارن بن قرباس) يكون دورها الحفاظ على مدينة الأبلة في حالة هزيمة (هرمز) أمام المسلمين، لأهمية هذه المدينة كما أسلفنا.

سلاسل الموت

ـ كان (هرمز) رجلاً متكبرًا أهوجًا، لا يستمع إلا لصوت نفسه فقط، حيث رفض الاستماع لنصائح قواده، وأصر على أن يربط الجنود الفرس أنفسهم بالسلاسل، حتى لا يفروا من أرض المعركة، كناية عن القتال حتى الموت، لذلك فقد سميت المعركة بذات السلاسل.

ـ كان أول وقود المعركة وكما هو معتاد وقتها أيام الحروب أن يخرج القواد للمبارزة، كان أول الوقود عندما خرج القائد الفارسي (هرمز) لمبارزة القائد المسلم (خالد بن الوليد)، وكان (هرمز) كما أسلفنا شديد الكفر والخيانة، فاتفق مع مجموعة من فرسانه على أن يهجموا على (خالد) ويفتكوا به أثناء المبارزة، وبالفعل خرج المسلم للقاء الكافر، وبدأت المبارزة، ولم يُعهد أو يُعلم عن (خالد بن الوليد) أنه هُزم قط في مبارزة طوال حياته قبل الإسلام وبعده، وقبل أن تقوم مجموعة الغدر بجريمتهم الشريرة فطن أحد أبطال المسلمين الكبار لذلك، وهو البطل المغوار (القعقاع بن عمرو) ، صنو (خالد) في البطولة والشجاعة، فخرج من بين الصفوف مسرعًا، وانقض كالأسد الضاري على مجموعة الغدر فقتلهم جميعاً، وفي نفس الوقت أجهز (خالد بن الوليد) على الخائن) هرمز) وذبحه كالنعاج، وكان لذلك الأمر وقعاً شديداً في نفوس الفرس، حيث انفرط عقدهم، وانحل نظامهم لمقتل قائدهم، وولوا الأدبار، وركب المسلمون أكتافهم، وأخذوا بأقفيتهم، وقتلوا منهم أكثر من ثلاثين ألفاً، وغرق الكثير في نهر الفرات، وقتل المربطون بالسلاسل عن بكرة أبيهم، وكانت هزيمة مدوية على قوى الكفر وعباد النار، وفر باقي الجيش لا يلوى على شيء.

الفزع الكبير

لم تنته فصول المعركة عند هذا الحد، فمدينة الأبلة لم تفتح بعد، وهناك جيوش قوية ترابط بها للدفاع عنها حال هزيمة جيوش هرمز وقد كانت، ووصلت فلول المنهزمين من جيش هرمز وهى في حالة يرثى لها من هول الهزيمة، والقلوب فزعة ووجلة، وانضمت هذه الفلول إلى جيش (قارن بن قرباس) المكلف بحماية مدينة الأبلة، وأخبروه بصورة الأمر فامتلأ قلبه هو الآخر فزعًا ورعباً من لقاء المسلمين، وأصر على الخروج من المدينة للقاء المسلمين خارجها، وذلك عند منطقة المذار، وإنما اختار تلك المنطقة تحديداً لأنها كانت على ضفاف نهر الفرات، وكان قد أعد أسطولاً من السفن استعداداً للهرب لو كانت الدائرة عليه، وكانت فلول المنهزمين من جيش (هرمز) ترى أفضلية البقاء داخل المدينة والتحصن بها، وذلك من شدة فزعهم من لقاء المسلمين في الميدان المفتوح.

كان القائد المحنك (خالد بن الوليد) يعتمد في حروبه دائمًا على سلاح الاستطلاع الذي ينقل أخبار العدو أولاً بأول، وقد نقلت له استخباراته أن الفرس معسكرون بالمذار، فأرسل (خالد) للخليفة (أبو بكر) يعلمه بأنه سوف يتحرك للمذار لضرب المعسكرات الفارسية هناك ليفتح الطريق إلى الأبلة، ثم انطلق (خالد) بأقصى سرعة للصدام مع الفرس، وأرسل بين يديه طليعة من خيرة الفرسان، يقودهم أسد العراق المثنى بن حارثة، وبالفعل وصل المسلمون بسرعة لا يتوقعها أحد من أعدائهم.

التكتيك العسكري

عندما وصل المسلمون إلى منطقة المذار أخذ القائد (خالد بن الوليد) يتفحص المعسكر، وأدرك بخبرته العسكرية، وفطنته الفذة أن الفزع يملأ قلوب الفرس، وذلك عندما رأى السفن راسية على ضفاف النهر، وعندها أمر (خالد) المسلمين بالصبر والثبات في القتال، والإقدام بلا رجوع، وكان جيش الفرس يقدر بثمانين ألفاً، وجيش المسلمين بثمانية عشر ألفاً، وميزان القوى المادي لصالح الفرس.

خرج قائد الفرس (قارن) وكان شجاعًا بطلاً، وطلب المبارزة من المسلمين فخرج له رجلان (خالد بن الوليد) وأعرابي من البادية، لا يعلمه أحد، اسمه (معقل بن الأعشى) الملقب بأبيض الركبان لمبارزته، وسبق الأعرابي (خالدًا)، وانقض كالصاعقة على (قارن) وقتله في الحال، وخرج بعده العديد من أبطال الفرس وقادته فبارز (عاصم بن عمرو) القائد (الأنوشجان) فقتله، وبارز الصحابي (عدى بن حاتم) القائد (قباذ) فقتله في الحال، وأصبح الجيش الفارسي بلا قيادة.

كان من الطبيعي أن ينفرط عقد الجيش الفارسي بعد مصرع قادته، ولكن قلوبهم كانت مشحونة بالحقد والغيظ من المسلمين، فاستماتوا في القتال على حنق وحفيظة، وحاولوا بكل قوتهم صد الهجوم الإسلامي ولكنهم فشلوا في النهاية تحت وطأة الهجوم الكاسح، وانتصر المسلمون انتصاراً مبينًا، وفتحوا مدينة الأبلة، وبذلك استقر الجنوب العراقي بأيدي المسلمين، وسيطروا على أهم مواني الفرس على الخليج، وكان هذا الانتصار فاتحة سلسلة طويلة من المعارك الطاحنة بين الفرس والمسلمين على أرض العراق كان النصر فيها حليفًا للمسلمين في جملتها، وانتهت بسقوط مملكة عباد النار.

المصادر
ـ قصة الإسلام بتصرف
ـ تاريخ الرسل والملوك
ـ الكامل في التاريخ
ـ التاريخ الإسلامي
ـ البداية والنهاية
ـ تاريخ الخلفاء
ـ موسوعة التاريخ الإسلامي
ـ فتوح البلدان

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

عبدالله احمد علي الدالي

باحث في التاريخ والاثار المصرية والاسلامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى