مدونات

“معرض الكتاب”.. آخر محطات الكاتب الشاب الراحل

عرفت معنى الموت مبكراً، فكنا في الفصل الخامس الابتدائي، يومها أصر “ناجي” أن أذهب معه إلى بيت أخته ولكنني رفضت، حاول إغرائي بكل الطرق، وأخبرني بأن لديهم “فشار” لأن عندهم “سبوع” مولود جديد، ورغم الإغراء الذي لا يقاوم بالنسبة لي رفضت، ولم يكن السبب شجاعة مني أو أي شيء آخر، بل لأني كنت أخاف من عقاب أمي إذا تأخرت على موعد “الُكتّاب”.

في “فسحة” الكُتاب أخبرتني أمي أن “ناجي” أصيب في حادثة سيارة، بعقلي الصغير تصورت أنها حادثة بسيطة، وكنت على يقين بأنه سيكون غدًا بجواري في الفصل و”التختة”، نتشاجر ونتخاصم ونلعب كما تعودنا منذ سنوات، ولم أتخيل للحظة أنه سيرحل، لم تخطر كلمة الموت على بالي أصلًا.

في المساء جاء الخبر ورحل “ناجي”، لكني لم أفهم تمامًا معنى الكلمة، فلم أكن أتصور أنني لن أراه مرةً أخرى، وكنت مصرًا على حضور جنازته، لكنها تأخرت بسبب تحقيقات الشرطة والنيابة وغلبني النوم.

في الصباح، ورغم مكانه الخالي بجواري، لم أقتنع أنه مات ولن أراه أبدًا إلا عندما شاهدت مدرس اللغة العربية -الأستاذ علي- يبكي.

من يومها وإلى الآن لم أكتب عنه، تأتيني ذكراه بين الحين والآخر دون تفاصيل محددة، لكنها سرعان ما تعود إلى مكانها العميق في الذاكرة، لكنني -بالأمس- تذكرته جيدًا عندما سمعت خبر موت الكاتب الشاب “محمد حسن خليفة” أثناء تجواله في معرض الكتاب.

لم أقابل “محمد” أبدًا، وكل معرفتي به كانت من خلال الفيس بوك، لكنه كان واحدًا ممن أتابعهم وأتابع كتاباتهم بصفة مستمرة، عرفته أول مرة من خلال مراجعة نقدية كتبها عن رواية “امرأة في حقيبة” للكاتب البرازيلي رافاييل مونتيز، وبعدها لم أُفوّت له مقالا أو مراجعة كتبها.

كان مشروع ناقدٍ أدبيٍ يبشر بمستقبلٍ واعد قبل أن أعرف أن له محاولات أدبية، كما أعلن بنفسه قبل أيام عن صدور مجموعته القصصية في معرض القاهرة للكتاب الحالي، وبالأمس عرفت أنه كتب مسرحية لم تنشر بعد.

بالنسبة لقارئ قديم مثلي، فإن مقالًا واحدًا لأي كاتب هو دافع كافٍ كي أتابعه، حتى بدون معرفة شخصية سابقة أو لاحقة، وأظن أن هذه هي العلاقة الطبيعية والصحيحة والصحية بين القارئ والكاتب، وهو بالطبع لا يحدث في الوسط الثقافي المصري والعربي، والذي تقوم العلاقات فيه على المعرفة الشخصية والمجاملات والتربيطات.

ومن هذا المنطلق لا أتفاعل كثيرًا -على الفيس بوك- مع أية أمور شخصية تظهر لي على صفحات الكُتاب والأدباء، وكان “محمد” من بينهم بالفعل، وكان -رحمه الله- يكتب بين الحين والآخر عن حالته النفسية، اكتئاب عابر أو ما يسمونه “قفلة الكاتب”، لكنني كنت أتفاعل مع مقالاته ودراساته التي ينشرها، وكنت في الغالب -إذا تأخر عن طلب نشرها على الجروب الذي أتشرف بكوني واحدًا من المشرفين عليه- أقوم أنا بنشره؛ لاقتناعي بأهميته.

كان دائمًا في ردوده على تعليقاتي يصفني ب”الأستاذ”، وبالطبع كان ذلك من أدبه واحترامه، فبأي مقياس كان هو “الأستاذ”، وهو أمر واضحٌ في كل ما كتبه، فأنا كتبت عن تلك الرواية البرازيلية السابقة الذكر وكتب هو أيضًا، لكن -أعترف- أن ما كتبه كان أفضل ألف مرةٍ مما كتبتْ.

للأسف الشديد لم نتحدث ولا مرة عبر أية وسائط، وظل كل ما بيننا “لايكات” وتعليقات متبادلة على الفيس بوك، لكن بيني وبين نفسي كان “محمد” اسمًا في قائمة الذين أتمنى -لو أتيحت فرصة- كي أقابلهم وأتعرف عليهم بصفة شخصية، خصوصًا من الجيل الجديد من الكُتاب والقراء الذين ظهروا في السنوات القليلة الأخيرة، لكن -للأسف مرة ومرات أخرى كثيرة- رحل محمد حسن خليفة مبكرًا.

منذ فترة قرأت -وتأثرت- بما كتبه الكاتب الكبير الراحل سليمان فياض في “كتاب النميمة” عن “وحيد النقاش”، وهو كاتب وأديب ومترجم رحل صغيرا (34 عامًا) وكانت وفاته صدمة كبيرة لكل من عرفوه وقرأوا له، وكان تأثري -إذا صح القول- “سطحيا”، فأنا لم أعرف “وحيد” ولا عاصرته ولا حتى قرأت له، مجرد تعاطف مع حالة إنسانية كتب عنها آخرون، ولم أكن لأفهم أو أتفهم تلك الحالة إلا مع رحيل “محمد”، فهذا كاتب قرأت له وتابعته، وبشكل ما عرفته معرفة مباشرة، وكان هناك -بالتأكيد- موعدًا مؤجلًا بيننا لم نتفق عليه.

بالأمس عندما سمعت وقرأت خبر رحيله لم أصدق، فبحسب إشعارات الفيس بوك، فإنه قام بعمل “لايك” لتعليقٍ لي على منشور على صفحته، التوقيت كان يشير إلى 13 دقيقة مضّت، لكن في نفس الوقت كان خبر وفاته منشورًا من ساعة كاملة، وهو أمر أربكني جدًا، لذلك لم أصدق الخبر لفترة حتى تم تأكيده، لكن صورة “القلب الأحمر” كما كان يفعل مع معظم تعليقاتي عنده ظلت -وستظل- عالقة في ذاكرتي لفترة طويلة، وربما من هنا اعتبرت خبر وفاته يماثل تمامًا خبر رحيل صديق طفولتي “ناجي”، وكان لابد أن أكتب عن الإثنين، رحمة الله تعالى عليهما.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

طاهر عبد الرحمن

أقرأ التاريخ لأفهم المستقبل
زر الذهاب إلى الأعلى