أسلوب حياة

معاملة الحيوانات.. في الدين والدنيا

هناك أكثر من 200 آية في القرآن تتحدث عن الحيوانات.. وهناك 6 سور مسماة بأسماء حيوانات، هي: البقرة، الأَنعام، النحل، النمل، العنكبوت، والفيل.. ولكل واحدة منها مناسبتها الخاصة؛ إذ في سورة البقرة تُذكر قصة بقرة بني إسرائيل التي أُمِروا بذبحها.. وفي سورة الأنعام يُذكر التشريع الإسلامي في المباح تناوله من الأنعام.. وفي سورة النحل يذكر الله سبحانه تسخيره للنحل لإنتاج العسل غذاءً وشفاءً لكثيرٍ من الأمراض.. أما في سورة النمل فنجد حكاية النمل ضمن قصة النبي سليمان والقدرة التي أنعم الله عليه بها في فهم لغة الحيوانات.. وبالانتقال إلى سورة العنكبوت، نجد فيها تشبيه من عبدوا من دون الله بالعنكبوت التي تبني بيتاً ضعيفاً لا يحميها.. وفِي سورة الفيل نجد ذكر قصة أصحاب الفيل الذين جاءوا على رأس جيش لهدم الكعبة فانتقم الله منهم.. وفي مضمون السور نجد ذكراً لحيوانات أخرى كالإبل والخيل والطير.. وفي آيات القران تصريح بتحريم أكل لحم الخنازير إلا في حالات خاصة وهي في الحروب والمجاعات عندما لا يكون بديل لذلك لتفادي الموت من الجوع.

ويمكن بشكل عام القول بأن القرآن الكريم قد بين أن الحيوانات سُخرت لخدمة الإنسان، ولكن في نفس الوقت يفرض على الإنسان المسلم معاملة الحيوانات بلطف ويمنع أي إساءة لها.. الحيوانات، مع سائر المخلوقات، يُعتقد أنها تعبدُ الله بالرغم من أنها لا تعبّر عن ذلك بلغة البشر.. ويصرح القرآن بمشروعية أكل بعض الحيوانات تحت شروط معينة مع ذبحها بطريقة معينة.. والحيوانات المحظورة تتضمن الخنازير والميتة والحيوانات المذبوحة لغير وجه الله أو التي لم يذكر عليها اسم الله، وأيضاً آكلات اللحوم والطيور ذات المخالب.

وقد استنبط الفقهاء والمفسرون من مجمل هذه الآيات الكثير من الأحكام والفوائد، فأشاروا إلى أن الله يلفت انتباه الإنسان إلى ضرورة الاهتمام بالحيوان، والعناية به، والترفق في معاملته؛ لأنه يؤدي دوراً مهماً في خدمته للبشر.. كما أن الله (سبحانه) قصد بهذه الآيات أن يبتعد بالإنسان عن النظر إلى الحيوانات نظرة ضيقة لا تتعلق إلا بالجانب المادي المتعلق بالأكل والنقل واللباس والتجارة.. فوسع نظرته إليه مشيراً إلى أن للحيوان جانباً معنوياً، وصفات جمالية تقتضي الحب الذي يقود إلى الرفق في معاملته، والإحسان إليه في المصاحبة، إضافةً إلى أن ذِكر بعض الحيوانات بأسمائها في هذه الآيات لا يعني أن غيرها ليس كذلك، بل إنه ذكرها على سبيل المثال لا الحصر بدليل قوله: (وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

وهكذا ندرك أن الإسلام لا ينظر إلى الحيوان نظرة دونية، بل إن الله يلفت انتباه الناس بقوله: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ).. وبرغم ذلك فقد نبهنا الإسلام للحذر من بعض هذه الكائنات بشكل خاص، حيث أمرنا الرسول (صلى الله عليه وسلم) بقتل “الفواسق الخمس”، وهي: “الغراب، والحدأة، والفأر، والحية، والعقرب، والكلب العقور، والسبع، كالذئب والنمر والأسد”، وغير ذلك من الحيوانات المفترسة، إضافةً إلى بعض الحشرات المؤذية التي قد تسبّب الضرر والأذى، مثل البعوض والذباب وغيرها، بحكم أن “ما يؤذيك فلك إذايته قبل أن يؤذيك”!   ويبين كثير من الفقهاء أنه من القواعد الفقهية المقررة شرعاً أنه “لا ضرر ولا ضرار”، وأن “الضرر يزال”، وأن “الضرر لا يزال بالضرر”؛ ولذلك منع الشرع من اقتناء أو تربية أي حيوان إذا كان مؤذياً، وجعل حقاً للإنسان أن يدفع ضرر الحيوانات المؤذية عن نفسه ما استطاع ولو بقتلها إن لم يندفع ضررها إلا بذلك.

هنا يتبادر إلى العقول المفكرة في ملكوت الله عن سبب خلق الحيوانات الضارة والمفترسة والحشرات المؤذية، وهي كثيرة ومتنوعة بكافة الأشكال والأحجام في البر والبحر والجو.. وكذلك التساؤل عن الحيوانات المحرم علينا أكلها أو تلك التي قد نعتبرها مصدراً للنجاسة أو القذارة.. فالخنزير مثلاً هو أحد أهم وأعقد المخلوقات الحيوانية وفقاً لتركيبته الفيزيائية التي تقاوم أغلب الأمراض والأوبئة، وإن كانت طبيعته التركيبية وسيطة لنقل الأمراض للحيوان والإنسان إلا أنها لا تؤذي الخنزير نفسه.. وعندما نتعرف على مهماته ووظائفه البيئية التي جبل عليها، ربما ندرك أن هذا المخلوق عبارة عن “أداة” مُسخرة لنا، فإننا سنمتنع أخلاقياً، بما يتجاوز النهي، عن أكله مع تحريمه على أنفسنا حفاظاً على تواجده في مكانه الملائم لتنفيذ واجباته التي خُلق من أجلها لخدمة الإنسان وليس بسبب أضرار لحومه فقط.. أي أن الله قد خلق الخنزير للقيام بدور هام في الدنيا.. وما وصف خبث لحومه وضررها إلا وسيلة لإجبار الإنسان على عدم تناوله ليترك لمهماته التي خُلق من أجلها.. فالخنزير هو أقذر الحيوانات “القمامة” وفقاً لما يلتهمه، إذ أنه مصمم بصورة رئيسية لأكل الجيف وأكل فضلات الحيوانات والإنسان التي قد يخلفها في العراء، وبهذه الطبيعة يكون للخنزير دوراً في خدمة الإنسان والحياة والمحافظة على الصحة العامة.. وفي واقع الأمر فإن الدين لم يأمرنا بالتخلص من الخنازير، ربما لتركها تقوم بالدور والمهمات التي خُلقت في الأساس من أجلها!!

والمفارقة في هذا الأمر أن الرجل الغربي الذي يهتم بتربية الخنازير ويأكل لحومها، يمتنع عن أكل الفئران أو الجرذان لأنها تعيش في المجارير التي تحوي فضلات الإنسان ولا يجد حرجاً في أكل الخنازير التي تتغذى أيضاً على هذه الفضلات!   إنها مفارقة غريبة ومحيرة، إلا أنه في واقع الأمر ليس سوى ضحية جهله وضحية المروجين والمتاجرين للحوم الخنازير على مدى التاريخ، كمن يتعاطى المخدرات رغم معرفته بضررها وذلك نظراً لنشاط المروجين لها ورعايتها بالزرع والدعايات الكاذبة والخداع، ومع ذلك فإن الطب لا يستغني عن استعمال بعض أنواعها للتخدير والمعالجة في العمليات الجراحية.

وهل الكلاب نجسة، بخلاف الحيوانات المستأنسة الأخرى؟   كثيرة هي الآراء حول الكلب بشكل خاص، ربما لكون الكلاب من ذات فصائل الذئاب والثعالب والضباع وما شابهها من حيوانات لم ترد فيها نصوص أو أحاديث حول نجاستها.. ويتفق الكثير من الفقهاء بأن هنالك بعض الأدلة من القرآن والسنة النبوية مما يستدل بها على طهارة (جسد) الكلب ويتضمن ذلك جواز تربية واقتناء الكلاب.. حيث أن الكلاب هي من أكثر الحيوانات المرتبطة بالإنسان، وهي معروفة بالوفاء والخدمة وربما أيضاً بالصداقة، إذا صح القول.. فالكلب كان ضمن المذكورين في قصة “أهل الكهف” كفرد من المجموعة.. وكلاب الصيد والرعي مثلاً لا تمنع ملامستها للبشر والتربيت عليها من الصلاة.. وربما تختلف المذاهب في هذا الشأن بالقول إنه إذا لمس الإنسان شيئاً رطباً من الكلب أو كانت يده رطبةً؛ لا ينتقض وضوؤه، لكن عليه غسل موضع بدنه الذي لامس به الكلب أو عرقه أو لعابه، وإن صلَّى وعليه النجاسة؛ ولكنه لا يرى نجاستها أو لم يعلم بوجودها؛ فلا يجبُ عليه إعادة الصلاة عند المالكية، لأنه قال بأن الكلب غير نجس، وأما من قال بنجاسة الكلب كالشافعية ومن وافقهم؛ فقالوا بوجوب إعادة الصلاة في هذه الحالة؛ لأن من شروط صحّة الصلاة إزالة النجاسات.

وقضية الرفق بالحيوان هي الأخرى مثار للجدل والنقاش بين الكثيرين، وتتفق معظم الآراء على مبدأ إنساني أخلاقي إسلامي، يقوم على العطف على الحيوانات وتقديم الرعاية لها، وقد حثت التشريعات الإسلامية على الأمور التي تتحقق بها رحمة الحيوان، وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) خير أسوة في ذلك، فلخص لنا منهجاً كاملاً في كيفية العناية بهذه الحيوانات بشكل عام.. ربما من أهم الأمور المرتبطة بالرفق بالحيوانات هي كلمة “الرفق”، أي مراعاة مشاعرها كونها كائنات حية لها حقوقها وعلينا واجبات تجاهها.. فيتوجب علينا إطعامها وتقديم النفع لها واستخدامها بالمعروف.. وقد توعد سبحانه وتعالى أشد الوعيد كل من ملك حيواناً وفرط فيه دون إطعام أو شراب.. وقد تم تحريم اتخاذها هدفا لأي شكل من المبالغة في تحمليها فوق طاقتها لما لذلك من آثار سلبية على نفسية الحيوان، ولان هذا يدخل ضمن ممارسة العنف ضدها وذلك حرام شرعاً.

بل ويتوجب علينا الإحسان إليها حتى عند الذبح من أجل الطعام، وذلك بذكر اسم الله عند ذبحها واحترام حقها في موت رحيم دون ألم أو تعذيب.. ويتوجب علينا من الناحية الأخلاقية والدينية إنقاذها إن كانت في محنة أو مأزق، كمن سقط من الحيوانات في بئر أو حفرة أو غرق أو تعرضها للإصابة البدنية.. بهذه التعليمات السامية، التي تدعو إلى احترام حقوق الحيوانات في الحياة باطمئنان، يقدم ديننا الحنيف أروع مثال في الرفق بالحيوان والحرص على حقوقه، فحث الإنسان على أن يكون رفيقاً به، لما يترتب على ذلك من أجر وثواب.. وربما نتذكر قصة تلك المرأة مع الهرة كمثال على حث المسلم على عدم التسبب في أذية الحيوانات.. فعن “عبد الله بن عمر رضي الله عنهما” أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: “عُذّبت امرأة في هرّة، سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها، ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض”.

فما بال من تعارفوا على رياضات كمصارعة الثيران والديوك والكلاب والجِمال، وتؤدي بعضها للموت أو الإصابات والتعذيب والمهانة؟   وكذلك الأمر مع سباقات الخيل والجمال وغيرها.. وماذا نقول في شأن من يقتلون الحيوانات والطيور باسم رياضة الصيد؟   وكيف نتقبل تحميل بعض الحيوانات مثل الحمير والبغال والجِمال أحمالاً فوق طاقتها الطبيعية؟   وأميل هنا أيضاً لمساءلة من يقتنون الطيور في أقفاص، أو يربون (أو يحكِرون) الحيوانات “الأليفة” في المنازل، حيث تعيش تلك في بيئات غير طبيعية، بالرغم من تلقيها المأكل والمشرب والرعاية.. لكنها في نهاية المطاف تكون محرومة من ممارسة الحق في حريتها بغير حق!!   بل والأقسى يكون عندما تتخذ بعض العائلات من عملية اقتناء القطط والكلاب الصغيرة من أجل أهواء وقتية قصيرة المدى ثم يتخلصون منها برميها في الطرقات والبراري وهي لم تتعود قط على تلك الحياة فتكون ضحية للحيوانات الأخرى والجوع والعطش وتقع فريسة للأمراض، بل وبعبث بعض الأطفال الجهلاء ممن يجدون متعة في سوء معاملتها وتعذيبها، بل وقتلها بلا رحمة!!

د. محمد العباسي

أكاديمي من البحرين.. دكتوراة في سيكولوجية تعلم اللغات.. أكثر من 30 سنة في إدارة وتعليم اللغة الإنجليزية في كليات وجامعات في البحرين والكويت.. درست وعشت سنوات الدراسة و العمل في قطر والكويت وكاليفورنيا ولانكستر في إنجلترا وكارديف في ويلز.. متقاعد، وأكتب مقالات في كافة المجالات التربوية واللغوية والاجتماعية والسيكولوجية والفلسفية والسياسية، إلخ. وأيضاً لي مشاركات أدبية و مطبوعات شعرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى