علوم وصحة

مصير المركزية البشرية والتفرد الإنساني

قبل النصف الثاني من القرن 19 كان جميع الناس عدا بضعة أفراد لديهم نظرة ثاقبة، يعتقدون بأن الإنسان خلق مباشرة بهيئته الحالية، كان الاعتقاد الشائع بأن جميع أشكال الحياة خلقت بشكل خاص بهيئتها، لكن الإنسان يتربع على عرش هذه المخلوقات بوصفه الكائن الذي يحمل رسالة الرب. هذه المركزية البشرية نجدها حتى جيان بابتيست لامارك، وهو من أوائل التطوريين الذين بحثوا في العلاقة بين الكائنات علمياً وقال أن التنوع الحيوي هو حصيلة عملية تطورية، لكنه وضع الإنسان على قمة السلم التطوري كغاية نهائية للعمليات الطبيعية.

لقد جاءت الخطوة النهائية لإزاحة الإنسان عن مكانته المركزية للكون، على يد أحد عباقرة عصره: تشارلز داروين، اليوم لا يوجد مثقف لا يعترف بأن تطور الأنواع من أصول مشتركة هو قانون النشوء البيولوجي، وأن الطفرات والانتقاء الطبيعي هي العوامل الأهم في هذا النشوء، بالتالي جميع الخصائص الإنسانية مهما كانت معقدة (كالدماغ) قد اكتسبت في سياق التطور، ويجب الاعتراف بأن البشر بمن فيهم فيفيان لي جزء من المملكة الحيوانية.

لكن في الحقيقة فإن نوعنا يمتلك سمات لا يضاهيها ما لدى أقربائنا الحيوانات، ونعني هنا القدرات الذهنية، وهي مآثر فريدة. فعلى الرغم من محاولة علماء الحيوان التقليل من شأن هذه الميزات بالقول بأن الخفاش يتميز بما يشبه السونار، والعقاب بنظره الثاقب..الخ إلا أن الوعي البشري وحده قادر على مراكمة معارفه غير المشفرة وراثيًا لمحاكاة جميع تلك الخصائص التي تعوزه لاستكمال نقصه الجسدي، فقد غدا قادرًا على الطيران والغوص واستشعار الموجات الصوتية الخ، أضف إلى ذلك المآثر النفسية الأخرى التي لا سبيل لحصرها.

رغم هذا فمن الواجب الإقرار أن هذه القدرات ليست عصية على البلوغ من قبل حيوانات أخرى، وإن كان الدماغ البشري تطور في سياق قوانين الطبيعة، فلا شيء يمنع من حيث المبدأ، تطور ذكاء يضاهيه وإن لم يكن في ذات الاتجاه، فالسبيل البشري في التطور هو واحد من محاولات لا تحصى تجريها الطبيعة، فتتابعها إن نجحت وتهجرها إن فشلت، الرؤية والطيران تطورًا بشكل مستقل مئات المرات (ربما آلاف)، في الحشرات والطيور والثدييات، إلا أنها أعطت النتيجة نفسها، ونحن نعلم أنه قبل 40.000 سنة فقط، كانت تجوب الأرض أنواع بشرية عديدة، وفي لحظة ما كان يمكن لأولئك الأسلاف أن يندثروا ويفسحوا المجال لغيرهم من الأنواع البشرية في الظهور على مسرح البقاء.

إضافة لما سبق ثمة من يعول على سبل أخرى لاستنساخ ذكاء يضاهي ذكاءنا لمحاربة المركزية البشرية وهو الذكاء الاصطناعي، في الواقع هناك مبالغة في تقدير هذا الذكاء؛ فما إن نفهم طريقة عمل العقول الصناعية حتى يزول سحرها. لكن تبقى المخاوف مبررة، ويظل السؤال حول مدى قدرة الوعي البشري على ابتكار وعي ذاتي يفوقه قدرة.

لا زال هذا الجدل متداولاً الفلاسفة ولم ينتقل بعد إلى العلماء، وأنا أعتقد أن الخوف لازال مبكرًا في هذا الجانب، لكني أخشى من تحول قلمًا يناقش، فنحن نصبح سايبورغ (مزيج بين الإنسان والآلة)، وأخشى أن نتحول لنصبح الروبوتات التي نخشاها! وهناك أمر آخر: نحن نصبح شخصيات رقمية يتم التحكم بها عن بعد!

هل نفقد إنسانيتنا التي هي حصيلة تجارب الطبيعة على مدى 4 بلايين عام؟

إن مصيرنا أصبح أكثر وأكثر بيد أصحاب الأموال والشركات المتصارعة، والتي يرأسها عبثيون لا وزن لديهم إلا لأكداس الدولارات. هؤلاء من يناقشون المستقبل ويقررونه..

اقرأ أيضاً: ذلك اللغز العظيم بسحره.. رحلة عبر الزمن لمعرفة أصل الحياة

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق