مال وأعمال

مصفاة التكرير «سامير».. رهان أمن الطاقة ومصنع الذهب الأسود بالمغرب

كثر الحديث عن أمن الطاقة لدول العالم، وخاصةً الصراع الذي أصبح يعرف بحرب تكسير العظام بين الدول الأكثر إنتاجًا للذهب الأسود في سباق حثيث فيما بينها لبسط نفوذها على سوق النفط الدولية بشكل عام، وعلى وجه التحديد سوق النفط المغربي بالإضافة إلى ما يشهده العالم اليوم من حصار بسبب جائحة كوفيد ـ 19، والذي ساهم بشكل كبير في انكماش الدول على نفسها، فجعل استهلاكها للطاقة ينخفض بشكلٍ أثر سلبًا على السوق العالمية لمستخرجي ومنتجي المواد البترولية، وجعل أثمنة هده المادة ومشتقاتها، تنهار لتصل إلى أدنى مستوياتها عبر التاريخ.

سيدفع انهيار أسعار النفط العالية بمجموعة من الدول التي تعتمد على الواردات البترولية بشكل كبير، إلى التسابق نحو تخزين أكبر كمية ممكنة من الخام ومشتقاته، مما دفع شركة أمريكية مختصة في تتبع عملية تخزين المواد البترولية تدعى “orbital Insight“، تعتمد على تقنية تسمى بتكنولوجيا الظل من الفضاء، لتتبع تحزين النفط ومشتقاته، حول العالم، وقد كشفت هذه الشركة مؤخرًا عن تخزين حوالي 140 مليون برميل خلال شهر أبريل المنصرم، حيث تستحوذ الصين على نسبة مهمة منه.

وبحكم أن المغرب يعتبر من الدول التي تعتمد اليوم على الاستيراد الشبه الكلي للطاقة وخاصة المواد البترولية السائلة، فمن الطبيعي أن تفكر حكومة هذا البلد، في استغلال هذه الفرصة التي انهارت فيها أثمنة المواد المكررة من النفط في الأسواق العالمية، من أجل تقوية أمنها الطاقي، والانعكاس الإيجابي لهذا الانخفاض على المواطن بشكل مباشر، فكيف تعامل المغرب مع الانهيار العالمي لسوق النفط ومشتقاته؟

في الواقع، لم يستفد سوق النفط المغربي من هذا الانهيار، سوى انخفاض طفيف شمل ثمن المحروقات، ما لبث أن يعود إلى الارتفاع مجددًا، في ظل بداية عودة الانتعاش للسوق الدولية لهذه المواد، بالإضافة إلى مشروع تقدمت به الحكومة لاستغلال خزنات الشركة المغربية لصناعة التكرير المعروفة اختصارًا بـ”سامير” والتي تخضع حاليًا للتصفية القضائية، بحسب ما أفصح عنه وزير الطاقة والمعادن والبيئة، السيد عزيز الرباح، في جلسة جمعته مع لجنة البيانات الأساسية للطاقة والمعادن والبيئة بمجلس النواب.

والسؤال المطروح هنا، لماذا لم يستفد المغرب حتى الساعة من انهيار سوق النفط؟

للإجابة عن هذا السؤال، وجب أولًا التعرف على البنية الأساسية للسوق المغربية للطاقة وخاصة الطاقة السائلة.

وبالرجوع إلى ما قبل تحرير سوق النفط المغربي أواخر سنة 2015، كانت الدولة هي المتحكم الوحيد في أسعار المواد البترولية السائلة بالسوق المغربية، الأمر الذي تغير بعد قرار الدولة التخلي عن دعم جميع المواد الطاقية، عدا غاز البوتان، معللةً القرار بارتفاع فاتورة الطاقة، حيث وصلت في سنة 2012 إلى أعلى مستويتها بـ98 مليار درهم، نتيجة ارتفاع ثمن النفط الخام، مما كان له عظيم الأثر على الموازنة العامة لمالية الدولة، وخاصة مخزونها من العملة الصعبة.

ويضاف إلى ذلك، تخلي الدولة عن دعم المواد الطاقية السائلة، حيث توقفت الشركة الوحيدة للتكرير “سامير”، نتيجة ما أصبح يعرف بسوء التسيير الداخلي للشركة، حيث أن مديونيتها ارتفعت بشكل كبير، مما حال دون استمرارها في الإنتاج.

ومع قدوم سنة 2015، أعلنت الشركة بشكل منفرد على لسان مديرها العام، عن التوقف عن الإنتاج، مما دفع الدولة المغربية إلى الاعتماد وبشكل كلي على الاستيراد من الخارج لكل حاجيتها الطاقية السائلة، خاصةً وأن شركة “سامير”، كانت تزود السوق الوطني الداخلي بأكثر من 70 في المئة من استهلاكه من هذه المواد.

فهل الظروف السالفة الذكر، تسمح للدولة في المضي قدمًا نحو مشروع تحرير سوق النفط المغربي ومشتقات البترول؟

بعد ما عرف سوق المحروقات السائلة ارتفاعًا صاروخيًا في أثمنة المشتقات البترولية، ومراكمة الفاعلين الأساسيين في القطاع أرباح ضخمة، أثرت سلبًا على ديناميكية الحركة الاقتصادية الوطنية، مما دفع الحكومة المغربية إلى التوجه لما يعرف بمجلس المنافسة، من أجل تقديم مشروع تسقيف هوامش ربح المحروقات السائلة.

ومن خلال تقرير مجلس المنافسة، المنشور بالجريدة الرسمية، عدد 6830 في 14 نوفمبر 2019، أكد أنه غير معني بالبت في مسألة تحديد هوامش الربح أو حتى تسقيف الأسعار على اعتبار أن هذا الأمر تتحمل فيه الحكومة المسؤولية الكاملة، بل إنه أكد أن الحكومة هي وحدها من يملك السلطة التقديرية لتحديد هوامش الربح، وأن مسألة تسقيف الأسعار ليست سوى حل وقتي، لن يعالج المشكل من أساسه.

واسترسل مجلس المنافسة، في جوابه عن مشروع الحكومة، حيث أوضح في تقريره أن عدم الإعداد الجيد لتحرير السوق الوطنية للمحروقات السائلة، هو السبب الرئيسي في الفوضى التي يعرفها القطاع، ويطرح عاملين أساسيين ساهما في هذه الفوضى، حيث اعتبر أن السياق الوطني كان غير ملائم لتحرير السوق، في إشارة مباشر إلى توقف شركة التكرير الوحيدة بالمغرب عن الإنتاج “سامير”، على اعتبار أن الشركة كانت المزود الأساسي للسوق الوطنية من المواد النفطية المكررة.

وأضاف أن لسامير قدرة تخزينية هائلة تصل إلى أكثر من 50 في المئة من قدرة الاحتياطي الوطني للطاقة، مما يساعد على التوازن الطاقي للبلاد، كما يؤكد التقرير أن وجود معمل للتكرير يخلق نوع من الاستقرار لسوق المواد المكررة من النفط الخام، وبالتالي سوف يضبط إلى حد كبير مجال المنافسة بين الشركات العاملة في هذا القطاع.

ليختتم المجلس تقريره بخلاصة مفادها أن توقف شركة “سامير” عن الإنتاج، مند أواخر 2015، أفقد البلاد التوازن السليم لمفهوم التنافسية في قطاع المحروقات السائلة.

ويؤكد ـ مجلس المنافسة ـ أن العامل الثاني المساهم بالفوضى التي يعرفها سوق النفط المغربي يرجع بالأساس إلى الموروث البنيوي لهذا السوق، خاصة مجال إدارة الأسعار، حيث يؤكد المجلس من خلال تقريره على مؤشرين أساسين ساهما بشكل مباشر في ما حصل ولازال من فوضى سوق المخروقات، وأول المؤشرات هي العوائق القبلية لتحرير السوق، بسبب عدم تكافؤ التنافسية بين الفاعلين الأساسيين في القطاع، وهو راجع بالأساس إلى عدم توازن امتلاك محطات توزيع الوقود، فنجد أن شركة واحدة مثلًا معروفة (ش م ت و) تستحوذ على نسبة 21.9 في المئة من محطات الوقود حيث أنها تشغل 87 محطة بشكل مباشر و 456 بشكل غير مباشر، وقد أكد السيد وزير الطاقة والمعادن والبيئة أن عدد محطات توزيع الوقود بالمغرب وصل إلى 2618 محطة.

أما المؤشر الثاني فيعود الى عوائق ما بعد التحرير، حيث أن مجموعة قليل من الشركات العاملة بالقطاع تحتكر مجال الاستيراد والتخزين، ثم التوزيع، فيما يكتفي البقية إما بالتوزيع فقط، وفي أحسن الأحوال تخزين نسبة قليلة من المواد الطاقية السائلة، هدا التباين في تأثير الفاعلين بسوق المحروقات السائلة، سوف ينعكس سلبًا على القطاع، حيث أننا نجد أن القلة من الشركات السالفة الذكر هي من تتحكم في ثمن السوق.

وبالرجوع إلى المعطيات المتوفرة، نجد أن أربع شركات تستحوذ على أكثر من 70 في المئة من سوق استيراد مادة الغاز والنفط، في حين أن (ش م ت و) تستحوذ لوحدها على نسبة 40 في المئة من استيراد مادة البنزين، علمًا أن عدد الشركات العاملة في مجال توزيع المحروقات وصل إلى 22 شركة من بينها 12 تعمل في مجال الاستيراد.

وجبت الإشارة إلى أن نسبة استهلاك المغرب للمواد البترولية المكررة السائلة ارتفع بنسبة 3 في المئة سنة 2019، بمعدل 11.31 مليون طن.

وفي نفس السياق، نجد أن التفاوت يطال حتى القدرات التخزينية لهذه الشركات، حيث أن الشركة السالفة الذكر المعروفة اختصارًا ب (ش م ت و) تملك نسبة 46.53 في المئة، كمعدل مجموع تخزين المواد السائلة التي يستهلكها المغرب.

وتتوزع على شكل نسب مئوية كالتالي، 28.72 بالنسبة للبنزين، و24.8 للغاز وال، 43.33 لوقود الطائرات، 89.28 لمادة الفيول.

كما أكد تقرير مجلس المنافسة، أنه لا يمكن له التدخل في تحديد الأسعار، معللاً ذلك أن المغرب قد حرر هدا المجال من خلال قانون حرية الأسعار والمنافسة، تاركة المجال للحكومة كي تتحمل مسؤولياتها في هذا الصدد، لكنها تقف عاجزة أمام الفاعلين في هدا القطاع، وتفسح لهم المجال ليحددوا بأنفسهم ثمن البيع للعموم، فكيف يتم حساب سعر اللتر الذي يباع في محطات الوقود؟

ولنفهم أكثر المجال البنيوي لتحديد الأسعار، نستعمل تقنية المقارنة معتمدين على البنية الأساسية التي كانت تعتمد عليها الحكومة قبل تحرير سوق المحروقات، على اعتبار أن هده البنية تقوم على نفس مقومات تحديد الأسعار المعمول بها إلى الآن، والتي تعتمد على ثمن السوق الدولية للمواد الطاقية السائلة، ثم قيمة الدرهم بالدولار، أو ما يعرف بسعر الصرف.

جدول يوضح قيمة ثمن الطن للمواد البترولية بالدرهم المغربي
جدول 3 يوضح قيمة ثمن الطن للمواد البترولية بالدرهم المغربي

وكذلك قيمة الضرائب التي تحتسب على هده المواد قبل البيع مباشرة للمستهلك.

سوق النفط المغربي
جدول 4 يوضح قيمة الضرائب المضافة على ثمن البيع للعموم

وباعتماد نفس تقنية الحساب، على الفترة الممتدة من 25 ماو 2020، إلى 10 يونيو 2020، لمدة 15 يوم، وحسب موقع theice.com المتخصص في تحديد أسعار المواد الطاقية السائلة، والذي يعتمد بدوره على موقع the platts المتخصص في تثمين سوق المحروقات عبر العالم، نحدد ثمن مادة الغازوال (المعتمد في هذه الدراسة)، ودلك لاعتبار أن هذه المادة تعتبر أساسية في السوق المغربي وهي الأكثر استهلاكًا مقارنةً بباقي المحروقات السائلة.

وحدد موقع the platts ثمن طن الغازوال في يوم 25 مايو 2020، بـ 286.75 دولار للطن، وبالرجوع إلى سعر  صرف عملة الدولار مع الدرهم المغربي في نفس الفترة، نجد أن 1 دولار يساوي 9.87 درهم، واعتمادًا على نفس طريقة تركيب بنية الأسعار المحددة من طرف الدولة، بحسب ما جاء في تقرير لجنة الاستطلاع المحدثة من طرف البرلمان المغربي.

نجد أن ثمن اللتر 6.32 درهم، في حين أن الثمن الذي كانت تباع به الغازوال في المحطات يوم 10 يونيو 2020 حسب تطبيق محطتي المعتمد من الوزارة الوصية، هو 7.60 درهم، تماشيَا مع تصريحات أحد العاملين بالقطاع حين سؤاله عن لماذا لم تنزل أسعار المحروقات، رغم انهيار الثمن في الأسواق العالمية، أجاب أن الثمن يحتسب على أساس 15 يومًا، وليس في وقته.

وعليه فإن فرق السعر بين ما يجب عليه أن يكون وما هو قائم يصل إلى 1.25 درهم، فهل هذا منطقي؟ علماً أن الثمن المحتسب (6.32 درهم) يشمل هامش الربح.

نعود لنؤكد تصريحات وزير الطاقة والمعادن، الذي قال إن المغرب خلال سنة 2018 قد استورد 5906.85 ألف طن من مادة الغازوال بمعدل 52 في المئة من المواد الطاقية السائلة المستوردة.

للإشارة فقط، فإن الشركة المغربية التي يملكها رجل أعمال مغربي، والمعروفة اختصارًا بـ“ش م ت و”، تستحوذ على 29 في المئة من واردات سوق النفط المغربي الخاصة بالمشتقات البترولية.

خلاصة القول، على الحكومة المغربية أن تعيد النظر في سياستها تجاه القطاع النفطي، وخاصة أنه يعتبر الوتر الحساس الذي يقوم عليه الاقتصاد الوطني، وفي نفس الوقت الإنصات إلى صوت الخبراء في هذا المجال اللذين يدعون وبشكل قوي، إلى إعادة تشغيل مركب التكرير “سامير”، خاصةً أنه مركب متطور تكنولوجيًا، حسب التصنيف الدولي لمعامل التكرير.

وسوف يعطي إعادة تشغيل “سامير” استقرارًا لسوق المحروقات الذي يعرف فوضى عارمة تضر بمصلحة الوطن عامة والمواطنات والمواطنين بشكل خاص، كما يجب على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها للتصدي لما أصبح يعرف بـ”لوبي الموزعين”، والذي يتحكم بسوق المحروقات بشكل مباشر.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

mohamedabouechcharaf

الإجازة الأساسية في العلوم السياسية و إجازة أساسية في القانون الخاص، شاعر، كاتب عبر موقع 22 عربي، ورئيس جمعية

تعليق واحد

  1. تعطيل لاسامير يخدم مصالح الحيتان العاملون في استيراد الموارد النفطية .لن يشتروها ولن يسمحوا بعودتها الانتاج.

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق