سياسة و تاريخ

مصر خير لا يغيض

على مدار التاريخ الإنساني، قدمت مصر للعالم خيرها وجادت بما عندها، حفظ ذلك من حفظ ونسي من نسى، ومنهم من يتذكر لها الخير، ومنهم من يجحد وينكر، ولكن ستظل مصر كما كانت معطاءة جوادة.

حين سموها أم الدنيا فإنهم لم ينطقوها من فراغ، بل لأنها أم رؤوم لا تنسى أبناءها، وكل الدنيا أبناءها، وحقاً صدق رينان في مقولته: “كل أفراد العالم له وطنان، ومصر وطنه الثاني، إلا المصري فليس له سوى وطن واحد”.

حين أجدبت الأرض وعم الجفاف، وأتت السنين السبع حتى أكلت السمان العجاف، كانت مصر بإذن ربها قد هيأت نفسها للشدة، وأحكمت أمرها بفضل وزيرها الرباني يوسف الصديق، فلما حل البلاء بالأرض قدمت مصر الميرة لمن حولها، وفتحت أبوابها وكانت كما قال الله تعالى: “ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين”.

لما أتى عام الرمادة وجف الزرع والضرع، وحل البلاء ببلاد الحجاز، رفع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عقيرته: “يا عمرو، الله الله يا عمرو، أتحيا ومن معك وأموت ومن معي”، وحين بلغت الرسالة عمرو بن العاص قال: “لبيك لبيك لبيك والله ما أرضى أن أحيا ومن معي وتموت ومن معك، وإني مرسل إليك بقافلة أولها عندك وآخرها عندي”.

حين شعر آل البيت بالظلم والغربة وقل الناصر لهم، اختاروا أن يشرقوا بشمسهم على مصر، وذلك من دون بلاد الدنيا، لعلمهم أن روح أبناء مصر معلقة بحبهم، وتتوسل إلى الله بقربهم وجنابهم، وحين حلت بركتهم علينا ما زلنا نحتفي بهم ونحتفل، وما زالت مقاماتهم ومشاهدهم مزاراً نلتمس بهم العون والبركة، ونعلم أن مصر بهم محروسة ومحفوظة.

حين أقبلت الحملات الصليبة تهدر كما يهدر الجمل، وتزأر زئير السباع لا يقف دونها شيء ولا يمنعها مانع، حتى استولت على بيت المقدس وأقامت أربع إمارات، وقف العالم الإسلامي يبحث عن النصير لمقدسات الإسلام في أرض الله، حتى خرج جند مصر بقيادة صلاح الدين الأيوبي، فرد القدس إلى حماه.

حين أقبلت جحافل التتار كالنار تأكل الهشيم، فلا تبقي وراءها ولا تذر، ومن قام لها أهلكته، ومن أدبر عنها أدركته، فسالت بهم دماء بلاد المسلمين وعم الخراب الديار، قام سيف الدين قطز خطيباً فكان فيما قال: “إن خطايا حريم المسلمين في أعناق المتخلفين”، فغضب المصريون كما يغضب النمر، وانقضوا انقضاض النسر حتى أكلوا التتار في يوم.

وحين خشي على العلم من الضياع بعد أن أباد التتر العلماء وأغرقوا الكتب وأحرقوها، وما كان بين ضياع التراث الإسلامي قليل ولا كثير، حتى انتفض للعلم حكام مصر من المماليك العظام، ففتحوا أبواب مصر للعلماء وأكرموا وفادتهم، ووقفوا الأزهر لإعادة نشر التراث الإسلامي، ولا زال الأزهر قبلة العلم في بلاد المسلمين.

حين تفرق عقد الأمة وانحل رباطها، وغدت بلا خليفة ولا إمام، فتحت مصر بابها للخليفة العباسي وكانت القاهرة حاضرة الخلافة الإسلامية زهاء قرنين من الزمن.

حين خرجت الحركة الوهابية وحملت السلاح على المسلمين، وأخافت الحاضر والباد، وأرغمت العامة والخاصة على العمل برأيها وحاربت من خالفها، وتوغلت في بلاد الحجاز والعراق، ودخلت النجف الأشرف وأمعنت فيهم القتل.

وحين عظم الكرب واشتد الأمر حتى منع الحج إلى بيت الله تعالى وتعطلت الشعيرة، استنجد الخليفة العثماني بواليه على العراق فعجز عن التصدي لها، ثم استعانت بواليها على الشام فعجز، فاستنجد بأهل النجدة في مصر، فاعتبر أهل مصر أن نجدة الحرمين حرب مقدسة، ترخص في سبيلها الأموال والأولاد والدماء.

وفي أيام ثورة اليونان لم يجد الخليفة العثماني بداً من الاستعانة بقوات مصر، فخرج الجيش المصري ليضرب أعظم المثل في الصبر والثبات على أرض أوروبا، ثم لما كانت حرب القرم وقف الجندي المصري مدافعًا عن أرض الخلافة وبلاد الإسلام.

ولو لم يتآمر الخليفة العثماني على محمد علي باشا وبنيه من بعده، لكانت مصر سندًا له وقوة وذخرًا في الحرب العالمية الأولى، ولكنهم كسروا شوكتها وتآمروا عليها وجردوها من سلاحها، فغدت بلا سيف ولا درع فوقعت فريسة للذئاب والكلاب.

ولا زال النيل يجري والخير يفيض يسقي أرضنا وأرضًا غير أرضنا، ومع الأزمات التي تمر بها مصر بين الحين والحين، إلا أنها لا تنسى واجبها نحو إخوانها، فتمد يد العون إليهم حتى بلا طلب.

ففي الثورات ضد الحكم الأوروبي، مدت مصر يدها لإخوانها العرب والمسلمين، وكانت خير سند للجميع، حتى ذهب السلاح المصري إلى بلاد إندونيسا لمقاومة المحتل الهولندي.

وحين احتلت الكويت وتركها أهلوها، سل التاريخ من حررها ومن أعادها، ومن بذل دمه في سبيل إخوانه ليرد كيد المغير، بل ومن قبل ذلك من أرسل وفود العلماء على نفقة بلده إلى إخوانه لينفض عنهم جهلهم، ولينشئ لهم علمًا وإدارة وكوادر تدير البلاد، إن سألت لأجابك التاريخ: إنها مصر.

هذه مصر كما قال إمام الدعاة الشعراوي قدس الله روحه: “هذه مصر وستبقى مصر رغم أنف كل حاقد او حاسد او مدفوعا من هنا أو خارج هنا”.

مصر التي إن تاجر الغير بقضايا اللاجئين أو اعتبرهم عالة على وطنه، أو طلب ثمنًا لاستضافتهم، فمصر لا تعتبر إخوانها لاجئين، بل تفتح لهم الذراع والباع، وتفتح لهم بيوتها ويتقاسمون معهم العيش في بلاد الله وأرض الله مصر، بلا متاجرة ولا مزايدة، بل تقدم هذا سهلاً رخيصاً وحباً وكرامة.

مصر إن عددنا أفضالها كَلّ اللسان، ومع ذلك لم يستطع البعض أن ينال مقامها أو أن يبلغ قدراً من قدرها، فراح يفتل لها بين الحبل والغارب، ويزرع الفتن هنا وهناك، ويحبك المؤامرات، ويحفر لها من تحتها، متخيلًا أن بناء مصر سهل أن يقود، وما علم أن بناء مصر يضرب بجذوره كالجبل في أعماق التاريخ.

مصر التي قدمت الخير ومدت يد السلام وما عادت أحداً كائنًا من كان، إلا أن يكون مغيراً، مصر هذه ستمد ثانية وثالثة وعشرًا وألفاً أياديها بالخير لغيرها، وستنسى خطايا الغير، فالكبير كبير، ومصر كبيرة قامة ومقاماً.

لا يغرن هؤلاء كثرة المال وعظيم الرياش، فغداً ستجف منابعهم ويفنى على موائد القمار مالهم، ويعود الحافي كما كان حافيًا يطلب النوال، وعالى الأصل لا يشيح بوجه ولا يعرض بجنبه، بل يعود النوال كما كان.

وحفظ الله مصر ببركة آل البيت والصحب الكرام، وسائر بلاد المسلمين وردنا إليه مرداً جميلاً، وهدانا إلى الوحدة وألف بين قلوبنا.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

سعيد عبدالخالق طه

عضو المركز الإسلامي المصري بدار السلام تنزانيا ليسانس اللغة العربية جامعة الأزهر عضو المركز الإسلامي المصري بتزانيا أؤمن أن لشريعتنا الإسلامية فلسفة لا بد أن تدرك نقدم رؤية لا أكثر

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق