مدونات

مصر.. الموت ضيفها!!

عاصرت مصر الأيام الماضية كارثة مدوية. كارثة يعجز اللسان عن توصيفها، كارثة لم يغفل عنها العالم أجمع لبشاعتها وشدتها، وهي انفجار قطار محطة مصر. أسفر عنه الكثير من الوفيات والإصابات المزمنة. كان مشهدا أبشع ما يكون، وماهو الأصعب من الموت حرقا؟ تصدر هذا المشهد أمام أعين المصريين، وانهمرت الدموع سيلا لبشاعته، ومشاهدة الضحايا والنار تلتهم أجسادهم، وهم لا يعرفون أين المفر! من المغيث! شاهدناهم يتخبطون على الأرض حتى إحترقوا وتفحمت أجسادهم. كانت دقائق قليلة ولكن أثرها مؤلم وعميق.

عم الحزن البيوت المصرية، والقلب انفطر على ضحايا الحادث. كانت حقا أيام مريرة جدا كغمامة سوداء أحاطت سمائنا الزرقاء.

قطار

انهالت علينا الأخبار الحزينة. تابعناها بحسرة وألم. بدأ الكشف عن هوية الضحايا والمصابين وأسرع المصريون في مشهدٍ أروع ما يكون للمستشفيات. طوابير مزدحمة متراصة للتبرع بالدم للضحايا، كذلك لم نغفل عن تعاطف الدول العربية معنا ومؤازرتهم لنا، وصلاة الغائب في المسجد الأقصى، والكثير من التعازي العربية .                                                قطار

كثرت الأقاويل والتعليقات عن الحادث وأسبابه. البعض ألحقها بإهمال السائق، ومؤسسة سكك الحديد المصرية التي تم إنشائها منذ عام 1834 ونستخدمها ذاتها دون تجديد أو تغيير حتى عامنا هذا !!! والتي تعاني من خلل في منظومة الصيانة وتداعيات إهمال أصابها على مدى عقود فاتت. مما يجعل مشهد حوادثها يتكرر كثيرا مثل (حادث قطار الصعيد، حادث قطار العياط 2009، حادث الفيوم، حادث قطار دهشور، حادث قطار منفلوط، والآن إنضم إليهم حادث انحدار قطار في محطة رمسيس فبراير 2019).قطار

أشيرت أيضا أصابع الاتهام نحو دائرة أكبر. وهي إهمال وفساد فئة ليست بالقليلة من الشعب المصري، من غاب ضميرهم وأفسدوا في الأرض وإستحلوا ما حرمه الله. فشاع الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، وانتشر بسببهم الظلم والجهل والمرض. واستنسخوا من مثيلهم قوما متراصون معنا كتفا بكتف لديهم من الحجة مايكفي لإستكمال جرائمهم دون شفقة أو مراجعة للنفس، أو الإنصياع لصرخات الضمير. كما لو كانوا قد ذبحوا النفس اللوامة وكمموا الضمير. نسوا الله وكانوا ترسا من تروس الفساد والظلم والظلام.

تعددت التفسيرات، وكثرت أصابع الإتهام في كل حدب وصوب وبين كل تلك المناقشات البالية تسرب إحساس لا يستهان به داخل نفوس المصريين. إحساس أكثر خطورة وألما من إحساس الإحباط  واليأس، والمستقبل المظلم، وموت الحماس وعجز طاقة الشباب والغربة داخل أحضان الوطن الحبيب، إحساس لا نستطيع أن نتعايش معه، إحساس ملاحق لنا في منامنا.

الكثير منا أصبح اليوم بعد توالي الكوارث، يخرج من بيته ليستكمل مسيرته الطبيعية وحالة الموت تحلق في عقله. نحن نخرج للحياة ونفكر في  طريقة الموت التي سنموت بها في وطننا الحبيب بلد الأمن والأمان !! أسيكون غرقا في عبارة أم سيكون انفجارا للطائرة، أم سيكون تحت عربات قطار أم حرقا كالحادث السابق. أم داخل جدران منزلك بعد إنهيار عقار فاسد، أم نتيجة لمرض مزمن من بين كل تلك الأمراض المتفشية في مصر. أم رميا بطلقات نارية، أم إعدام، أم تفجيرات علي الحدود بيد إرهابية. ناهيك عن موجة الإكتئاب التي عمت نفوس الكثير من الشباب، والتي جعلتهم  كالأموات وهم أحياء.

نحن وصلنا للحد الذي نرتجي فيه كيفية الموت، فنتمنى الموت الرحيم داخل أحضان ذوينا وما أبشعها من حالة تعم نفوسنا. بدلا من أن نرتجي مستقبلا مشرقا وحياة كريمة وتحقيق طموح، أصبح ما يشغلنا وما ندعي الله به هو موت رحيم. ما أبشعه من شعور. فقدنا إحساس الأمن و الأمان في وطننا؛ فلم تعد مصر درع يحمي مواطنيها بل كفن يلتف بنا.

وبعدها هل هناك نهاية؟ هل سيستفيق الضمير؟ هل سينتهي الإهمال والجهل والظلم؟ هل هناك مفر أم أننا سنكمل مشاهدة الضحايا حولنا الواحد تلو الأخر وننتظر دورنا القادم؟

ليس أمامنا سوى الإنتظار. سواء النجاة، أو مصير لم يكن في الحسبان. أعان الله القلة من الشعب المصري على نكبات الدهر وألهمنا الصبر على تحمل كل تلك الأهوال وألهم أهالي الضحايا الصبر والسلوان على تحمل هذه المصيبة.                        قطار

إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا. إنا لله وإنا إليه راجعون. أسكن الله ضحايا الحادث فسيح جناته.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق