سياسة وتاريخ

مصر «أم الخطايا» و«الاحتلال الجميل».. دعاة الشعوبية يكذبون كما يتنفسون

أن تنتقد بموضوعية مجردة منزهة عن الشبهات، تبحث عن الأفضل بصدق وموضوعية ونزاهة في قضية عادلة، فأنت مصلح بلا شك. ولكن الشعوبية أن تلعب دور المصلح، وتمارس النقد لمجرد النقد، أو الإعلاء من شأن الآخر بشكل مبالغ ومغلوط.

وعندما تحط من انتمائك بمفهومه الواسع على حساب الحقيقة، وعلى حساب العرق والقومية والوطنية والدين والثقافة بقناع النقد أو الانبهار، تحركك الأهواء والمصالح والانتماءات السياسية والثقافية والدينية بل والشخصية.. إلخ. فأنت شعوبي.

ربما كان رأفت الهجان وهو يقدم تقريره إلى ضابط المخابرات المصري عن الشخصيات الإسرائيلية المرشحة لضمها إلى شبكة التجسس لصالح مصر، يعتقد أن سيرينا أهارونى (تهاني راشد) صديقته ذات الأصول المصرية والتي كانت أكثر شخصية حانقة وساخطة على الأوضاع السياسية في إسرائيل وحكم جنرالات الجيش الإسرائيلي إلى حد وصفها لهم بـ”العصابة” التي تحكم إسرائيل، ستكون أبرز المرشحات لضمها إلى شبكة التجسس لصالح مصر.

ولكن صُدم الهجان عندما أخبره ضابط المخابرات المصري أن سيرينا تحديدًا لا تصلح للتجسس على بلدها إسرائيل لسبب بسيط أنها  تحب بلدها، ولهذا تنتقد الأوضاع بحثًا عن الأفضل، أما الصيد السهل بالنسبة لنا فمن بين المنافقين، لأن هؤلاء يحبون أنفسهم فقط.

دعك من المصطلحات التي يخترعونها ويصدرونها لك على القنوات الفضائية أو على مواقع التواصل الاجتماعي؛ معاداة السامية، التنمر، العنصرية، التعصب ..إلخ. فأنت مجرد مستهلك وبغبغان. فما تلك المصطلحات إلا فروع وروافد ذات أصل قديم جدًا اسمه الشعوبية بمختلف صورها.

والشعوبية مشتقة من كلمة شعب، وحين يصير هناك تمييز بين شعب وشعب، بين العرب أنفسهم أو المسلمين وبعضهم البعض،  بين السابق واللاحق منهم، ويأخذ التمييز منحنى حتمي، فيسعى البعض التصعيد بحثًا عن المساواة والعدالة فلا يجدون غير النبذ والتهميش والاضطهاد والتعالي والغطرسة والتمييز في الحقوق والواجبات والمكانة على على أساس ديني، ثقافي، عرقي من الطرف الآخر، فيصعدون إلى الحط والتحقير من قدر الآخر والتقليل من شأن أي آخر غير العرب والإسلام نفسه.

قتل عمر بن الخطاب أول تجسيد لحركة الشعوبية

تاريخيًا، سيقولون لك أن الشعوبية حركة ظهرت منذ 13 قرنًا تقريبًا في العصر الأموي نتيجة غطرسة وتعالي وغرور بني أمية – مؤسسو الدولة الأموية، ذو الأصل القرشي الرفيع – على ما عداهم من الشعوب اللاحقة سواء على العرب أو الإسلام على حد سواء.

تحولت تدريجيًا من حركة تطالب بالتسوية بين المسلمين جميعًا بغض النظر عن السابق واللاحق جنساً عرقاً ولوناً فيهم في الدخول إلى الإسلام أو من كان ذو أصل عربي ووافد على العرب أو الإسلام  من العجم، فرس، روم ..إلخ. إلى حركة تفضيل العجم على العرب أو بمعنى أخر الحط من قدر العرب لحساب ما عداهم عند المقارنة بين العرب والشعوب الأخرى أي بذات السلاح الذي رفض في البداية التسوية والمساواة بين الجميع.

وتأسيس الشعوبية كان في عهد الخلافة الأموية ثم تأصلت في العهد العباسي الذين ينتمون إلى أهل بيت الرسول ومن عاصرهم. أكانت حركة قومية ثقافية اجتماعية فقط تنادي بالعدل والمساواة وترفع شعار (لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى)؟ ربما ولكن هناك من تنبأ قديماً أن تتحول إلى حركة سياسية وقد صدق بل أصبحت حركة شاملة دينيًا وسياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا وفنيًا واجتماعيًا وأدبيًا، نعيشها الآن في أحط صورها وأشكالها ووسائلها.

ورغم  صك مصطلح “الشعوبية” في العصر الأموي وتأصيله في العصر العباسي إلا أنه في الحقيقة اختراع المصطلحات لا يأتي فجأة، فلابد من ظواهر وشواهد ونماذج ومفاهيم تتشكل وتتبلور حتى تفرض نفسها نمطًا مؤثرًا حاضرًا معلمًا لثقافة تملك بعض الصوت والحضور لتعلن عن نفسها ثم تصطك مصطلحًا معبرًا ومفسرًا لها.

والاختراع نفسه حين يصلك في شكل نهائي لابد أن تسبقه تجارب طويلة. فلابد أن له تاريخ وشواهد ومعالم سابقة، ثم تبلور في النهاية مفهوم ثم تم صكه مصطلحًا في العصر الأموي. فالمادة لا تسبق الفكرة هنا، والدخان لا يسبق النار، فمن بدأ الشرارة الأولى للنار تمهيدًا ثم اشتعالًا ثم استواءً ثم دخانًا؛ مراحل ومراحل يذهب من يذهب.

من إرهاصات كلمة الشعوبية اغتيال الخليفة عمر بن الخطاب على يد أبو لؤلؤة المجوسي الفارسي الذي ذهب الإسلام وفتوحاته بملكهم – ملك الفرس (الدولة الساسانية)، وبعد أن كان الفرس  قبل الإسلام القوة العظمى قطب الشرق في هذا العالم لا ينازعهم إلا قطب الغرب الروم (الإفرنج)، ذهبت الفتوحات الإسلامية بملكهم وإمبراطورياتهم العظمى وبلاد فارس، وتساووا مع العرب (بدو الصحراء) وطن وقوم ودينًا ونبوة بل صاروا في منزلة أقل منهم انتماءً للدين وطنًا وقوماً.

ورغم القاعدة الإسلامية الأصيلة قرآنًا وسنة وعدلًا فى عهد عمر بن الخطاب لم تكن كافية لإطفاء شرر وحرائق العصبيات والانتماءات القومية والعرقية والقبلية وخاصة أن العرب ليس وطن وقوم الإسلام فقط بل تاريخهم قديم فهم أهل الفخر والأنساب والتعالي حتى في ما بين بعضهم البعض في الفخر والهجاء.

أليس قول اليهود إنهم “شعب الله المختار” تجسد الشعوبية الدينية، وتفضيل نسل سام ابن نوح عليه السلام على حام شعوبية عرقية رغم أن الأصل واحد، وقريش على ما عداهم من العرب شعوبية قبلية بالإضافة إلى التفصيلات القبلية الداخلية، والعرب على العجم بالإسلام شعوبية اجتماعية وثقافية ودينية أيضًا، والفرس والروم على العرب شعوبية حضرية وحضارية، والآن الغرب على ما عداهم عربًا كانوا أو دول ما يسمونها عالم ثالث.. إلخ.

ومن هذا التاريخ إلى الشعوبيات الحديثة التي تخطت كونها حركة اجتماعية وثقافية، فلقد أصبح هذا المفهوم بدائيًا إذ أن الشعوبيات الحديثة اتسعت وشملت مشتقات لا حصر لها.

ولكن المثير للسخرية أن الشعوبية التي بدأ مفهومها من السعي إلى التسوية والعدالة بين كل من كان أو صار عربي أو مسلم سابقًا ولاحقًا على أساس عرقي وديني وثقافي واجتماعي ثم ارتفع سقف المطالب إلى النقيض من تقليل وتحقير والحط من قدر العرب في كل شيء وتحويل أي فضائل لهم إلى نواقص بل وإعلاء من شأن ما عداهم حقًا أو باطلًا. صارت الآن بين من يعيشون بين  ضفتي الوطن العربي من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر، ليس على حساب العرب فقط بل على حساب الانتماء العرقي والثقافي والديني والسياسي والقومي، ليس فيما بينهم فقط بل بما له امتداد خارج الوطن العربي نفسه.

جنة ملكية فاروق التى دفنها «أشرار يوليو 52»

ربما صدمتك على موقع التواصل “الفيس بوك” منشورات عاطفية العنوان، وساذجة العرض، سطحية شكلًا لا موضوعًا، مناظر وليس قصصًا، مكياجاً وليس طبيعية، تمجد وتتباكى على الملكية فى مصر.

وتقرأ عبارات مثيرة للدهشة عن الملك فاروق تحديداً كأنك تقرأها لأول مرة أو تبدو لك كتصحيح عن معلومات مغلوطة أو ربما تأكيد لمعلومة قد سمعتها من قبل تكون قد قرأتها عنواناً عابراً على موقع إلكتروني أو سمعتها مجملة لا تفصيلاً في قنوات فضائية.

اقرأ أيضًا: «الزمن الجميل» لم يكن كذلك.. مصر الملكية الجنة الخادعة التي فضحتها الثورة

هذه المعلومات في الغالب تكون عنوانًا فقط دون تفاصيل موجزة لا مفصلة أشبه بـ”تيك أوى، دليفري”. معلومة السندوتش تبهر فقط القارئ المتلقي الملول، ضيق الصدر والأفق، ضعيف الثقافة والذاكرة، القارئ السطحي، وكل من اختصر معارفه ومعلومته وثقافته على منشورات “الفيس بوك” باعتبارها دائرة المعلومات الإلكترونية المقدسة.

فتقرأ مثلًا “وآسفاه على مصر الملكية فى عهد فاروق الذي أوهمونا أنه كان فاسدًا وكانت إنجلترا مديونية لمصر فى عصره”، و”واحسرتاه على التاكسي المصري الذي كان من طراز كاد يلاك”، و”الموضة التي كانت تنزل فى مصر قبل باريس”، و”أين ذهب ذلك الحلاق الإيطالي والبواب السوداني والجزار التركي والمدرس الفرنساوي”، و”المصري الذي كان شيكًا وباشا”، و”أين الملك الذي لم يبع شبرًا من أرض مصر، والذي كان يبكي عند سماع القرآن، أين نصير الفلاحين الذي عندما علم أن الباشاوات يأخذون الأراضي من الفلاحين فجعلهم ملاكًا ووزعت فدادين من الأراضي على جميع الفلاحين”، و”أين القاهرة التي حصلت عام 1925 على أجمل مدينة في العالم”.

مصر أم الخطايا ….من ابن الجناينى الفاشل لنعمة اليهود لأيام الملكية والاحتلال الجميل

أن تقرأ هذا على صفحة أو جروب دراويش الملكية أو الملك فاروق، فربما يكون هذا بديهيًا، فليس من المنطق أن تسلب الناس أهوائهم وأمزجتهم وحرياتهم الفكرية أو تجبرهم على قراءة التاريخ من وجهة نظرك وثقافتك ومصادرك، بغض النظر عن صواب وخطأ ما قالوه في مدح الملك فاروق والتحسر على أيامه الخوالي.

وليس من حقك أن توقظهم من مخدرهم وسكرهم ونشوتهم بملكيته السعيدة حتى لو كان بمنطق قلب الحقائق وكم المعلومات المغلوطة أو قرأوا التاريخ بمنطق (لا تقربوا الصلاة) أو (ويل للمصليين) ثم صمتوا.

فليس وحدهم بالطبع، فللأنظمة الملكية عامة محبين ومريدين وعشاق في جميع أنحاء العالم، ولكن من لم يكن لهم نصيبًا من دراويش الملكية في مصر قلبًا وقالبًا. لماذا الآن يشاركون وينشرون هذا  على صفحات الجروبات المختلفة ويتشيعون ويدافعون ويتحسرون على الملك فاروق كما لو كانوا من معاصريه من بشوات وبكوات وإقطاعيين وبرجوازيه وأحزاب أو قرأوا التاريخ بحيادية وموضوعية وأجروا دراسات مقارنه ومنصفة ثم وقعوا بعدها في غرام الملكية.

لسنا بصدد تشريح عصر الملك فاروق أو تفنيد تلك المزاعم العاطفية عن عصره وإن كان سيبقى الرجل وتبقى الملكية جزء لا يتجزأ من تاريخ مصر لها مالها وعليها ما عليها.

إن إجابتك على أسئلة بسيطة وسهلة قد تكون مفتاحك للفهم في نظرك إلى الصورة الأبعد وليس الأقرب في البحث عن الوجه الحقيقي خلف القناع المزيف، فمن العبث والسذاجة أن تحاول فهم حاضرًا دون الرجوع إلى ماضيه وأصله أو إغفال لاحقه وتوابعه ومستجداته.

“عدو عدوي صديقي”، هذا هو مفتاحك لفهم أسرار التباكي على ملكية فاروق وربما لفهم الشعوبية بمعناها المعاصر، أن ترفع وتبالغ في ماضٍ على حساب الحاضر وتمجد فى عصرٍ ليس حقيقة أو قناعةٍ وإنما للحط من قدر وشأن عصر آخر حتى لو كان هذا بشكل مبالغ ويلوي ذرائع الحقائق وتزييف التاريخ.

فمن هم خصوم الملكية، ملكية فاروق، وهل هناك خصم أشد ضراوة وأكثر ثقلًا على الملك فاروق والعائلة الملكية من الضباط الأحرار وثورة يوليو 1952 التي أنهت ثلاثين عامًا من ملكية فؤاد الأب وفاروق الابن عزلًا ونفيًا وطردًا، ودفنت ميراث ولاية أسرة محمد علي العثمانية التي امتدت 148 عاماً بإعلان الجمهورية عام 1953.

وإذا كان الضباط الأحرار في أدبيات خصوم ثورة يوليو هم خصوم الملك فاروق وملكيته، فمن خصوم الضباط الأحرار وثوار يوليو  1952؟

ربما كل من ثورة يوليو 1952 نكبة عليهم؛ الإقطاعيين، البرجوازيين (كبار الملاك)، الأمراء، الباشاوات، البكوات بأوضاعهم الطبقية، أصحاب رؤوس الأموال الأجنبية في مصر أثناء الملكية بأوضاعهم الخاصة وامتيازاتهم الاستثنائية. ولكن هؤلاء كانوا خصومًا غير مباشرين للثوار يوليو حتى لو انضم إليهم أو هم أنفسهم من صدرت ضددهم قرارات التأميم سنة 1963.

فمن ذلك الذي يتباكى بالمنشورات والصور على الملكية؟ من هم خصوم ثورة يوليو 1952؟ من أعداء حقية جمال عبد الناصر، دعك من مصطلح “حكم العسكر” أو مناظرة الجمهورية بالملكية فأنت تمتدح ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا، وكلها كانت إمبراطوريات وملكية. وما بقى من أثرها الآن ملكية شرفية يملك ولا يحكم وليس كملكية فاروق المختلطة؛ الإنجليز والملك والأحزاب حتى لو بدت عكس ذلك.

إن قرأت منشورات وصور تمجد ملكية فاروق وتحط من قدر الجمهورية في مصر، (جمال عبد الناصر ورفاقه)، والحقبة الناصرية كاملة دون فرز وتنقيح وتمييز ودون موضوعية له ماله وعليه ما عليه، فتتحسس رأسك وفتش عن القول المأثور “عدو عدوي.. صديقي”.

لا ليس دراويش الملكية تاريخًا ومعاصرة ولكن أنظر إلى أبعد من ذلك، بقايا أحزاب قبل الثورة فلا أثر لها يذكر بعد ثورة يوليو وحتى بعد رحيل جمال عبد الناصر، بل مجرد محاولات العودة فى عصر السادات وبعض من الصعود والهبوط أيام الرئيس الأسبق حسني مبارك، بحجة هيمنة الحزب الوطني الديمقراطي.

وبعد رحيل مبارك وهيمنة الحزب الوطني، دهستهم المظاهرات حتى الآن وأظهرت حجمهم الحقيقي؛ كائنات كرتونية، صوتية، إعلامية ليس أكثر.

أنظر أبعد من ذلك، وفتش عن تاريخ جماعة الإخوان المسلمين مع جمال عبد الناصر، خصم الملكية الأول، فتش عن آلاتهم ولجانهم الإعلامية والإلكترونية على الإنترنت وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، دون أن تكون ساذجًا وتعتقد أن الإخوان المسلمين في مصر فقط، بل تنظيم دولي له أنيابه مخالبه وسمومه على مستوى العالم كله.

لذلك لا تتعجب إن استقصيت وراء صاحب المنشور أو الصورة، واعتقدت أنه مصري فقط، بل قد يكون ليبي جزائري فلسطيني يمنى أردني. هل الأمر يتوقف على تمجيد ملكية فاروق والتباكي عليها. هذا مجرد وجه وشكل فقط من أوجه وأشكال الشعوبية تمجيد الخصم لضرب خصمًا آخر.

ملكية فاروق رغم ضربها لجماعة الإخوان أكثر من مرة حلًا للتنظيم وسجنًا واعتقالًا ردًا على جرائمهم إلا أن كان لا زال لهم حضورًا في مصر شدًا وجذبًا مع السلطة، إلا أن جمال عبد الناصر وثورة يوليو هي من سحقتهم سحقًا.

ومع تكرار جرائم الإخوان ومؤامراتهم بشكل أكبر وأشمل، ومنها كانت إشكاليتهم ليس مع جمال عبد الناصر، “حكم العسكر، ثورة يوليو، جمهورية النفي”، بل كل من ترمز له وتعبر عنه رؤوس العناوين السابقة وتندرج تحته، ومن ثم التقليل والحط والتشويه منها، والرفع من قدر وشأن من كل خصوم هذه  الرمزيات.

فالتضخيم من التعددية الفكرية أو آراء سياسية أو شعبية أو ثقافية، وتجميلها نكاية وانتقامًا من هذه الرموز وما تشير إليه فلا مانع من ركوب المزايدة على دراويشهم في الفخر والتمجيد بملكية فاروق نكاية في عبد الناصر الجمهوري.

الشعوبية تزعم «فرصة أوغندا التي ضاعت للأبد تحت التاج المصري»

هل اقتصر الأمر على ذلك؟ لا بل ستجد منشورات عن حدث هام،    عبارة عن خبر في عام 1950 يقول إن “أوغندا تريد الانضمام لمصر والسودان حتى يصبح وادي النيل كله وحدة اقتصادية وسياسية”، وهذا الخبر أعلنه ممثل الباتاكا (شيوخ القبائل في أوغندا) – أي أن أوغندا تريد أن تتحد مع مصر تحت التاج المصري.

ومرفق بالخبر صورة عبارة عن ساعة صنعت للملك فاروق خصيصًا في سويسرا توضح حدود المملكة المصرية تضم السودان وغزة وجزءًا من تشاد وجزءًا من ليبيا إلى جانب مصر، والساعة معروضة في حجرة مخصصة للممتلكات النادرة للملك فاروق بقصر عابدين.

الشعبوية

حين تقرأ هذا الخبر وترى تلك الساعة العجيبة، لا شك أنك ستبهر ويسرح بك الخيال عن عظمة مصر أيام الملك فاروق، ولكن حين تعيد قراءة الخبر بتأني ستكتشف أن ممثل شيوخ القبائل في أوغندا يعلن الخبر من لندن، عاصمة بريطانيا العظمى، أي أن جميع الدول المرسومة في ساعة الملك فاروق كانت واقعة تحت الاحتلال البريطاني.

فأوغندا لم تستقل إلا عام 1962 وتشاد عام 1960 والسودان في عام 1956 وفلسطين لم تستقل حتى الآن وحتى قرار تقسيمها إلى دولة عبرية ودولة فلسطينية كان عام 1947، ورغم استقلال إثيوبيا عام 1944 إلا أن هناك احتلال بريطاني ممتد جنوب السودان في منطقة أوجاديين المتنازع عليها بين الصومال وإثيوبيا.

وبالتالي فإن أكذوبة انضمام أوغندا لمصر في عهد ملكية فاروق هو انضمام تحت الاحتلال تحت حكم من يملك ولا يحكم، فالدولة المصرية هي نفسها خرجت من الخلافة العثمانية شكلًا باحتلال بريطانيا لمصر عام 1882 ثم السودان عام 1899 إلى أن أصبح احتلال مصر شكلًا وموضوعًا بعد اتفاقية سايكس بيكو وتقسيم ميراث الخلافة العثمانية فى الشرق وإفريقيا، ثم استقلال مصر عام 1954 أي بعد انتهاء الملكية.

نجيب باشا ساويرس وابن الجنايني والفول والبصل

يزداد الشعوبية من التنكيل والتسفيه والحط من شأن ثورة يوليو والجمهورية والتسفيه من إنجازاتها لحساب الملكية. كيف أن الملك فاروق الذي اتهموه بالقسوة والسطوة والجبروت وهو من سمح لابن الجنايني وابن حاجب المحكمة بدخول الكلية الحربية، هذا تدليل على عدالة الملك الفاروق العادل.

تناسى دعاة الشعوبية بالطبع أن كثير من مجلس قيادة الثورة يرجع أصولهم إلى أصول برجوازية وذويهم من كبار الملاك والتجار وما عداهم دخل بواسطة من الإقطاعيين والباشاوات والبكوات.

وتعمدت قيادات الجيش استبعاد جمال عبد الناصر نفسه (ابن البوسطجي) في كشف الهيئة بعد نجاحه في جميع الاختبارات؛ لأن والده وكيل بهيئة البريد، ولولا جرأته وإصراره على مقابلة مدير الكلية الحربية، وقدم له الشكوى من التمييز والعنصرية فى اختيار المقبولين، فتعاطف معه وطلب منه التقدم في العام المقبل، وفوجئ بوجود مدير الكلية في لجنة كشف الهيئة وقام بقبوله على الفور استشعارًا منه بوطنية الطالب المصري جمال عبد الناصر وإيمانًا منه بأن الكلية الحربية ليست حكرًا على أصحاب الوسايط والمحسوبية والرشاوى.

اقرأ أيضًا: ثالثهم «آخر الأنبياء» قتله حلم العروبة.. 3 رجال قالوا «لا» لإسرائيل

وأن أخر مثل وزير الدفاع الأسبق عبد الحكيم عامر، كان والده من كبار الأعيان في المنيا بل إن والد محمد نجيب، يوسف نجيب، دخلا كلاهما المدرسة الحربية بواسطة إنجليزية نظراً لتاريخ جده لأمه السوداني وأشقائه المشرف في خدمة الخلافة العثمانية ثم الاحتلال الإنجليزي بعدها.

وعندما تجد مثلًا رجل الأعمال نجيب ساويرس يقول إن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر “ضيع البلد وجاب عاليها واطيها، ودمر الرقعة الزراعية بتقسيمها، وأفلس كل الشركات الناجحة بتأميمها، ودخلنا حرب اليمن وبهدلنا، وفضحنا قدام إسرائيل في ٦٧ بهزيمة منكرة، وسجن كل من طالب بالحريات، غير التعذيب في المعتقلات بحمزة البسيوني وصلاح نصر”.

الشعبوية

هل يمكن أن تفهم ذلك كنقد بناء لمرحلة تاريخية هامة في تاريخ مصر، وأن عبد الناصر الذي ذهبت دولته منذ 50 سنة، ثم يأتي نجيب ساويرس ليقيم تاريخًا بمنتهى الموضوعية والشفافية والنزاهة ويختصر تاريخ الرجل في هذه الجمل الجوفاء الفارغة التي تشبه (كلام الحريم).

وبالطبع ستجد الآلاف الذي سيأتي كلام نجيب على هواهم من خصوم جمال عبد الناصر ليقومون بالنسخ واللصق والمشاركة في منشورات تأييدًا ودفاعًا عن نجيب ساويرس، رغم أن المصريين يعلمون جيدًا من هو جمال عبد الناصر ومن هو نجيب ساويرس.

هذا مثال بسيط على الشعوبية الطبقية الذي قام جمال عبد الناصر بتصفيتها وتأميمها لصالح الشعب بل إن نجيب ساويرس المعروف بفلتات لسانه وتهوره المزاجي في الزج بنفسه في مختلف المجالات وسقطاته التي لا حصر لها، لم يقتصر الأمر على مجاله أو خصومته لقرارات التأميم التي كانت شركة والده واحدة منها في الستينات بل امتدت لتشمل الزراعة والصناعة والعسكرية والحريات، رغم أن نجيب ساويرس كان من أكثر المستفيدين من خصخصة القطاع العام (ميراث جمال عبد الناصر).

ووصلت بجاحة ساويرس إلى إهانته الشعب والعامل المصري والمزايدة عليه، بقوله: “مش بحب الغباوة والجهل أحب أقولك على التقييمات اللي بنقيمها للشعب المصري الآن. الكوالتي بتاعت المواطن المصري في آخر 40 أو 50 سنة نزلت وانحدرت للغاية أنا شايف كده”.

ويضيف رجل الأعمال: “مش أنا مصري لو أخدت عينة عشوائية من ألف واحد لبناني من الشارع وألف واحد مصري وحطيت أوجه مقارنة بينهم أخلاقيًا هتلاقي هيطلع من اللبنانيين 900 واحد أخلاقهم ممتازة ومن المصريين هيطلع 100 بس كويسين”.

ويتابع ساويرس: “المصريون معروفون دلوقتي بالكسل وبيصحوا ياكلوا الفول والبصل عكس اللبناني اللي لو صحيته بدولار هيجري على الشغل فوراً”، في إشارة إلى الوضع الاقتصادي اللبناني المتدهور حالياً.

علمًا بأن نجيب ساويرس وأشقائه من آل ساويرس لم يصنعوا ثروتهم الحقيقية وملياراتهم التي بلغوها إلا بدءًا من الانفلات الاقتصادي والانقلاب على اشتراكية عبد الناصر من منتصف السبعينات ثم بلغت ذروته مع خصخصة قطاع عبد الناصر في التسعينات – أي خلال الـ 40 أو 50 عامًا التي انحدر فيه (الكواليتي) للعامل المصري، على حد تعبيره.

ولا تنسى أن هذه الشعوبية التاريخية والسياسية والطبقية لدى نجيب ساويرس ضد عبد الناصر يزكيها تأميم ممتلكات أسرته في الستينات فقط، بل عليك أن تفهم أنه قال ما قال عن الشعب والعامل المصري في ندوة بلبنان بحضور رجال الأعمال والمال ببيروت.

أي مزايدة على مصر وشعبها وعمالها في لبنان في إشارة لاستبدال العامل المصري بالعامل اللبناني بشركاته، وخاصة أن لبنان تعيش أزمات طاحنة منذ شهور وتزايد البطالة بشكل غير مسبوق وانهيار عملتها الليرة إلى مستويات قياسية، جعلت من لبنان على حافة الانهيار وعلى أبواب ثورة الجياع. ولك أن تفهم مغزى تصريحات ساويرس في لبنان بهذا التوقيت.

دعاة الشعوبية الأيدولوجية: أردوغان «فخر الإسلإم» ومرسي «الشهيد»

قس على ذلك أمثلة كثيرة، وعندما تجد شخص وفق حسابه الشخصي هو من اليمن ويقيم في واشنطن أو تونسي من صفاقس أو جروب جزائري ويمجد في تركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان وينشر صورة لأرودغان مصحوبة بعبارة (عندما تتحدث عن رجب أردوغان فأعلم أنك تقرأ  كتاب بعنوان كيف تصبح رجــًـلاً) أو (الرئيس أردوغان يوجه الحكومة التركية بتوفير راتب شهري لا يقل عن 2000 ليرة تركية ما يعادل 450 دولار وتعليم ورعاية صحية مجانية للأسر الفقيرة والأيتام ابتداء من شهر يوليو 2020) . أو (دعواتكم لقاهر الخونة المتصهينين حثالة العرب أتباع دويلة القذارات) لا بد أنك تصاب بالدهشة.

كاتب تلك المنشورات يمني مقيم في واشنطن كما يدعي، ويروج لرئيس تركيا بكل هذه الدعاية المجانية، وبكل هذا الانبهار؟ بل ومعجب بصفحة الرئيس التركي العربية، ستجد الأمر يحيرك طويلاً ولكن عندما تفك الطلاسم والألغاز وتضع أسئلة بسيطة من الأطراف المتحاربة في اليمن رسميًا حكومة يمنية وطنية يدعمها التحالف العربي (السعودية والإمارات ومصر) من خصومهم الحوثيون المدعومين من إيران الشيعية.

ليس هذا فقط بل من المفارقة أن هناك حزب التجمع اليمني للإصلاح الذراع السياسة لجماعة الإخوان المسلمين في اليمن، يتحالف مع الحوثيين ذو الدعم الشيعي أي سنة الإخوان وشيعية الحوثيين التابعين لإيران الراعية الرسمية للمذهب الشيعي في الوطن العربي والعالم، تركيا الراعية السنية للإخوان المسلمين في الوطن العربي والعالم، وثالثهم قطر الراعية الرسمية للإخوان المسلمين في الوطن العربي.

ثم تأتي تركيا بدورها الإقليمى التوسعي تطمع في موطأ قدم في الشرق العربي سواء في اليمن والبحر الأحمر ومضيق باب المندب من أسفل جنوبًا إلى الخليج العربي وسوريا والعراق شمالًا، والعالم العربي في إفريقيا من ليبيا شمالًا إلى الصومال جنوبًا.

هنا فقط يمكن أن تفهم الشعوبية المتمثلة في التمجيد والترويج للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس حزب حزب العدالة والتنمية، أهم فروع جماعة الإخوان المسلمين الآن ليس في أوروبا بل في العالم بعد ضرب معقل رأس التنظيم الأم في مصر والرفع من شأنه والترويج له باعتباره خليفة المسلمين المنتظر على حساب الوطن الأصغر  اليمن والوطن الأكبر الوطن العربي.

وعلى نفس المنهج قد تجد مواطن صفاقسي من تونس يتبارى في التمجيد فيما يتعلق في الشأن الليبي، فالإخوان في خندق حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج، ضد قوات قائد الجيش الليبي خليفة حفتر، وعليه فكل من يقف مع حكومة الوفاق هو الصواب حتى لو كان تركيا لا ينتمي إلى العرب أو العروبة في شيء، وكل من يقف في خندق قوات الجيش الليبي بقيادة حفتر خونة.

وعندما تتصفح الحساب الشخصي لهذا التونسي لا مانع من أن تجد تأييدًا ودعمًا وانبهارًا ليس بالرئيس التركي داعم الإخوان الأكبر وحكومة الوفاق، بل لكل ما هو إخواني وضد مصر.

تجد في صور صفحته صورة الرئيس الإخوانى الأسبق محمد مرسي مرفوعة في جلسة البرلمان التونسي مكتوب عليه “رحم الله الرئيس الشهيد محمد مرسي .. تبقى الأسود أسودًا”.

أصبح مرسى “شهيدًا” وكان “أسدًا”! متى؟ أين؟ كيف؟ لا تسأل، أليس حزب النهضة فرع الإخوان المسلمين في تونس صاحب الأغلبية فى الانتخابات البرلمانية السابقة، أليس راشد الغنوشي زعيم الإخوان في تونس رئيس البرلمان التونسي الآن وسبقه نائبه عبد الفتاح مورو نائب رئيس حزب النهضة، وهلم جر.

وإلى جروب جزائري، على سبيل المثال تركوا مشاكلهم الداخلية والإقليمية ولا يكفوا عن التمجيد ونظم المراثي في الرئيس محمد مرسي باعتباره “شهيدًا ضحية لحكم العسكر الانقلابي في مصر”. وبناء عليه ذم كل ما هو مصري وتناسوا تاريخهم الذي يحاكي مصر تاريخيًا بدء من  عزل هواري بومدين وزير الدفاع في منتصف الستينات، رفيقه أحمد بن بيلا أول رئيس للجزائر بعد الاستقلال.

تجاهلوا أن جبهة الإنقاذ الإسلامية بقيادة عباس مدني ونائبه الإخواني علي بلحاج فازت في الانتخابات التشريعية في نهاية 1991 ثم قام الجيش نفسه بإلغاء الانتخابات ودخلت الجزائر في صدامات مسلحة إرهابية مروعة بين الجيش وجبهة الإنقاذ عشر سنوات سميت بالعشرية السوداء.

وقِبل الجزائريون برئاسة عبد العزيز بوتفليقة عشرين عامًا حتى بعد أن تدهورت حالته الصحية وأصبح يحكم الجزائر آخر 7 سنوات وهو على كرسي متحرك. ورغم أنهم آخر دولة عربية عرفت ما سمى بربيع الثورات العربى بعد 8 سنوات كاملة منذ 2011.

هل هذا يكفي؟، بل تمتد المزايدة على مصر والسخط على كل ما هو مصري فيما يتعلق بفلسطين وقضيتها، وخاصة أن مصر لا تفتح منفذ رفح على مصراعيه للأشقاء الفلسطينيين، وتناسوا مصائب وكوارث حماس ليس دعمًا للإخوان واختراق الحدود في 28 قبل وبعد 28 يناير 2011 بل في مؤامراتهم ضد مصر وتهديداتهم الأمنية سرًا وجهرًا بمرجعيتها الدينية الإخوانية وشق الصف الفلسطيني نفسه؛ حكومتي حماس ورام الله. أم أن الخطايا في مصر طرد الاحتلال الإنجليزى والغزو الفرنسي ونعمة اليهود!.

ومن الشعوبية الطائفية الإسلامية ضد كل من يحاربها أو يناهضها وتعلو من شأنها وشأن كل من يناصر حتى لو كان لا ينتمى إليها لا عرقًا ولا قوميةً ولا وطناً إلى شعوبية أخرى أكثر قبحًا وقذارة تجدها تتقنع وتنتقل إلى حقد دفين ضد الغالبية السكانية من أبناء الوطن الواحد في مصر.

هل يكفي الادعاء الفاجر أن بني دينه أصل مصر وأن العرب المسلمين جاؤوا غزاة محتلين إليها، وكأن ديانته التي لم توجد في مصر إلا في عام 50 ميلاديًا لم يسبقها آلاف السنين من الحقب الفرعونية والفارسية واليونانية والبطلمية والرومانية.

ليس هذا فقط، بل تجده ينشر على “الفيس بوك” منشورًا يقول فيه “بندرس لأولادنا الاحتلال الإنجلیزي البشع، رغم أنه خلا مصر درة التاج البریطاني وبندرسلھم الاحتلال الفرنسي الوحشي، رغم إنھم اكتشفوا حضارة أجدادنا وقدموھا للعالم بكل فخر بس بندرسلھم الغزو البدوي البربري والنھب العثماني اللي نھب حتي خیراتنا البشریة، على أنھم فتح مبین وعایزیننا نتقدم!! جتنا وكسة”.

مصر أم الخطايا ….من ابن الجناينى الفاشل لنعمة اليهود لأيام الملكية والاحتلال الجميل

يعيب كاتب المنشور على تدريسنا للتلاميذ على أن “الغزو البدوي البربري” (الفتح الإسلامي) والنهب العثماني لخيرات مصر  على أنهما (فتح مبين)، بينما نقوم بتدريس الاحتلال البريطاني لمصر على أنه “بشع” رغم أنه جعل “مصر درة التاج البريطاني”، وأن الاحتلال الفرنسي “وحشي” رغم أنه اكتشف حضارة أجدادنا وقدمها للعالم بكل فخر.

كيف يمكن أن تفهم و تحلل هذه الشعوبية من التباكي والرثاء المقنع للاحتلال البريطاني والفرنسي لمصر والذم في كل ما هو عربي أو إسلامي.

وماذا عندما تجد منشور لنفس الشخص يكرر البكاء والحسرة على “اليهود الذي قام الملك فارق بتميزه وتحقيره لهم حالمًا بالخلافة، فطردهم من مصر، وفقدت مصر قوتها العاقلة، بل إن جمال عبد الناصر بكابوسه في أوهام العروبة، قام بالتنكيل بهم وتهجيرهم قسرًا، وأن مصر بما فعله الملك فاروق والرئيس جمال عبد الناصر أفقدوا مصر القوة القادرة (اليهود) على جعلها من أهم دول العالم”، على حد وصف أحد رواد مواقع التواصل.

هل بقى لديك عقل لتستوعب ما سبق، نعم لا شك أنه لا زال لديك بقية عقل. حسنًا لننسف تلك البقية من شخص أخر يتحسر على صورة أسرة يهودية ترحل عن مصر، ويكتب: “من أواخر الأسر المصریة الیھودیة وھي تستعد للرحیل عن مصر 1954 من الإسكندرية بعد البروباجندا الإعلامية الكریھة ضدھم، ذھبوا وذھب معھم التعدد الثقافي الجمیل، وذھب الطلیان، وذھب الیونانیین، وغیرھم من الأقليات ومنھم ریموند شینازي مكتشف السوفالدي الذي یعالج أكباد المصریین الیوم، ذھبوا وبقي خطاب الكراھیة وریاح الصحراء!”.

الشعبوية

ما الوطن العربى إلا سلاحف وفئران.. وأكذوبة رأفت الهجان

إذًا ليست الشعوبية دينية فقط بل عرقية وقومية وسياسية وتاريخية في وقت واحد، وعلى غرار هذا تجد جزائري يكتب منشورًا يقول فيه: “لو منح الكفّار جنسية وإقامة ووظيفة لكلّ العرب لما بقي في هذا الوطن الكبير سوى الفئران والسلاحف والحكومات المفترسة”.

الوطن العربي بكل تاريخه وحضاراته وثقافاته وعلومه ورسالاته السماوية وفنونه وآدابه، يختصره كاتب المنشور السابق، في جنسية وإقامة ووظيفة. والأغرب من ذلك أنه نسى أن “الكفار” كما يسميهم، احتلوا بلده 130 عامًا وأوقعوا مليون شهيد وتعاملوا مع بني وطنه بمنتهى الهمجية والبربرية والدونية والدمار والخراب والقتل، ونهبوا ثرواتهم وخيراتهم، ولا زالوا يعاملون بني وطنه والعرب أنفسهم في فرنسا وأوروبا وأمريكا كإرهابيين وهمج ومواطنين من الدرجة الثانية.

ودون أن يفسر لنا لماذا يهاجر أبناء الدول الأخرى “الكافرة” في العالم دون العرب إلى تلك الدول بحثًا عن إقامة وجنسية ووظيفة؟ فهل صاحب منشور بكل هذه البجاحة والصفاقة والجهل يملك قدرًا من النخوة والخجل والحياء.

وستجد على شاكلة تلك النماذج الشعوبية أشكالًا وألوانًا وألف قناع يعج به “الفيس بوك” و”تويتر” وغيرها سواء منشورات مطولة أو مختصرة وتجد ترحيبًا وصدًا وتفاعلًا لدى السطحيين ثقافةً وفهمًا دون إدراك المغزى الحقيقي وراء تلك المنشورات التي طالت شعوبيتها كل أمور حياتنا.

ووصل الأمر إلى التشكيك في حقيقة الجاسوس المصري الوطني رفعت علي الجمال، المعروف باسم “رأفت الهجان” والترويج على أنه كان جاسوسًا مزدوجًا، وأن الإسرائيليين  اكتشفوا أمره مبكرًا وأخضعوه ليعمل جاسوسًا مزدوجًا.

ويأتي هذا التشكيك والترويج له ليس لإفساد وإفشال نجاح مصري في اختراق إسرائيل، بل لأن رأفت الهجان ينسب نجاحه للمخابرات المصرية في عهد جمال عبد الناصر تحديدًا.

إنها الشعوبية في أحط صورها العمياء، حتى أنت نفسك قد تكون قد عشتها أو تعيشها في مصر؛ عندما تجد مثلًا من يتباهى ويتعالى عليك بأنه ينتمي إلى “الأشراف” حيث أن جذوره ونسبه يرجع لآل بيت محمد – عليه الصلاة والسلام –  فيسمي نفسه “الشريف” فلان. وبالتالي هو أشرف وأكرم نسبًا منك، تأصيلًا للشعوبية الدينية القديمة في العصر الأموي والعباسي.

وهناك من يتفاخر في الصعيد مثلًا على أنه “هواري” ينتمي إلى قبائل “هوارة” مرجعية إلى تاريخ شيخ العرب همام بن يوسف، أمير الصعيد في القرن الثامن عشر الميلادي، الذي قدم دوره الفنان يحيى الفخراني في مسلسل “شيخ العرب همام”، تميزًا وتفرقة بين أهل الصعيد، وتأصيلًا للشعوبية القبلية.

وربما عشت وتعيش الشعوبية الطبقية كما جسدتها الفنانة شويكار مع الفنان فؤاد المهندس، في مسرحية “أنا فين وإنتِ فين”، حينما قال لها البطل:

  • جدك كان كاء الطابيه
  • لا
  • أبوك كان كاء الطابيه
  • لا
  • أمك كان كاء الطابيه
  • لا
  •  تبقي مش من مستوايا

حتى الشعوبية وصلت إلى عالم  الجريمة، كما جاء على لسان الفنان الكبير محمود ياسين، الذي قام بدور (علي الحفني) وهو يتحدث مع ابنه ووريثه مملكته الإجرامية الفنان أحمد السقا بدور (منصور الحفني)  في فيلم “الجزيرة”، حينما قال الأب ناصحًا ولده: “لو بعت حتة سلاح تبقى مجرم، ولو بعت ألف.. تبقى وزير!”.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق