مدونات

مصباح الوطن

في عيون الشمس تبصر الحياة النور، وينقشع الظلام باسم القمر، ومهما تعددت الكلمات لوصف الوطن يظل وزنه أغلى من الذهب، فمن قال للوطن ثمن فقد كذب، فما عشنا إذا لم يعش برقي، لنحيا بحب.
تغنّى الكل عليه، وكتب الشعراء والكتاب عنه، وصلى القلم له، واستشهد الحبر في محبرة دمائه فلمع فأصبحت الكلمات كالرصاص تدوي، فتُحيي العقول بدل أن تتلاعب بالقلوب، فمن منا لا يهزه شعر ”مفدي زكريا” ولا يهزه صوته إذا نطق، من منا لا تتنتفض روحه وتغلي دماؤه ليصبح كيانه في ثورة حين سماع إلياذة الجزائر؟ من منا حين يقرأ لأحمد مطر لا يختلج فؤاده قشعريرة خاطفة تُبكي وطنيته، ومن لا يقف لمحمود درويش حين يتغنى ويثور فيقلب أحاسيسك على عقبها وتتمنى لو تفتدي الوطن بحياتك.
نحن أبناء السلام، وأبناء الكلمات الطاهرة التي تجول في أروقة ثقافتنا، ووطنيتنا، نحن أبناء الثورة المجيدة، والتضحيات العظيمة.
نحن من كتبنا التاريخ، ولازلنا نكتبه بصدق محبتنا للوطن، ولا يزال حراكنا سلميًا حتى اندهش العالم. لا زلت أتذكر ذلك الشيخ ذو اللحية البيضاء في مدينة ”غوفي” الأصيلة بباتنة سؤاله الذي لا تزال ذاكرتي تتفقده بين الفينة و الأخرى، فأصاب الهدف بسهم لفتة الانتباه.
هل استبدلتم الأشخاص في حياتكم بهواتف نقالة؟
سؤاله كان عميقًا جدًا، ربما جعلتنا الميديا بكافة أنواعها مدمنين على هواتفنا، هذا جعلنا نهمل الوصال الحقيقي بيننا، إن الوطن الذي يجمعنا ليس فقط رقعة جغرافية علينا التمسك بها أو المحافظة عليها، فقلوب أحبائنا هي الوطن، عائلتنا وصداقتنا وطن، فنحن مجموعة أوطان تجمعت في وطن واحد.
ألهذه الدرجة أخذنا العالم الافتراضي في فيسبوك وتويتر وانستاغرام، وغيرهم من مواقع التواصل الاجتماعي للعيش حياة وهمية نتخلى فيها عن واقعنا الحقيقي أم أن الواقع أصبح مخيفًا مشبعا بالآلام، والمشاكل والضغوطات فصرنا نهرب إلى وهم نصدقه رغم إدراكنا أنه وهم.
هذا الوهم الذي بمجرد أنه ينسينا ولو بصفة مؤقتة ما نعيشه من مرار لكنه يصدمنا بسرابه الغامض بحلته المزيفة، فنحن رغم وعينا الكامل أنه فضاء افتراضي وهمي ومعظم شخصياته ترتدي أقنعة من كذب تروج لنفسها البطولة وهي في وحل الجبن تغترف، أو هو نقص يريدون إشباعه عبر هذه المواقع.
وإذا كان لا بد من أن نعيش هذه الحياة بصيغتها الجديدة علينا أيضًا أن نعرف كيف نديرها بالطريقة الصحيحة التي تحسن أمورنا، وتمضي بنا الى الأفضل لا أن ترمي انعكاساتها السلبية علينا.
فلتمطر العلاقات الطيبة من جديد، ولنترك الهاتف للأهمية ليس للتفاهة، ولنصنع أنفسنا من طاقة لا نجهدها في استغلال الميديا بشكل خاطئ يضر صحتنا، وحالتنا النفسية بدل أن نصيب استعمالها في أمور توجهنا لمناصب عليا تجعلنا فخرًا وذخرًا لأنفسنا أولًا ولوطننا ثانيًا.
حتى هذه التكنولوجيا الجديدة أصبحت مثلها مثل البحر، الكل يرمي نفسه فيه دون أن يُعلم نفسه قبلها كيف تكون السباحة فمنه من تغرقه التيارات والأمواج ،ومنه من يختنق بمجرد شم النسيم، ومنهم ما يدرك قوانين الجدف فيصل إلى أي ميناء يريده بكل ثقة ليقول هأنذا بكل فخر وعزة.
الحياة حتى بتجاعيدها جميلة لا تحتاج لعمليات تجميل لتلفت انتباهنا. علينا نحن أن ندرك كيف نراها بجميع تقلباتها، و أن نبصر الحقيقة. وكيف نتعامل مع أوضاع فرضت علينا بعقل ورزانة فنحن لسنا أبناء الوطن الذين ولدوا بملعقة الذهب في فمهم نحن ولدنا وعطر الدماء يجول في أروقة المدينة وذاكرتنا متشبعة بما يكفي من سواد وظلم الماضي لذا اتركوا الحاضر يستوعب الحقيقة لينير القدر ما أخفاه يومًا مصباح الجزائر الذي اسمه الشهيد.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

سيلا

الكتابة هي راحة أولئك الذين لا يجيدون الصراخ ... لذلك أنا كاتبة بالفطرة وصحفية من مواليد 1985 متحصلة على ليسانس ادب فرنسي وديبلوم تقني إعلام آلي وتجارب متعددة في التصوير والتنشيط والتدريس و و

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق