ثقافة وفنون

مشكلة الشر عند رائد البرجماتية وليم جيمس

الأصل في نشأة الفلسفة البرجماتية:

إذا أردنا أن نرجع إلى أصل الحركة البرجماتية التي نشأت في أمريكا باسم “البرجماتزم” فلا بد لنا أن نشير إلى مذهب الفيلسوف الأمريكي تشارلز ساندرز بيرس. الذي استعمل هذا الاصطلاح لأول مرة في مقال نشره بأحدى المجلات العلمية تحت عنوان : “كيف نوضح أفكارنا” (١)ويعتبر بيرس أول من أعلن البرجماتزم كمنهج فلسفي. لكن المذهب البرجماتزم ظهر في صورته الواضحة الملامح على يد وليم جيمس، الذي يعتبر مؤسس هذه المدرسة وممثلها الأساسي(٢).

وليم جيمس:

ولد وليم جيمس في نيويورك في ١١ يناير سنة ١٨٤٢ من أسرة عريقة في الثقافة والعلم، إذ كان أبوه هنري جيمس مفكرا أصيلا تتلمذ على “سويدنبرج” “وفوريير” وقد عمل هنري جيمس على تثقيف ابنه، كما اهتم بتزويده بشتى المعارف. وقد بدأ جيمس حياته الجامعية في هارفارد فاهتم بدراسة علم النفس والفلسفة، تحت تأثير بعض مفكري جامعة هارفارد.

بدأ في هارفارد مدرسا لعلم الطبيعة، ثم صرف اهتمامه إلى علم النفس الفبزيائي فكان له الفضل في تأسيس أول معمل سيكولوجي في أمريكا. بعدها تعد اهتمامه إلى الاشتغال بعلم النفس العام. وحينما ظهر مؤلفه الضخم عن “مبادئ علم النفس” سنة ١٨٩٠ في جزأين ذاع صيته، ثم قاده علم النفس إلى الفلسفة، لينصرف بعدها إلى دراسة الكثير من المشاكل الدينية والميتافيزيقية، وظهر له في ذلك إنتاج كبير نذكر من بينه: “إرادة الإعتقاد” سنة ١٨٩٧، وكتاب “أنحاء من التجربة الدينية” سنة ١٩٠٢، ثم كتابه المشهور في “الفلسفة العملية” الذي ظهر سنة ١٩٠٧. والعديد من المؤلفات الضخمة.(٣)

وقد كانت لوليم جيمس اتصالات متعددة بالكثير من الفلاسفة المعاصرين، فكانت له مراسلات عديدة مع كل من “رنوفييه” و “برجسون” في فرنسا، و “برادلي” و “بوزانكيت” في انجلترا وغيرهم من الفلاسفة. وقد ظل وليم جيمس أستاذا للفلسفة في هارفارد نحو ١٣ سنة ثم توفي سنة ١٩١٠ بعد أن كانت فلسفته العملية قد ذاعت في أمريكا وأوروبا.(٣)

مشكلة الشر:

يعلن وليم جيمس أنّ مشكلة الشّر مستحيلة الحل على الأساس الميتافيزيقي وإنما يمكن حلها على أساس عملي (٤) فهو يقرر أن مشكلة الشر ليست نظرية تحل بقولنا إن الشر عدم أو نقص أو لا وجود، بل هي عملية لا سبيل إلى حلها إلا على أساس عملي.

فالعالم ليس شراً محضا كما يزعم أنصار التشاؤم، وليس هو خيراً محضا كما يزعم دعاة التفاؤل، بل هو حقيقة مرنة قابلة للتحسن. والتحسن الذي يذهب إليه جيمس لا يعني إستئصال شأفة الشر من جذوره وبشكل مطلق، بل معناه قهر الشر أو التغلب عليه. ف وليم جيمس لم يسأل : ما الشّر وما دلالته؟ وإنما يسأل كيف نتغلّب عليه؟ ولقد تغلّب جيمس على الشر بما قاله في التفاؤل الخلقي : ليس العالم خيراً في ذاته ولا شراً وإنما يصبح خيراً باعتقادنا أن العالم كذلك أو شراً إذا اعتقدنا أنه شر.

يتضح أن التفاؤل الذي يصطحبنا إليه وليم جيمس هو أن الشر حقيقة مرنة قابلة للتحسن. وأن الإرادة والإعتقاد وحدهما لهم السيادة، وحدهما يقرران مصيرنا ، أي متى أردنا عالماً خيرا نعيش فيه خلقناه، ومتى أردنا عالماً شراً خلقناه. ويقول وليم جيمس : “أعتقد أن العالم خير واسلك وفق اعتقادك ستجد أنه خير، لأنك لو اعتقدت أن العالم شرّ وسلكت وفق ذاك الإعتقاد فإنك تخلق بذلك عواطف اليأس والعجز والقنوط وسيصبح العالم شرّاً حقيقيا … إن العالم خير يجب أن نقول ذلك ما دام هو عبارة عمّا نصنعه فيه؟ وسنصنع فيه الخير”.

عكس ما تقول بعض المذاهب المثالية المطلقة التي ترَ أنه ليس للشر وجود حقيقي، نرى وليم جيمس يقرر استحالة التخلص من الشر بصفة مطلقة واستحالة تفسيره أيضاً، فهو يقرر أنه متى أنكرنا وجود الشر، أنكرنا في الآن ذاته وجود الخير أيضاً. (٣). بل الشر والخير حقيقتان متلازمتان. ويقول جيمس أنه يوجد دائماً مع كل طبيعة تفاؤلية أخرى تشاؤمية مناقضة وناقضة لها. وأنه ليس من واجبنا إنكار الشر بل علينا الأعتراف لتسهل علينا مهمة التغلب عليه.

بهذا يقرر جيمس أن مشكلة الشر حقيقة مرنة قابلة للتحسن. والمذهب التحسني الذي يقول به جيمس يقف موقفا وسطا بين مذهبي التفاؤل والتشاؤم، فلا هو يسلم من جهة بأن خلاص الكون من شأفة الشر أمر ضروري، ولا يزعم من جهة أخرى استحالة تحقيق هذا الخلاص. بل أن ما دام هناك إرادات تعمل على إنقاذ العالم، وأن في استطاعة كل فرد أن يقوم بدوره الخاص في عملية إنقاذ العالم، فليس هناك داعٍ لليأس من مصير العالم هذا.

إلياس مولاي النعناع

طالب جامعي في شعبة الفلسفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى