مال وأعمال

أزمة البطالة المقنّعة: ظاهرةٌ تتفشى في العالم العربي ولا حلول في الأفق

في الآونة الأخيرة بدا هناك اهتمام من قِبل المؤسسات الأهلية بتبني برامج لتمكين الخريجين، ودعم المشاريع الصغيرة في العالم العربي؛ نتيجة  لارتفاع نسبة البطالة الظاهرة بين صفوف الخريجين العاطلين عن العمل، فيقدر عدد العاطلين عن العمل في الوطن العربي بحوالي 22 مليون شخص، وما يثير القلق أكثر أن التقديرات الأولية ترجح أن يصل عدد العاطلين عن العمل في البلدان العربية بحلول عام 2025 لحوالي 80 مليون شخص، مستثنيةً من  ذلك شريحة لا يستهان بها من المتضررين والضارين  بالاقتصاد العربي، بفعل أزمة البطالة المقنعة الناجمة عن وجود أعداد كبيرة من العاملين في المؤسسة دون الحاجة الغعلية لهم.

فما دواعي ظهور أزمة البطالة المقنعة إلى جانب مشكلة البطالة الظاهرة -السافرة-؟

الجواب: ظناً من الجهات المسؤولة أن زيادة القدرة الاستيعابية في مناطق العمل ستخفف من مساوئ نسب البطالة الظاهرة، غير أن الحقيقة عكس ذلك؛لأن ذلك يقلل من حماس واندفاع الموظفين نحو العمل، وبالتالي تقل الإنتاجية التي تقل معها نسبة الأرباح الكلية للشركة أو المؤسسة، ما يشكل خطراً على استمرارية وجودها.

وكذلك وجود ثغرات في نظام التسريح أو حتى التقاعد المبكر، حيث أن المشاعر العاطفية نحو الموظفين ضعيفي الإنتاجية تتغلب على المشاعر المنطقية، ويلجأ أرباب العمل إلى إبقائهم في المهنة، مع تعيين غيرهم لتعويض النقص في الكفاءات.

غير أن مشكلة تدني الأجور تلعب دوراً مهماُ في تفشي أزمة البطالة المقنعة، من ناحية اضطرار الموظف للعمل في أكثر من وظيفة للحصول على الراتب المرغوب فيه، على حساب وقته الذي يستنزف منه مجهودا يعيق أدائه لوظائفه بالشكل المطلوب.

ولم تكن هذه العوامل والأسباب لتكون إلاّ لغياب قانون واضح المعالم والسياسات يمنع مظاهر التحايل على القانون، التي تسمح بتعيين موظفين بنظام عقد أو دوام جزئي بنظام الواسطة والمحسوبية، إرضاءً لطلبات المعارف والأصدقاء.

بعد وضوح الصورة أكثر عن دواعي ظهور البطالة المقنعة.. يبقى السؤال من المسؤول عن كل تلك التداعيات والأسباب؟

يلجأ الكثيرون إلى إلقاء اللوم على الدولة في أزمة تفشي ظاهرة البطالة المقنعة، أو ما يعرف باسم بطالة الموظفين، إلاّ أن الأطراف المتسببة في الظاهرة تلك كثيرة، يأتي في مقدمتها وزارات البحث والتخطيط في مختلف البلاد العربية، التي في الأعم الأغلب تكون مقصرة عن صياغة منظومة استراتيجية لتحفيز الاستثمار في الموارد الطبيعية والحرف المهنية، بشكل يضمن توزيع الموارد البشرية المؤهلة للعمل بالتساوي بين القطاعات المختلفة دون فائض أو نقصان.

وفي السياق ذاته تشترك وزارة العمل مع وزارة البحث والتخطيط في تحمل جزء من تداعيات تفشي البطالة المقنعة؛ حيث كان من اللازم ألا تتقاعس الجهتان عن دورهما في تطوير مهارات الموارد البشرية، لا سيما القديمة منها، بما يتناسب مع متطلبات واحتياجات العصر التكنولوجي الحالي.

كما أن غياب التنسيق في العمل بين النقابات العمالية، وهيئة التقاعد في غالبية البلاد العربية، يزيد من خطورة تفاقم مشكلة البطالة المقنعة، ويظهر مدى ضعف الجهتين في توعية الموظفين بواجباتهم، وآلية احترام أخلاقيات العمل، التي تستدعي الإخلاص والأمانة في المهنة، وما يترتب على خرق ذلك من إجراءات صارمة تجبر الموظف على إضافة شيء جديد للاقتصاد والناتج المحلي الإجمالي، وإلا يتم إجباره على التقاعد من غير راتب.

 السؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما فرص إيجاد حل لظاهرة البطالة؟

إن إحداثيات الوضع الراهن لا تبشر بفرج قادم، لأن الأمور تسير بعكس التيار، فمن المفروض أن يتم تخفيض نسب الضرائب، التي بدورها تعمل على زيادة الإنتاج، وتفتح آفاقا جديدة أمام التجارة الخدماتية من دول الجاور، إلا أن جهود الحكومات العربية بذلك الشأن هشة، ولا تبادر بعمل ذلك إلا بعد تردي الوضع الأمني وزيادة شكاوي المواطنين.

وعلى صعيد آخر ليس هناك أي جهود ومساعٍ حقيقية لتعزيز سبل تعاون مشترك بين القطاع الحكومي والخاص لإنهاء تلك الظاهرة المتفشية، وعلى رأسها البنوك لدعم مشاريع استثمارية تدعم الموظفين الذين يشكلون عبئاً زائداً على الحكومة، فالغالبية العظمى من المشاريع التي يتم تمويلها تتم بمجهود فردي، يؤدي إلى تبعثر الجهود، واستنزاف الموارد في غير مكانها الصحيح، ما يؤدي إلى نقص الناتج المحلي الإجمالي، ومن ثم القومي، الذي بدوره يؤثر سلباً على الوضع الاقتصادي للبلاد.

وبالنهاية إن أزمة البطالة المقنعة بدأت تتحول إلى مشكلة مستعصية تهدد الأمن القومي للبلاد العربية كافة، فكل الدول سواء كانت نفطية أو غيرها تعاني من المشكلة ذاتها، وما يدل على ذلك ما أشارت إليه دائرة الإحصاء العامة في الممكلة العربية السعودية في دراسة أجرتها مؤخرًا، تبين أن معدل إنجاز الموظف الحكومي ساعة واحدة فقط، بينما أشارت دراسة أجراها اتحاد تنمية الموارد البشرية في مصر عام2013 إلى أن متوسط إنتاج العامل المصري يصل إلى نصف ساعة في اليوم، بينما لا يتجاوز إنتاج العامل العراقي 17 دقيقة خلال 8ساعات، الأمر الذي أدى أن تحتل العراق المرتبة الأولى بين الدول العربية التي تعاني من البطالة المقنعة بنسبة تصل إلى 43%؛  فلذا ينبغي مباشرة البدء في وضع حلول مبتكرة وفقاً لمبدأ تكاملي تقر به الأطراف المختصة بمسؤوليتها، ولا تلقي العتب على غيرها؛ من أجل أن يكون معدل إنتاج العامل العربي مطابقاً للمعايير الدولية التي تحدده بـ 7 ساعاتٍ يومياً.

 

قد يهمك أيضًا : فيروس كورونا ومخاوف الأسواق المالية العالمية

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أمل فهيم

كاتبة فلسطنية حاصلة على درجة البكالوريوس في العلاقات العامة والاتصال بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف، غير أن حبي لفن الحديث والخطابة لن يمنعني من الجمع بين تقنيات صنع المحتوى المنطوق والمكتوب على حدٍ سواء منذ أكثر من ثماني سنوات.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق