أسلوب حياة

مشاعر الطفولة.. مفتاحك لفهم طفلك

إحدى أفضل الطرق لنتعلم أن نكون أشخاصًا محققين لذواتهم، هي أن نفهم الطفل الموجود بداخلنا، فمشاعر الطفولة لا يتم تجاوزها بمجرد أن نبلغ الحادية والعشرين من أعمارنا.

إن مشاعر الطفولة ما زالت موجودة هناك متوارية خلف واجهة البلوغ والرشد، فكلنا نحمل في دواخلنا ذلك الطفل الذي كناه يومًا، في كل مرحلة من مراحل نمونا، ولو لم نكن نحمل في داخلنا ذلك الطفل الذي كناه مرة في مراحل أبكر من نمونا، لما كنا قادرين على فهم أطفالنا أو التواصل معهم على الإطلاق، ولكننا محتجزين تمامًا في عالم البالغين الخاص بنا، غير قادرين على وضع أنفسنا في مكان أطفالنا ورؤية العالم من خلال أعينهم.

بعض الأهل عاجزون بالكامل تقريبا عن فهم أطفالهم؛ لأنهم ليسوا على اتصالٍ مع الطفل الموجود في داخلهم، ذكريات طفولتهم ومراهقتهم مكبوتة إلى درجة كبيرة كما لو أنهم لم يعيشوا تجربة الطفولة والمراهقة قط، وإنهم يبدون كأنهم ولدوا وهم في الحادية والعشرين من أعمارهم، وهذا أمر مأساوي؛ فالاتصال بالطفل الذي في داخلنا هو وحده ما يجعلنا قادرين حقًا على اكتساب مشاعر الطفولة.

وهذا هو ما يستطيع طفلك أن يفعله من أجلك، كل الحقائق العلمية التي نتعلمها عن الطفولة لن تجديها كثيرًا إن لم يكن لدينا مشاعر الطفولة، لكن إذا استطعنا بالخيال أن نضع أنفسنا في مكان أطفالنا ونرى كيف يبدو العالم بالنسبة إليهم، ونشعر كيف يشعرون بالعالم؛ عند ذلك سيصبح الكثير مما يحيرنا حول الأطفال وكيفية تربيتهم مفهومًا بطريقة سهلة وطبيعية.

أحد الأشياء التي قد تساعد في اكتساب مشاعر الطفولة هو التعامل مع بعض المواد التي يستخدمها طفلك.

تظاهري لوقت قصير بأنك في الثالثة أو الرابعة من العمر، يمكنك أن تفعلي ذلك وحدك في بعض الأحيان ومع طفلك في أحيانٍ أخرى، جربي الرسم بيدك على لوح الرسم، ليس لصنع صورة محددة لشيء ما، ولكن لمجرد تجربة الألوان بالطريقة التي يجربها طفل في الثالثة من عمره، جربي التلوين بأقلام التلوين، أقلام الباستيل منها خاصة، لا تحاولي رسم شيء معين، فقط خربشي وتلاعبي بالألون والخطوط.

استعملي الطين والمعجون وانظري كيف تشعرين بهما، استمعي إلى تسجيل من ثقافة أخرى وتفاعلي وعبري عن مشاعرك، اخرجي إلى صندوق الرمل واقضي وقتًا في الرمل، اتركيه لينساب بين أصابعك وتمتعي بملمسه، حاولي أن تستعيدي إحساسك بالرمل قبل سنين عديدة عندما كنت تستمتعين باللعب به، ابني بعض التشكيلات الرملية بنفسك، قلاع وبيوت، طرقات وجسور.

من وقت لآخر ننظم في روضتنا نشاطًا خاصًا بالوالدين نطلق عليه «الأبواب المفتوحة»، في هذه المناسبة نزود الأهل بكل المواد التي يستعملها أطفالهم في روضة الأطفال: الورق، الدهان، الأقلام الملونة، الخشب، الصمغ، الطين، الأدوات الموسيقية والإيقاعية، ثم نتركهم ليفعلوا ما يحلو لهم.

لأمسية واحدة يعود هؤلاء الآباء والأمهات إلى مرحلة ما قبل المدرسة مرة أخرى، إن هذا النشاط يروقهم، وينهمكون فعليًا في التعامل مع تلك المواد، حتى لو أنهم لم يفعلوا شيئا مشابها من قبل في حياتهم كبالغين.

يعبر واحد من الآباء عن ذلك بالقول: «أعتقد أنني أفهم الآن معنی ودور روضة الأطفال، فقد أتيحت لي الفرصة للقيام ببعض الأشياء التي كان ولدي الصغير يقوم بها»، ومن المرجح أنك ستشاركين ذلك الأب في شعوره، إذا أعطيت نفسك الفرصة في تجربة الأشياء التي يقوم بها طفلك خلال سنوات ما قبل المدرسة.

مشاعر الطفولة هي الأساس العاطفي الذي يجب أن تستند إليه كل المعرفة العلمية عن نمو طفلك وتطوره، فبدون هذا الإحساس سيسئ البالغون الكبار استعمال الحقائق العلمية ويشوهونها، وسوف نرى نحن الكبار أطفالنا من خلال عيوننا كأشخاص بالغين.

عندما نكتسب الإحساس بالطفولة فكل الأمور تصبح مفهومة؛ لأن إحساسك العاطفي بطفولتك الخاصة هو بالمعنى الأصدق والأبسط للكلمة، مفتاحك الحقيقي إلى مغامرة مهنة الأهل.

حورية بوطريف

أم جزائرية، ماكثة بالبيت، أحب المساهمة في صناعة المحتوى
زر الذهاب إلى الأعلى