مدونات

مسلم أبقى، حتى وإن ألحد كل الناس

حينما كنت ابن تسع سنوات أو عشر تواردت الى مسمعي الآية الكريمة: وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا – سورة الجن.

كنت صغيرا حينها لغتي متواضعة، فهمي للدين ساذج، يتناسب مع صغر سني، فأثارتني في الآية كلمة”جد” فاقتحمت عقلي الصغير وساوس وأفكار وتساؤلات، من قبيل أيعقل ان يكون لله جد وهو القائل: قل هو الله أحد الله الصمد”؟ كما ان المعلم تركنا على سجيتنا تلك ولم يوضح الكلمات ومرادفاتها، وهذا دأب أغلب المدرسين في تلك الفترة يعطونك القرآن لتقرأه دون ضوابط للشرح مستوفية.

طبعا ظل التساؤل في ذهني يوشوش، ولم استطع طرحه كسؤال مخافة أن يعتقد المحيط أني جئت بأمر جلل، فحفزت نفسي على البحث بشكل منفرد، دخلت المنزل وقصدت أحد معاجم اللغة العربية القديمة، وبحثت عن لفظ “جد” فوجدتها كلمة تعني أب الأم أو أب الأب وتعني كذلك المنزلة والمكانة، هنا ابتسمت وفهمت المعنى القرآني، وان المراد بجد في الآية السابقة هي تعالت مكانة ومنزلة ربنا.

أنقدني من لخبطة تلك الوساوس ذلك المعجم العربي القديم المهترئ- الثرات-، لولاه لزغت ولبقي السؤال معلقا لأصادف المراهقة وثورتها، والشباب ومفهوميته المتعالية، وكنت ستراني ربما كهؤلاء الذين صادفوا موقفا من هذه المواقف، فمنعتهم ظروف ما، من البحث والتنقيب.إن أعداء الدين الكبار وليس التبع الصغار، يريدون أن يضعفوا علاقتنا بثراتنا وبهذه اللغة العربية، يريدون ان يجعلوا الدارجة منهجا للتعليم، يريدون أن يجعلوا كتب الحديث الصحيحة مجرد ترهات وخرافات، إنهم يريدون بصدماتهم تلك ارجاع ذاكرتك التراثية الى نقطة الصفر ليتم حشوها بتراث بديل معلوم من لدنهم ويخدم مصالحهم، يريدون أن يجعلوك كما كنت وأنا ابن عشر سنين، يجعلوا تعلقك بالدين ساذجا غير متفحص، ولا عالم به، ليسهل انقيادك وقيادتك.

فالمؤامرة حواليك مترصدة، ومن الحيطة والسلامة معرفتها، أما العيش بمنطق الساذج الذي لا يؤمن بمنطق المؤامرة، فهو منطق الهارب أو المتعامي، نعم لا ينبغي التسليم بقوة المؤامرة الى حدود الوسوسة والاضطراب والفوبيا من نفسك وجوارك، فعموم المؤامرات باختلافها ما كان ليكون لها مرتع خصب، لولا وجود متخاذلين وخونة تقوت بهم، وعميانا تجذرت حواليهم وهم لا يعلمون، واغبياء رأوها وواجهوها بمنطق خدم تغلغلها لا أفولها.

أخيرا ولكل من سيصفني بأني متأثر بعقلية المؤامرة أقول له أنه مذ ثبت عن الشيطان ما ورد في الآية الكريمة : قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (80) إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) سورة ص، منذ هذه اللحظة بدأت المؤامرة، ولا يغفلها إلا جاهل، فلا تلمني بل لم نفسك وغفلتك، وذرني في فكر المؤامرة حتى إن عدت فيه وحيدا، فإليك عني، فشعاري، مسلم أبقى، حتى وإن ألحد كل الناس.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مالك بوروز

كاتب وباحث مغربي

‫2 تعليقات

  1. السلام عليكم اخ مالك رائع ما كتبت سلمت يداك بالتوفيق ومسيرة موفقة في مشوارك ونتمنى لكل و عدل عن الكريق الهداية وحياك الله عزيزي مالك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق