ثقافة وفنون

مسلسل الضفدع… دراما إيرانية خارج الصندوق

من أشهر المقولات التي تنسب للمخرج العالمي هتشكوك قوله : “الدراما هي الحياة بعد إزالة الأحداث المملة.” والذي يتابع الدراما الإيرانية عن كثب سيلمس صدق هذه العبارة في كثير من الأفلام والمسلسلات، خصوصًا ما تم إنتاجه في العقدين الأخيرين، وبالتحديد بعد حصولهم على جائزتين أوسكار في رصيد المخرج العظيم أصغر فرهادي.

لكن ستتملك نفسك الدهشة وأنت تشاهد المسلسل الإيراني الجديد “الضفدع” الذي يأخذك نحو عوالم متداخلة، ويسير معك في دروب رمزية وعرة، ثم تتساءل إن كانت هذه عهدة الدراما الإيرانية، أم أن ثمة حاجة ملحة، ومزيد من القوة والتقدم لطرح ما تشاهده الآن؟

لقد وصل مسلسل الضفدع أخيراً لتقييمات عالية من قبل النقاد السينمائيين، وحصل على مشاهدات كبيرة في المواقع والتطبيقات العالمية، هذا مع موجة الجدل التي أثارها المسلسل داخل إيران وخارجها مما جعله يتبوأ مكانة خاصة ومهمة من بين الأعمال الدرامية الحديثة في إيران.

رغم أن المسلسل يتكون من موسم واحد بواقع خمس عشرة حلقة، إلا أن المشاهد قد يتمنى لو كان هناك موسم آخر يكمل القصة لتقديم المزيد من الإثارة والدهشة.

محتوى مسلسل الضفدع الغامض

يعد المسلسل واحد من أهم الأعمال الدرامية الإيرانية المثيرة للجدل، والذي تعرض للرقابة والمساءلة القانونية بسبب محتوى قصته الغامضة، والتي تضمنت مواضيع حساسة من قتل، ومخدرات، وخيانة، ولعبة مال. وقد ضم المسلسل خيرة أبطال السينما الإيرانية وعلى رأسهم النجم اللامع نويد محمد زاده، وسحر دولتشاهي، وصابر أبر، ومهران غفوريان، وهومن سيدي الذي أخرجه وألفه، وشارك به في دور شمس آبادي.

قصة المسلسل فيها شيء من الخيال والغموض، وقد يضجر المشاهد ربما حتى يصل الحلقة الخامسة والسادسة، ويلمس بعض الصعوبة في ربط خيوط الحبكة الغريبة نوعا ما، ولكنه ينبهر باكتشاف الكثير من الرمزية في المسلسل ما يرغمه على الاستمرار بمشاهدته، والانجذاب أكثر مع بقية الحلقات. في الواقع أن كل حلقة تشبه نوعًا ما جسدًا دراميًا متكاملاً.

المسلسل يناقش موضوع القوة وطموح الإنسان لاكتسابها بأي ثمن، ولا سيما قوة المال التي شغلت بال معظم شخصيات المسلسل والتي هي في الواقع أتت من جذور فقيرة ومتهالكة، ولكنها تسلقت سلالم المكر والخيانة للوصول إلى الرفاهية المفرطة. يعرض المسلسل أيضا جانب من تفاصيل السلطة في إيران وكيف تتعامل أجهزة الأمن مع تجار المخدرات والمتهمين بجرائم قتل، ويناقش بوضوح موضوع الخيانة بين الأصدقاء وبين الأخوة وهو الموضوع الرئيسي للقصة.

يخطط رامين الفقير ماديا (صابر أبر) لسرقة صديق طفولته الثري جدا نوري (نويد محمد زاده ) لكنه سيواجه العديد من المشاكل والمعوقات التي تعصف بحياته، وتضعه أمام تجارب صعبة واكتشافات مذهلة.

أمر السرقة هنا بحد ذاته حبكة خاصة، فابتداء من الحلقة الأولى التي تضمنت اربع عمليات سرقة حيث يقوم رامين بسرقة مسدس ضابط الشرطة المقتول، وإلى جانبه يقوم صديقه فريد بسرقة معطف نسائي من السوبرماركت، ويقوم الآخر جواد بسرقة سيارة، و يذهبون بها ثلاثتهم لسرقة بيت نوري.

السرقة بوصفها عمل مشين، من الممكن أن ينجح اللص في كثير من خططه، لكنه بالطبع سيفشل في سرقة ما، وهذا الأمر واقعي جدا وهو ما حصل بالضبط في الحلقة نفسها، إلا أن الغريب في الأمر هو أن عمليات السرقة ستمتد في مواطن عديدة، وصولا إلى الحلقة الأخيرة حيث سرقة من نوع آخر.

وقد اختار الكاتب اسم المسلسل بشكل عفوي “الضفدع” The Frog وفي الفارسية “غورباغه” ولكنه جاء بالإشارة إلى حركة الضفدع أولا، ثم إلى طبيعته في العيش ضمن بيئتين.

وهي إشارة واضحة إلى نوري الذي خاض تجارب العيش بين الفقر والثراء، بين الاطمئنان والشعور بخيانة كل من حوله، بين الضعف والذلة ثم القوة والسلطة المتنفذة. وهكذا بالنسبة للأمر حول رامين الذي بقي طوال حياته يتنقل مثل الضفدعة، بحركات متعثرة، وميزته الخاصة التي صنعت منه شخصية خيالية، حيث كتبت له الحياة في أكثر من مرة كان من الممكن أن يكون ميتاً.

والضفدع هو اسم يطلق على نوع خاص من المخدرات، وهو الأمر الذي تدور حوله قصة المسلسل وتنتهي إليه جميع الأحداث.

فما هو هذا المخدر الغريب إذن والذي شكل عامل الإثارة الأكبر في المسلسل؟
هو نوع نادر من المخدرات، يتم جلبه من تايلند أو أمريكا، مادة سحرية فائقة الضرر، تكون على شكل غبار عديم الطعم والرائحة، و يسمونه أيضا بنفس الشيطان، وهو يستخلص من بذور نبتة غير معروفة تحمل اسم سكوبولامين، يتم طحن بذورها ومزجها مع جلد الضفدع الأمريكي.

وهذه الضفادع تعيش في نهر كولارادو في الولايات المتحدة، وهي تفرز سائلاً سامًا على جلدها حيث إذا قام الإنسان بلمسه أو لحسه سيسبب له الهلوسة وفقدان الذاكرة.

التعرض لهذه المخدرات يجعل الإنسان منقاداً لمدة ٢٤ ساعة للهوس والطاعة العمياء ويحوله إلى عبد مطيع، ولو طلب منه ذبح نفسه سيقوم بذلك دون تردد، أي أنها تعمل على استئصال دماغ الإنسان وخروجه عن المألوف.

والمسلسل يبين أن نوري يمتلك حوالي طن من هذا النوع من المخدرات ويخزنها بصندوق سري، يستدرج بها الناس وينفذون له أوامره.

الجدير بالذكر هو أن هذا المسلسل كان أول عمل يقوم هومن سيدي بإخراجه وانتاجه، ومع أنه كان من المفترض أن يتم نشره العام الماضي لكنه منع من البث بأمر من المحكمة، ولم يتم الاتفاق على نشره في نيتيفليكس، وقد تم عرضه أولاً على منصة نيماوا.

ادعت وزارة الإرشاد الإسلامي أنه قد تم مقاطعة المسلسل بسبب فساد مالي وغموض في تمويل إنتاجه، مما سبب شبهات مالية أدت لمقاطعة بثه ليتعرض المسلسل لإثارة الجدل بشكلٍ أكبر، بالإضافة إلى أن إظهار الكثير من العنف والدماء في السينما الإيرانية أمر غير مسبوق. لا سيّما وأن خط القصة يتناغم مع الظروف الحالية التي يكابدها المجتمع الإيراني.

محمد عبد

مدون مهتم بالأدب الفارسي والثقافة الإيرانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى