سياسة و تاريخ

مستقبل العالم العربي

تندرج الأحداث التي تقع بشكل متلاحق في ساحات عربية عديدة في سياق التحولات الإستراتيجية التي عاشها ولازال يعيشها العالم العربي إلى اليوم، والتي تتوخى الانعتاق من الانغلاق وتبتغي توطين قيم الحداثة والتحديث وإعادة بناء مفاهيم المواطنة و حقوق الإنسان والشفافية في الفعل السياسي العربي.

ولا جدال أن ما وقع هنا وهناك  بكل من (تونس، المغرب، مصر، ليبيا، سوريا، اليمن، البحرين) مرده ضيق ذرع الشعوب العربية من جور الأنظمة الحاكمة وشعورها بمرارة القهر والاحتقار وحرقة الذل والانكسار. الشيء الذي دفعها نحو الخروج إلى الشارع والتظاهر بعد أن قدح البوعزيزي الشرارة الأولى للثورة التي أحرقت النظام التونسي كما أحرقت أنظمة عربية أخرى بعد أن امتد لهيبها وتوسعت رقعتها.

والواقع أن شجاعة الشباب العربي وتوظيف الشبكة العنكبوتية واستعمال الوسائط الاجتماعية واستغلال وسائل الإعلام قد ساهم في زعزعة عرش مجموعة من الأنظمة العربية، بل و إسقاط البعض منها في إطار ما سمي بالربيع العربي. كما ساهم في تطور الأحداث بشكل متسارع وفي انتشارها لتصل إلى أبعد مدى.

والظاهر كذلك أن هذه الأحداث قد تمخضت عنها جملة من التحولات  والتغيرات في الجغرافيا وفي مواقع القوة وموازين الاقتصاد، مع تنامي مجموعة من الحركات المتطرفة التي انتعشت وانتشرت مثل الزوائد الدودية، ولعل من أهمها بل من أبرزها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي قوى عوده في ظل تداعي مجموعة من الأنظمة، فبدأ ينخر كيان دولها حتى اشتدت شوكته.

و مما لا شك فيه أن حجم و كثافة و تسارع التحولات يدفعنا نحو الحديث عن مستقبل الدول العربية في ظل النفق المظلم الذي دخلته و كذا التساؤل عن حجم الخسائر والمكاسب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن تخرج بها.

1- سياسيا:

– انفراط قواعد الحياة العامة ونظم الأمن السابقة شكل تحديا لإدارة المرحلة الانتقالية بوصفها الضامن للانتقال السلمي للسلطة نحو مرحلة الديمقراطية و الحرية في البلاد العربية.

– بروز مفهوم العدالة الانتقالية كمخرج لتجاوز الأزمات  ولحل مشكل الانتهاكات.

– إخفاق العديد من الثورات في تحقيق التحول الديمقراطي المنشود وفي استئصال جذور الأنظمة السابقة وإن أسقطت عددا من رؤوسها(تونس، اليمن، مصر).

– وقوع  تغيرات واسعة النطاق على البنية الدستورية والتشريعية(تونس، المغرب، مصر).

– إجراء إصلاحات عززت من مضامين حقوق الإنسان والمواطنة ونزاهة الانتخابات وحرية المشاركة وتعزيز دور المجتمع المدني( تونس، المغرب)

– ظهور مد إسلامي قوي و حكومات الإصلاح المحدود(المغرب، تونس، الأردن).

2-اقتصاديا:

– تباطؤ الناتج المحلي الإجمالي و تأثر معدل البطالة والتضخم بشكل سريع تجاه الارتفاع(مصر، تونس)

– انخفاض الإنتاج الصناعي إلى مستويات دنيا لم يسبق لها مثيل.

– تضرر القطاع السياحي و الخدماتي بشكل كبير في كافة أقطار  الربيع العربي.

– تراجع الأداء الاقتصادي نتيجة الانتكاسات السياسية خصوصا بعد عدم النجاح في المضي قدما في احترام آليات النظام الديمقراطي.

– عدم قدرة الاقتصاديات العربية لدول ما بعد الثورة على خلق فرص للعمل والتشغيل لاحتواء جحافل المعطلين.

3-إجتماعيا:

– بروز مفهوم العدالة الاجتماعية لردم الفجوة الكبيرة بين الأغنياء والفقراء.

– جبر ضرر من تعرضوا لانتهاكات جسيمة أثناء قيام الثورة(تونس نموذجا).

– الاهتمام بالشباب و إشراكهم في الحياة العامة (المغرب نموذجا).

– فتح أوراش للتنمية الاجتماعية والثقافية.

– كسر حاجز الخوف الذي كان ملازما لأغلب الشعوب العربية في ظل هيمنة الأنظمة السلطوية.

– تغذية النزعات القومية والقبلية والطائفية في الكثير من البلدان العربية (ليبيا نموذجا).

في الأخير يمكن أن نخرج بانطباع عام مفاده أن بناء مستقبل الدول العربية يقتضي بالضرورة الاهتمام بدرجة عالية بالتنمية البشرية و خاصة مسألة تعميم التعليم والتقدم التقني و العلمي  وكذا إعلاء صوت المؤسسة بقيمها وقوانينها العادلة على صوت الفرد بديكتاتوريته وظلمه.

 
الوسوم

عزيز غنيم

كاتب مغربي وأستاذ للفلسفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق