سياسة وتاريخ

مستقبل الإخوان المسلمون وفرص المصالحة

أعتبر نفسي واحداً من جيل اعتاد على وجود الإخوان في المجتمع المصري، فقد كنا نجدهم في المدرسة الثانوية، الجامعة، الشارع الذي نسكن فيه، الجامع الذي نصلي فيه، والعمل، في كل مجال كنا نجد الإخوان تقريباً بلا استثناء.

فوجودهم أمر إعتدت عليه، فلا مشكلة كانت في ذلك، إلا أن الأمر اختلف بعد توليهم لمدة سنة كاملة حكم مصر، وكذلك الأمر بعد 30 يونيو وأحداث رابعة، ففي نقاش مع أحد قادة الأحزاب اليسارية كان يرفض فكرة عودتهم للحياة السياسية أو إلى الحكم، وكنت أعارضه في ذلك، فوجهة نظري إنهم إن لم يعودوا للحكم فإنهم على أقل الأمور سيعودون للحياة السياسية في مصر.

أما عن الظروف التي ستصاحب عودتهم إلى الحياة السياسية فالله وحده أعلم بها منا، فمثلما عادوا للعمل السياسي في عهد الرئيس أنور السادات بعد القمع السياسي الذي تعرضوا له في عهد الرئيس عبد الناصر، فلا أستبعد أن تتغير الأحوال السياسية في مصر سواء الآن أو غداً أو حتى بعد غد، فالسياسة ليس بها مستحيل؛ لأنها فن الممكن ولا يوجد ثوابت في السياسة، فعدو اليوم قد يكون صديق الغد والعكس صحيح.

الدليل على ذلك إسرائيل التي كانت مصر تحاربها هي والعرب أجمعين، أصبحت صديقاً لهم اليوم ووقعوا معهم معاهدات للسلام.

فالإخوان ليس تنظيماً محلياً بل تنظيماً دولياً، أي أنه إذا ضُرب في الداخل المصري سيلقى الدعم من الخارج وسيظل يعمل من خارج الدولة المصرية.

وعلى مدار تاريخهم منذ النشأة حتى عصرنا الحديث، تلقت جماعة الإخوان العديد من الضربات والمضايقات من مختلف الأنظمة والحكومات المصرية، فمنذ العهد الملكة والحكومات الوفدية مروراً بعهد الرئيس جمال عبد الناصر وما لاقوه من اعتقالات وحتى الآن، كانت الجماعة تخرج من أزماتها مع الأنظمة الحاكمة أقوى مما سبق.

فقد كتب الأستاذ مصطفى مشهور في مقدمة كتاب “الأخوان المسلمون أحداث صنعت تاريخ” لمؤلفه أ/ محمد محمود عبد الحليم عن مؤسس الجماعة الأستاذ حسن البنا، أنه توقع ما ستتعرض له هذه الجماعة، حيث قال البنا في رسالة “بين الأمس واليوم”:

أحب أن أصارحكم أن دعوتكم مازالت مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها وأهدافها ستلقى منهم خصومة شديدة  وعداوة قاسية، وستجدون أمامكم كثيراً من المشقات، وسيعترضكم كثير من العقبات، وفي هذا الوقت تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات، أما الآن فلا زلتم مجهولين، ولا زلتم تمهدون للدعوة وتستعدون لما تتطلبه من كفاح وجهاد، سيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام عقبة في طريقكم، وستجدون من أهل التدين ومن العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم للإسلام، وينكر عليكم جهادكم في سبيله، وسييحقد عليكم الرؤساء والزعماء، وذوو الجاه والسلطان، وستقف في وجهكم كل الحكومات على السواء، وستحاول كل حكومة أن تحد من نشاطكم وأن تضع العراقيل في طريقكم، وسيتذرع الغاصبون بكل طريق لمناهضتكم وإطفاء نور دعوتكم، وسيستعينون في ذلك بالحكومات الضعيفة والأخلاق الضعيفة والأيدي الممتدو إليهم بالسؤال وإليكم بالإساءة والعدوان، وسيثير الجميع حول دعودتكم غبار الشبهات وظلم الاتهامات، وسيحاولون أن يلصقوا بها كل نقيصة وأن يظهروها للناس في أبشع صورة معتمدين على قوتهم وسلطانهم، ومعتمدين بأموالهم ونفوذهم، “يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون”، وستدخلون بذلك ولا شك في دور التجربة والامتحان؛ فتسجنون، وتقتلون، وتشردون، وتصادر مصالحكم، وتعطل أعمالكم، وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان: “أحسب أن الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون”.

ولكن الله وعدكم بعد ذلك كله نصرة المؤمنين ومثوبة العاملين المحسنين: “يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم.. فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم،فأصبحوا ظاهرين” فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله؟

هذه هي العقيدة التي أرساها حسن البنا لدى أعضاء الجماعة، ألا وهي مواجهة كل ما ذكره في هذة الفقرات، فهم اعتادوا ما يلاقونه من الحكومات وليس ما يحدث عليهم بجديد.

والسؤال الذي نود أن نطرحه هو، ماذا لو عاد الإخوان للحياة السياسية؟ هل نعود لنقطة الصفر لما قبل 30 يونيو ويحدث الصراع بين الدولة والجماعة؟ أم أن الظروف قد تتغير في المستقبل لنجد أن هناك تحالفاً بين السلطة الحاكمة والإخوان بأجندات داخلية فيما بينهما؟

وإذا ما عاد الإخوان للحياة السياسية في مصر، هل سيعودون ليحلموا بالحكم مرة أخرى مع تجديد التجربة؟ أم أن الشعب سيقف أمام عودتهم وإقامة مثل هذا الحلم مرة أخرى؟

أعتقد هنا أنه إذا ما نبذ الإخوان فكر العنف والتطرف وسياسة إقصاء الآخر، فربما قد يقبلهم الشعب مالم تعترض أجهزة الدولة على هذا القبول، أما فكرة العودة للحكم، فأعتقد أنها لن تلقى قبولاً أياً كانت كانت الأسباب، إلا إذا حدثت معجزة في زمن انتهت فيه المعجزات منذ رحيل النبي محمد (ص).

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى