سياسة وتاريخ

مستقبل أجهزة الاستخبارات في عصر المعلومات

سمعت مقولة للأديب العالمي المصري نجيب محفوظ يقول فيها إن جهاز الاستخبارات جهاز هام وخطير جداً، لو صلح حاله لصلح حال المجتمع كله والعكس صحيح، لو فسد لفسد المجتمع كله.

وللحقيقة فإن كلمة محفوظ كلمة صحيحة مائة في المائة؛ فجهاز الاستخبارات لأي دولة هو بمثابة القلب النابض بالحياة لباقي أعضاء الجسد، وكلامه يذكرني بالحديث الشريف الذي يقول:

عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (متفق عليه).

ولكن الآن تغير الوضع على مستوى العالم، فنحن الآن في زمن العولمة، زمن السماوات المفتوحة،  حرية تداول المعلومات، والسوشيال ميديا، والفضائيات.. إلخ، فبات الحصول على هذا الكم الهائل من المعلومات أصبح أمراً يسيراً وليس صعباً.

لكن المشكلة الآن هي كيف تحتفظ بهذه المعلومات وتحافظ عليها من الاختراق والتزييف، بالاضافة إلى الأسلوب الذي يتم من خلاله التأكد من صحة هذه المعلومات.

ففي الماضي كان هناك ما يسمى الأرشيف والكِتاب الورقي والأراق والمستندات والصور الفوتوغرافية والتسجيلات سواء السمعية أو المرئية، أما الآن فمن الممكن أن تحصل على معلومة من قناة فضائية أجنبية على سبيل المثال، أو معلومة من بوست على الفيس بوك أو تويتر.

فالسؤال؛ كيف يتم الاحتفاظ بمثل هذه المعلومة في جهاز الاستخبارات؟ كيف يتم المحافظة عليها من التلف؟ وكيف يتم أرشفتها؟ فالعبرة في أنك لا تبني مبنًى ضخمًا لجهاز الاستخبارات لتؤكد على عظمة الجهاز ومكانته المميزة في الدولة التى يتبعها.

فأساس عمل أجهزة الاستخبارات هو الحصول على المعلومات،وفي ظل عصر العولمة وهذا التدفق الهائل للمعلومات، فكيف يتم أرشفتها والمحافظة عليها وليست العبرة فقط الحصول على المعلومات، ولكن العبرة في تفاعل هذه المعلومات من أجل الحصول على نتائج مفيدة تقدم للسلطات المختصة كلٌ في مجاله.

وعلى سبيل المثال، فإذا كان لديك مطعم وقمت بتجهيز المواد الغذائية اللازمة لإعداد المائدة، ولكن لا يوجد لديك “شيف” يقوم بالتفاعل لإعداد هذه المائدة، فما هي فائدة المواد الغذائية الموجودة في المطعم إذاً؟

وهذا يقودنا إلى العودة إلى أولى درجات سلم العمل الاستخباراتي؛ ألا وهو العنصر البشري، الكادر الاستخباراتي المؤهل والمعد للعمل الاستخباراتي واستنتاج واستنباط النتائج من المعلومات التي يتم الحصول عليها من وسائل وطرق جهاز الاستخبارات.

فمثلاً عندما تولي السيد صلاح نصر رئاسة المخابرات، كان يواجه مشكلة يصفها بأم المشاكل وهي الخبرة، ويقول أن الأفراد والمعدات والمال يمكن تدبيره، ولكن توفير العنصر البشري الكفء والمدرب هي المشكلة (انظر كتاب صلاح نصر الثورة– المخابرات– النكسة ص63).

إذاً فالعنصر البشري الكفء والمدرب من أهم العوامل التي يعتمد عليها عمل الاستخبارات، وحتى وإن كنا في زمن غير زمن صلاح نصر، إلا أن العنصر البشري سيظل هو الأساس لعمل أجهزة الاستخبارات.

فإذا كان لديك مبنى فخم وضخم تتباهى به بين أجهزة الدول الأخرى، ولديك كم هائل من المعلومات بصرف النظر عن طرق الحصول عليها، ومع ولكن تفتقد للعنصر البشري الكفء المدرب الذى يستطيع أن يستقرئ ويستنتج النتائج من هذه المعلومات، إذاً فأنت في خطر أو تكاد تكون قد فقدت المضمون الذي من أجله أنشئ جهاز الاستخبارات.

فلا أقمار صناعية للتجسس ولا أجهزة كمبيوتر، ولا أرشيف إليكتروني الذي يمكن أن يصيبه فيروس صغير ليصيبه بالشلل التام وفقدان السيستم، لا كاميرات مراقبة حديثة.. إلخ، تغنيك عن العنصر البشري الكفء المدرب.

فمهما تعددت وسائل التكنولوجيا في الحصول على المعلومات في عصرنا الحالي، إلا أن العنصر البشري سيظل هو الأساس في عمل أجهزة الاستخبارات، وبدونه نكون كالعربة التي بلا موتور تتحرك من خلاله.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق