ثقافة و فنون

“مستر كاراتيه”: المدينة الوحش

ربما كانت شخصية «صلاح» التي قدمها «أحمد زكي» في فيلم «مستر كاراتيه» هي أول شخصية سينمائية أتحد معها عاطفيًا ونفسيًا وعقليًا!

بالطبع لم أشاهد الفيلم وقت عرضه في السينما (1993) وإنما في عرضه التليفزيوني، منتصف التسعينيات، حيث كنا نودع مرحلة الطفولة ونخطو لما بعدها، بكل الأحلام والأوهام والطموح والمخاوف، وبالنسبة لمراهقين نشأوا ويعيشون في قرية صغيرة في قلب الدلتا فإن «المدينة»، أي مدينة، كانت تمثل لنا -أو على الأقل بالنسبة لي- «وحشًا» مخيفًا وخرافيًا بشكل لا يتصوره أحد. وقد جاء ذلك الفيلم، وبكل ما تعرض له «صلاح» فيه ليؤكد تلك الصورة المتخيلة.

نحن هنا أمام شخصية حالمة بشكل يكاد يكون فطري، لا يحمل أي ضغينة أو موقف عدائي مسبق تجاه أي أحد، ويفترض حسن النية دائمًا، وهذه صورة «نمطية» لحد كبير تم تقديمها كثيرًا في السينما المصرية، لكن -وهو ما يحسب للمؤلف رؤوف توفيق والمخرج محمد خان- لم تكن «ساذجة» أو مفرطة في عفويتها (ك«إمام» مثلًا في فيلم «شباب امرأة» أو حتى شخصية «حسن هدهد» في فيلم «كابوريا» لأحمد زكي أيضًا) بل كان -رغم تعليمه المتوسط وخبراته المحدودة- شخصية أكثر وعيًا، أو لديه الاستعداد للتعلم واكتساب مهارات جديدة، عن رغبة حقيقية لتطوير ذاته وقدراته بما يتناسب مع العالم الجديد الذي ذهب إليه.

وكالمعتاد فإن المدينة لا ترحمه ولا تقابله بوجهها الذي تمناه وحلم به، وتتحطم عند أبوابها أحلامه، ويفقد ساقه في حادث عبثي لا مبرر له، لكنه “يعافر” ويقاوم ويتأقلم مع كل الظروف، وكلما سقط قام من جديد. لكنه طوال الوقت يقف على حافة الاستسلام، خيط رفيع جدًا بين الهزيمة والتعايش مع الواقع بكل ما فيه، يحاول أن يقاوم بقدر طاقته وبقدر ذكائه وبكل فطرته السليمة.

في رحلته كان يتقوّى بصديقه ومدربه وحبيبته، فهما كل ما خرج به من المدينة، لكن صديقه يسقط في منتصف الطريق، بالرغم من أنه ابن من أبناء المدينة والعارف بكل خباياها وأسرارها، وتكاد حبيبته أيضًا أن تسقط، لولا أن الأقدار كانت رحيمة بها (وربما بنا) فأنقذتها في اللحظات الأخيرة، أو أنقذها «صلاح» بحبه وخوفه وحرصه عليها.

وفي النهاية يعود إلى قريته، مقتنعًا أنها الملجأ والملاذ بعيدًا عن المدينة/الوحش، وهي نهاية أسعدتنا كثيرًا؛ لأنها تؤكد قناعاتنا وأفكارنا. لكن هل كانت الرحلة في حد ذاتها تستحق كل تلك المعاناة وكل تلك الخسائر المادية والمعنوية؟ ربما!

من المؤكد أن كل تلك الأفكار كانت محسوسة بأكثر مما هي ملموسة بالنسبة لمراهق صغير، ولم تكن بذلك الوضوح، لكن -وقت مشاهدتي الأولى للفيلم- كان الأكثر وضوحًا هو أن «صلاح» كان يشبه لحد كبير أحد معارفي الذي كان يستعد لرحلة مشابهة، وبيني وبين نفسي لم أكن -بخيالاتي السينمائية- أريد له نفس المصير، ثم -وهذا هو الأهم- زاد كرهي للمدينة وأصبحت أراها بالفعل “وحشًا” يجب على الجميع تحاشي مقابلته قدر الإمكان!

برجاء تقييم المقال

الوسوم

طاهر عبد الرحمن

أقرأ التاريخ لأفهم المستقبل
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق