ثقافة و فنون

مسألة قتل الأب بين فريدريك نيتشه وسيغموند فرويد

كثيرًا ما نسمع أو نقرأ، في سياق عابر أو من خلال شهادات شذرية، عن مسألة قتل الأب. وإمعانًا في الاطلاع على خبايا هذه المسألة في سياق متكامل رافداه الفلسفة والتحليل النفسي، أجريت بحثًا على الإنترنت من حاسوبي الذي رسى في الأخير على نتائج كثيرة اخترت منها مقالًا لصاحبه Rogério Miranda de Almeida. بعد قراءته بتمعن في صفحته الموثقة بهذا الرابط:
http://journals.openedition.org/leportique/336 f.

منذ سنوات السبعينيات، عاينا أدبيات لا نهاية لها عن حياة نيتشه Nietzsche وفكره. يكتسي هذا الكم الهائل من الدراسات مثل هذه الأهمية بحيث أن حتى التفسيرات الحديثة نسبيًا (دولوز، دريدا، كلوسوسكي، سارة كوفمان) رأيناها تندرج بالفعل في رتبة الكلاسيكيات. الموضوعات القديمة، مختلطة بأخرى أكثر راهنية، تمت استعادتها، تكرارها، إعادة قراءتها، إعادة كتابتها من وجهات نظر مختلفة. وهكذا ارتبط حوار الفلسفة مع قطاعات كبيرة من الثقافة: نيتشه والميتافيزيقا، نيتشه والعلوم، نيتشه والسياسة، نيتشه والموسيقى، نيتشه والدين، نيتشه ومعاداة السامية، نيتشه و النازيين، نيتشه والمؤنث، نيتشه والتحليل النفسي.

أصبحت الثيمة الأخيرة موضوعًا للدراسة خاصة منذ الثمانينيات، ومع ذلك، سواء في أوروبا أو أمريكا، فإن القراءات التي تثيرها تكشف عن ميل إلى زيادة درجة اعتماد فرويد Freud على نيتشه. في الواقع، عندما يتعلق الأمر بالتساؤل حول مصادفة الحدوس التي توجد بين هذين المفكرين، يكون السؤال الذي يفرض ذاته بثبات تقريبًا، هو معرفة إلى أي مدى كان أب التحليل النفسي مدينًا لاكتشافات فيلسوف Sils-Maria. فرويد، كما نعلم، اقتبس من نيتشه في كتاباته الأولى، ولا يزال يشير إليها حتى بعد “منعطف 1920″. وهكذا، في كتاب ” الأنا والهو” (1923)، وفي “المحاضرات الجديدة حول التحليل النفسي” (1932)، اعترف بسابقة نيتشه فيما يتعلق باستخدام المصطلح النحوي Es (هو). هذا المصطلح، الذي استعاره فرويد من غروديك Groddeck واستعمله في “الأنا والهو”، سيعين من الآن فصاعدًا القوى المجهولة التي في وجودنا، تحكمنا، تحركنا وتدفعنا. وعلاوة على ذلك، فإن الاختصار Ics اختفى من المصطلحات الفرويدية، فقط ليعود مرة أخرى في (موسى والتوحيد 1939)، وتم ذلك وصفيًا وفي شكل صفة.

غير أن فرويد كان حريصًا جدًا على تحديد ما ينتمي إليه وما ينتمي إلى مصدر آخر. الخوف من الظهور كغير شريف في نظر الجمهور، والعداء تجاه أي شيء يمكن أن يكون ذا صلة بالسرقة الأدبية، بالتقليد أو بالاستيلاء، قاده للتأكيد في كل صفحة تقريبًا على أصالة اكتشافاته والمراحل المؤلمة التي تخللت مساره. وكأنه يريد حماية أبوة أفكاره مهما كان الثمن، خاصة عندما تبدو هذه الأبوة مهددة من قبل سلطة ذكرية. عن نيتشه، كتب عام 1914 يقول: “أنا محروم من متعة قراءة أعمال نيتشه، وهذا عمدًا، حتى لا تأتي أفكار سابقة لتزعج الحدوس التي أعطاني إياها التحليل النفسي”. بعد مرور عشر سنوات، تحدث عن نيتشه بهذه الكلمات: “نيتشه، فيلسوف آخر غالبًا ما تتطابق حدوسه وفرضياته بالطريقة الأكثر ذهولًا مع النتائج التي اكتسبها التحليل النفسي بشق الأنفس، ولقد تجنبته طويلًا لهذا السبب بالذات. وكانت مسألة الأولوية أقل أهمية بالنسبة لي من الحفاظ على حياديتي”. علاوة على ذلك، في رسالة وجهها إلى فليس Fliess في 1 فبراير 1900 أضاف في نهايتها: ” اقتنيت لتوي كتب نيتشه، وأتمنى أن أكون قادرًا على العثور عنده على كلمات لأشياء كثيرة ظلت في نفسي صامتة. ولكني لم أفتحها (الكتب) بعد”.

إذا حكمنا من خلال الاقتباسات، التلميحات والتعليقات المتناثرة في عمله، فليس هناك شك في أن فرويد قرأ على الأقل بعض النصوص الأساسية للفيلسوف، بما أن حدوس هذين المفكرين تجتمع سويًا حول مسائل أساسية مثل الأحلام، المقاومة، التحويل، الإكراه على التكرار، التمتع وغريزتي الحياة والموت. ولكن كيف يمكن للمرء أن يفسر مقاومة فرويد للفلسفة، ولنيتشه على وجه الخصوص؟

1- فرويد والتحديد الإسقاطي:
في مقال نشر سنة 1993 تحت عنوان Freud’s Devaluation of Nietzsche، حاول الكتاب (M. J. Scavio, A. Cooper et P. S. Clift) إظهار لماذا فرويد، الذي ذكر نيتشه صراحة في أول كتبه واعترف بأهميته بالنسبة للتحليل النفسي، أشاح بوجهه عن الفيلسوف ابتداء من عام 1914 إلى حد نسيانه تمامًا. ويوضح المؤلفون أن هذا التغيير في الموقف يفسر حقيقة أن فرويد قد تشاجر مع أدلر Adler ومع يونغ Jung، وكلاهما قارئ لنيتشه. وبالإضافة إلى ذلك، أصبح صديقًا للو أندرياس سالومي Lou Andreas-Salomé، الذي ربطته بنيتشه صداقة عابرة، متوترة، وانتهت بالعداء المتبادل. إلى كل هذا جاء تبني الأيديولوجية النازية ليُضاف لأعمال الفيلسوف، الشيء الذي لم يؤد سوى للزيادة من شكوك وكراهية فرويد تجاه نيتشه والفلسفة بشكل عام. ولذلك، فإن أسباب النسيان عند فرويد يفترض البحث عنها في تحديد إسقاطي طوره بنفسه وأدى به إلى أن ينسى تماما وجود وتأثير نيتشه في عمله.

ومن المسلم به أن هذه الملاحظات لا تخلو من الفائدة. وعلاوة على ذلك، فإن تاريخ الفكر يقدم أمثلة كثيرة من السرقات التي أسيء إخفاؤها (ديكارت مقارنة أوغسطين)، من ردود أفعال سافرة ضد معلمين سابقين (أرسطو ضد أفلاطون، ماركس ضد هيغل ونيتشه ضد شوبنهاور)، أو كذلك، كما تبدو الحالة هنا، من نسيان أو مقاومة للتأثيرات المحتملة. ما هو على المحك في قضية نيتشه-فرويد هو، وفقًا لكتاب المقال، قضية سياسية. فرويد، بعد القطيعة مع أدلر وخصوصا مع يونغ (1914)، لم يجد له أي مخرج سوى أن ينسى كل ما يمكن أن يمت بصلة، ولو كانت من بعيد، لتلميذ ديونيزوس. كان إذن يسعى إلى تذكر الخفايا الخاصة به cryptomnesia، إلى اثارته، إلى تعزيزه حتى. في الواقع، على الرغم من الإشارات المقتضبة السالفة الذكر، فإن التخريجات التي قام بها فرويد لم تسترع الانتباه إلى مصادفة الأفكار بين الاكتشافات الخاصة به وتلك المنتسبة لنيتشه. ولكن في التحليلات حول السادية والمازوشية (Pulsions et destins des pulsions, 1915)، نجد تشابهًا كبيرًا مع ما سبق لنيتشه أن أدرجه في “Humain, trop humain”، كما في “Aurore”.

الأكثر إثارة للدهشة كذلك هو أن نلاحظ أن فرويد استخدم نفس المصطلح الذي استعمله نيتشه لشرح تشكل الشعور بالذنب. وهكذا، في “جينيالوجيا الأخلاق” (Deuxième Dissertation, section 16)، يرى نيتشه في ذلك الشعور ظاهرة حدثت تاريخيًا. وهذا يعني أن دودة الشعور بالذنب القارضة تمكنت من أن تخترق الانسان عندما رأى هذا الأخير، وقد تكيف سابقًا مع الحرب، مع حياة البدو الرحل ومع المغامرة، نفسه فجأة في قبضة إكراهات المجتمع والسلم. بافتقاره للأعداء الخارجيين والمقاومات، باستغراقه في الحنين إلى الصحراء وباضطهاده من قبل انتظام العادات، هذا الحيوان الذي يراد ترويضه “جرحته قضبان قفصه” تمزق، تعذب، تضايق و أساء لنفسه بفارغ الصبر. لذلك: “كل الغرائز التي لا تتحرر نحو الخارج، ترجع إلى الباطن – وهذا هو ما أسميه باستبطان (Verinnerlichung) الإنسان: هذا هو أصل ما سوف يسمى لاحقًا ب”روحه”.

لكن، في إحدى كتاباته الأخيرة Analyse terminée et analyse interminable)، 1937)، عند الإشارة إلى التغيرات التي اجتازتها الدوافع العدوانية، يستخدم فرويد مصطلح الاستبطان نفسه ونفس التعبير عن الرجوع إلى الباطن. يقول فرويد: “بعد كل شيء، نعترف أنه خلال تطور الإنسان، أي من الحالة البدائية إلى الحالة الحضارية، عانت عدوانيته من درجة لا يستهان بها من الاستبطان أو الرجوع إلى الباطن”. فإذا عدنا بالتالي إلى تطور النص الفرويدي، وإذا نظرنا في تحاليله حول السادومازوشية، الأنا الأعلى، الذاكرة، وربما خصوصًا، غريزتي الحياة والموت، لا يسعنا إلا أن نفاجأ بعدم وجود ما يشير إلى اسم نيتشه . فرويد أطاح بالفعل بشخصية نيتشه من عمله، ابتعد عنه أخيرًا، تخلص منه، أو، للتحدث مثل الباحثين، لقد نسيه تمامًا.

مع ذلك، قد يطرح السؤال في مكان آخر. ربما تعلق الأمر بإشكالية أعمق، أكثر دقة، والتي سيتم استيعابها أكثر أو أقل من ذلك من خلال قراءة كتابات هذين المفكرين. أكثر مما هي مسألة ذات طابع سياسي، ما هو على المحك في علاقة فرويد- نيتشه ليس في النهاية، إلا موت الأب.. دعونا نشرح.

2- نيتشه، فرويد وموت الأب..

بالفعل، منذ التقارير المرفوعة لجمعية التحليل النفسي بفيينا، رأينا فرويد يعبر عن تردداته ومقاوماته لنيتشه وفلسفته. خلال دورتين عقدتا في 1 أبريل و 28 أكتوبر 1908، كانت الجمعية قد تحدثت عن عملين من أعمال نيتشه، هما على التوالي: “جينيالوجيا الأخلاق (الأطروحة الثالثة: ماذا تعني مثل الزهد؟)، و “هذا هو الإنسان”.

انطلاقًا من الدورة الأولى، وفقًا للتقرير ، صرح فرويد بكراهيته تجاه الفلسفة بشكل عام. بدت له خاصيتها التجريدية بغيضة جدًا بحيث أنه قرر التخلي عن دراستها. في ما يخص نيتشه، اعترف بأن محاولات قراءته لم تنجح؛ لأن جهوده خنقت من قبل فائض من الاهتمام. وعلى الرغم من أوجه الشبه التي أشار إليها القراء مرارًا وتكرارًا بين الكاتبين، يؤكد فرويد أن أفكار نيتشه لم يكن لها أي تأثير على عمله.

في الدورة الثانية، بدأ فرويد يتحدث عن نيتشه كما لو أنه “شخصية غامضة”. وفقًا للتقرير، عزا عدم فهم فكر نيتشه إلا أن هناك في طبيعة الفيلسوف شيئًا من اللاجرمانية.. قال: “فشلنا في فهم شخصية نيتشه”. ثم أضاف: “هنا هو الشخص الذي لا نعرف شروطه المسبقة.” ومن الغريب أن نلاحظ مع ذلك، أن فرويد يعود في هذه اللحظة إلى فكرة موت الأب. “من طفولته – يتذكر – يبدو أنه فقد والده في وقت مبكر جدًا وترعرع بين النساء. هنا بعض النقاط التي تهمنا، على سبيل المثال، في سيرته الذاتية نيتشه يقتل أباه مرة أخرى.” في بضعة أسطر أسفله ، يدعي فرويد أنه لم يصل أحد – وربما لن يصل أبدًا – إلى درجة الاستبطان التي حققها نيتشه. ومن ثم يعترف مرة أخرى، كما سيفعل لاحقًا، أنه لم يتمكن أبدًا من دراسة فيلسوف Sils-Maria. جزئيًا – يضيف – بسبب التشابه بين حدوسه والتحقيقات الشاقة للتحليل النفسي. ولكن أيضًا بسبب ثراء أفكاره التي منعته دائمًا من تجاوز الصفحة الأولى، في كل مرة حاول قراءة نيتشه.

ومثلما تبين هذه التقارير، وكذلك الرسالة إلى فليس، ومؤلفاه :”مساهمة في تاريخ حركة التحليل النفسي” و”حياتي والتحليل النفسي”، الأفكار الرائجة في هذه النصوص هي تلك (المتعلقة) بالتردد، بالتأجيل، بالاجتناب، بالمقاومة على سبيل الاختصار. ويبدو أن التهديد بالسلطة، بالمعرفة، بالقانون، بالله، بالأب أو ما يعني نفس الشيء، بالإخصاء هو أساس الغموض الذي يربط فرويد بنيتشه. ولكن في هذه الحالة – يمكن للمرء أن يعترض – هذا الغموض وجد ليس فقط في علاقة فرويد – نيتشه، ولكن أيضًا، والأهم من ذلك، في مشاعر فرويد نحو فليس، أدلر، وقبل كل شيء، يونغ.

صحيح أن الموضوعات الخاصة بالدين والثقافة، التي بدأت تشغل فكر فرويد بالفعل مع “أعمال راقية وتمارين دينية” Actes obsédants et exercices religieux(1907)، وأصبحت أكثر فأكثر تواترًا في قلمه انطلاقًا من القطيعة مع يونغ (1914).

فرويد تحدث عدة مرات عن روح الشعب، عن حشد أصيل، عن التراث القديم، عن مسقط رأسه، عن الأب الحقيقي، وعلاوة على ذلك، عن الخوف من أن يلتهم من قبل الأب. ومن المسلم به أن هاجس هذه الأسباب الأسطورية يستحق أن يدرج في دراستنا، لأن ما يعيد الظهور هناك ليس، في النهاية، سوى مسألة الأب أو القلق من الإخصاء. نحن ننظر في مكان ما للحصول على دعم، مأوى، حصن، أساس، مخرج. ولكن هدفنا ليس إقامة مواجهة بين فرويد وعالم النفس (المختص) في الدين. انتباهنا يتحول بدلًا من ذلك إلى موقف التناقض الوجداني الذي غذاه فرويد فيما يتعلق بنيتشه.

ومع ذلك، فإننا نعترف بأن هذا الموقف سيكون مفهومًا بشكل أفضل إذا أخذنا في الاعتبار، كما سنفعل لاحقًا، المقال الذي كتبه فرويد تحت عنوان: Dostoïevski et le parricide.

بعد كل ذلك، نجد عند نيتشه وفرويد نفس الهوس بموت الأب، أي القلق من الإخصاء، من النقص أو الخسارة. لكن هذا القلق يفترض في وقت واحد، وبمفارقة، التمتع بشيء تم العثورعليه، بتكرار، بانتقال وببناء – تدمير أبديين. تيهان لا يعرف الكلل، لا ينضب ويتجدد باستمرار، متعة قضيبية من لا شيء في المكان نفسه حيث كان سيتم سد الفجوة. لهذا السبب قال لاكان عن بارمينيدس: “حيثما كان هناك وجود، ثمة متطلبات من اللاتناهي”.

فرويد، كما نعلم، قتلمراراًا أكثر معارضيه شهرة، كما أنه قتل في كتابه الأخير (موسى والتوحيد 1939)، المحرر والمشرع المنتخب من الشعب. أما بالنسبة إلى نيتشه، فقد أنجز عمله بنوع من البناء والهدم المستمرين، من القلب والتقويم الدائمين. وهكذا، في الحزن والفرح، في تقلبات وتحولات النفس الغضبية، قتل ثم أحيى سقراط وأفلاطون، سبينوزا وكانط، فاغنر وشوبنهاور، يسوع المسيح والقديس بولس.

بالإضافة إلى الإعلان الشهير الذي أدلى به المحكوم بالأعمال الشاقة في “المعرفة المرحة”، هناك مقطع آخر من كتاب (الفجر، الفقرة 14) يكشف فيه هذه المرة، عن موت القانون نفسه: “آه! أعطوني على الأقل الخرف، القوى السماوية! الخرف، بحيث أخيرًا أعتقد في نفسي! الشكوك تلتهمني، أنا قتلت القانون، القانون يطاردني مثل جثة على قيد الحياة. إذا لم أكن أكثر من القانون، فأنا آخر المنبوذين”.

هذا النص الأخير يذكرنا بحدوس فرويد حول عقدة أوديب. الصياغات المختلفة والكتابات المعادة التي مر بها هذا المفهوم هي بالفعل من أعراض غموضه الأساسي. الغرض من عقدة أوديب، للمفارقة، هو التعبير عن تخطيه هو بالذات، أو على الأقل الرغبة في تخطيه. الرغبة في قتل الأب يمكن أن تعني أيضًا محاولة لإنقاذ الأب؛ لأنه إذا لم أكن أقوى من الأب، أو من القانون، فأنا آخر الملعونين. إذا كان الأمر كذلك، يجب أن نبحث عن المقاومة التي أبداها فرويد إزاء نيتشه في تحديده للفيلسوف الذي “قتل الله”.

ربما فرويد قريب جدًا من نيتشه، كما أنه من الممكن أيضًا أن سقراط كان بمثابة مرآة لنيتشه يرى فيها وجهه، مشوهًا. لا ننسى أن نيتشه اعتبر سقراط مثل الوحش الخالق للعلم، للمنطق، مثل الرجل المنظر، وفي الوقت نفسه اعتبره هو من قتل الحكمة الترجيدية، وبالتالي الفن في حد ذاته .

في المؤلف المعنون ب” Psychologie des foules et analyse du moi “، والصادر سنة 1921، هناك فصل يسمى بالضبط تحديد الهوية. يتم تحليل هذا السلوك في ارتباط بعقدة أوديب التي، وفقًا لفرويد، تهيؤه. وهكذا، من رباط عاطفي تشكل في البداية، وحيث ضمنه أخذ الصبي الصغير والده كنموذج وكمثال، تولد شعور بالعداء والرغبة في الحلول محل الأب إلى جانب الأم. ولكن فرويد يوضح: “إن تحديد الهوية هو أيضًا متناقض منذ البداية، بل يمكن أن يكون موجهًا نحو التعبير عن الرقة أكثر من الرغبة في الطرد.

إنه يتجسد مثل فرع من المرحلة الشفوية الأولى من نظام الليبيدو التي ندمج خلالها، حين تناول الطعام، شيئًا مرغوبًا ومثمنًا، وعلى هذا النحو تتم إبادته بما هو كذلك. آكل لحوم البشر، كما نعلم، يتوقف عند هذا الحد. يحب أعداءه إلى درجة التهامهم، ولا يلتهم أولئك الذين لا يستطيع أن يحبهم بطريقة أو بأخرى.

هذه المسألة الصعبة لتداخل الحب والكراهية، سوف يعود فرويد لتناولها مرة أخرى، بعد عامين، في إطار التحليلات التي قام بها حول الغرائز الجنسية وغرائز الموت. في الواقع، في “الأنا والهو”، الكتاب الذي هو امتداد، وبطريقة معينة، تتمة ل”ما بعد مبدأ اللذة” (1920)، فرويد يستخدم عدة فرضيات في محاولة لشرح خصائص الحنان ، الدينامية وقابلية التبادل التي تتصف بها الكراهية والحب. وبالتالي فإن المشكلة التي يواجهها هي كما يلي: تظهر التجربة التحليلية أن الكراهية ليست فقط رديفة للحب (التناقض الوجداني)، وأنها ليست فقط سابقته المتكررة في العلاقات الإنسانية، ولكن أيضًا، في ظل جميع أنواع الظروف، تتحول الكراهية إلى حب، والحب إلى كراهية.

ولكن أين وكيف يحدث هذا التحول؟ تلك هي المشكلة التي ظلت مستعصية على فرويد وتمت بالكاد معالجتها. من خلال نشأة المثلية الجنسية، على سبيل المثال، وأيضًا نشوء مشاعر اجتماعية désexualisés، يكشف البحث التحليلي عن وجود مشاعر عنيفة من التنافس تؤدي إلى ميولات عدوانية. ولكن بمجرد أن يتم التغلب على هذه المشاعر، يصبح الشيء الذي كان مكروهًا سابقًا شيئًا محبوبًا، وحتى مادة لتحديد الهوية.

أما بالنسبة لمسار الاشتغال على التحولات المرتبطة بجنون العظمة، تقدم فرويد بفرضية أخرى: “هناك منذ البداية – يقول- موقف متناقض، والتحول يحدث من خلال نقلة رجعية للاستغلال، للطاقة التي يتم سحبها من الحركة الإيروتيكية وتقديمها إلى الحركة العدوانية. سوف يتم تناول إشكالية تحديد الهوية والتناقض الذي يقتضيه مرة أخرى في دراسة معنونة تحديدًا ب ” Dostoïevski et le parricide”.

ومن هذا المنطلق، فإن موقف فرويد من نيتشه سيكون ذا طبيعة مزدوجة؛ فمن ناحية، يقاوم فرويد سيد المعرفة، الذي رأى قبله، وعرف كيفية تشريح وتحليل واختراق الغرائز وعلاقاتها ودوافعها وصراعها، فضلًا عن آليات المقاومة المربكة، التحويل، النسيان والأنا الأعلى. كما اعترف فرويد نفسه – بطريقة مثيرة للفضول – بأن ثراء أفكار الفيلسوف قد منعه دائمًا من تجاوز الصفحة الأولى؛ وبأن التشابه بين الحدوس الذي جمعهما جعله دائمًا يتردد قبل أي محاولة لقراءته. من ناحية أخرى، يبدو أن فرويد يتماهى مع من أعلن موت الله وتأمل فكرة العود.

ما يرد في علاقة فرويد – نيتشه هو، في نهاية المطاف، مسألة فرويد نفسه، أي تنظيم رغبته الخاصة وقبول افتقاره. إن التناقض في تحديد الهوية مع الأب، والهوس بنفس الموضوعات التي سبق أن تناولها نيتشه، والغموض من نفور ممن تكون قدرته على الاستبطان لا مثيل لها، وموضوع إرادة القوة التي تتجلى نفسها في شكل مزدوج من الفائض والفوضى غير المواتية، كل هذا يغطي مساءلة فرويد، ولكن أيضًا، وبشكل أساسي، يسائل موضوع هذه المساءلة. إذا كان أحد يتصور النص على أنه انزياحًا، مقاومة الوسيلة التي يتم من خلالها الكشف عن الرغبة، فإن الكتابة الفرويدية تبين أن محاولة، لم تكتمل، لسد الفجوة، لإصلاح خسارة، لإبطال التهديد الذي يجعلك في نفس الوقت تعاني وتستمتع، تخلق وتبشر، وتكره وتحب.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد رباص

رجل تربية وتعليم، يؤمن بمقولة "التعلم مدى الحياة". ناضل ككاتب صحافي متطوع في جرائد وطنية ورقية ورقمية تتبنى أو تتعاطف مع قيم اليسار الديمقراطي الاشتراكي ككل.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق