ثقافة و فنون

مسألة المعرفة ومعايير الجمع المعرفي

يقف الإنسان على لغتة المعرفية  واثقا فيتكشف له التفسير والبيان، ينفعل مع ما يفهمه حاملا الحضور الكامل والقدرة على تفسير هذا الحضور، فيأخذ بموقفه مؤولا يرسم أبعاد رسالته، منتهج مبدأ المسؤولية ومن قبله مبدأ السائل لا العليم.

في معرض ممارسة الفكر ليس بالضرورة يتحتم الخوض في التأويلات، فليس كل من قطع المحيط سباح، وتلك من المسائل المهمة واجبة التأكيد عليها، فلمجرد سماع فكرة مؤولة بغير مصداقية أو دلالات تصدق عليها، ستتكالب عليها بوادر النقد وإن كان النقد هذا في ذاته لا يحمل القول الداعم له.

وإنما المعارف تتأكد من حسن الإعتقاد فيها لا من كثرة الثناء عليها، وتنزيه المعلومة عن الثناء الأعمى لا يتحقق إلا بالنقد الذي يفقدها التعميم والمبالغة والتشبية والتصديق والتسليم وربما التقديس.

أيضا طرق تلقي المعرفة تؤكد إختلاف طرق التصديق بها، فالمعرفة الحسية الناتجة عن شعور الإنسان بموجود ما تختلف عن المعرفة الذهنية بنفس ذات الموجود، وغير ذالك فقد يختلف التصور عند محاولة توقع نفس الموجود في جوهره أو تأثيرة أو فعله أو ردة فعله إن كان كائن حي أو حتي موجود مادي يخضع لقوانين فيزيائية .

أو كما يبين لنا مفكرا مثل الإمام الغزالي مراتب الوجود وقسمها إلى خمس  “ذاتي، حسي، خيالي، عقلي، شبهي” وفي ذلك ظهور للطابع المنطقي البارز في تقسيمه مابين عيني وذهني.

كذلك إعتبر إبن رشد أن الفطرة التي خلقنا بها الله مختلفة من شخص لآخر في الطبائع، وبالتالي مختلفة في التصديق على كل الأمور وإن كانت متشابهة، الأمر الذي يؤدي إلى تنوع وربما تباين في الخطاب وإن كان المقصود بالخطاب عند إبن رشد  الخطاب الديني.

وهذا يفيد أن كل معرفة تحقق لذاتها فئات من المتلقيين، كل فئة متلقية تحددها درجات متباينة من الفهم والإستيعاب، وبحسب كل درجة من الفهم والإستيعاب تتكون الشخصية المعرفية، وكلما ذادت الدرجة وتعددت المعارف ينشأ ما يسمى بالفكر الموسوعي، وكلما قل،  مثل ذلك درجة من درجات السلم التثقيفي.

ومعيار العلم أو الجمع المعرفي متعلق بما هو ظاهر في الذات والحس والعقل، يختلف إختلاف نظائري عن ماهو متعلق بالخيال أو التوقع والتناسب الشبهي، لا يربطهما رابط يوؤد هذا الإختلاف إلا رابط الإبداع،  بالصورة الشبكية التي يبدأ معها مثلا العنكبوت نسج خيوطة يمكن توقع المساحة التي قد يكتفي بها وقل أو ذادعن توقعاتنا، قد مثلت الإستنتاجات في هذا الشأن النموذج المتناغم مع مقدمات المعرفه القائمة لتقدم صورة إستدلال إبداعي.

لكن هذا لا ينفي أن للمدى المعرفي حدود، فالخيال أو الوجود الخيالي مختلف عن الخيال الغيبي الذي لا تتمثل له صورة في الواقع ، فعند سماعك صوت الصفير المعتاد للقطار تتوقع قدومه دون أن تراه، وهذا مختلف عن إستنتاجك بأن الحياة نشأت عن خلية أولية تطورت عبر ملايين السنين لتكون عالم أحد نواقصه عقلق أنت، لكن دعونا لا نخوض في مسألة بدايات الخلق والكون ولنتكلم عن أنواع المعارف بحسب معايير الجمع المعرفي.

معايير الجمع المعرفي قد لا تخرج عن إطار التصنيف القائم للوجود بحسب ما ذكره الغزالي لكنا لن نعتمد على تفسيره الموضح لكل تصنيف  بإعتبار أن استعانتنا بتصنيفه لم يكن إلا لتوضيح مسعي فكري لا إجتهاد علمي وديني .

أولا الجمع المعرفي بحسب المعيار الذاتي.

يحكم هذا المبحث عدد من الأمور التي تتحدد تحت المسمى غريزية  تمثل هرما قاعدته الأساسية ماهو مقدس ثم ماهو منطقي مصدق ثم ماهو مرجح ثم مايطلب من العلم.

ثانيا الجمع المعرفي بحسب المعيار الحسي.

وهذا المعيار يعتمد على ما يلاحظ بالرؤيا أو بالسمع أو بالتذوق أو بالحس المادي أو بالحس الشعوري.

وهي المعرفة عن الأشياء التي يوجد لها وجود ذاتي في الحس والشعور.

والمعرفة فيها كلية أو جزئية ،مكتملة أو ناقصة

ثالثا الجمع المعرفي بحسب المعيار العقلي.

ويقوم هذا المعيار على أسس العمليات الذهنية من المعارف المكتسبة عبر الدراسة أو الإطلاع والقراءة أو الإستنتاج المنتج عن أحد المعايير الحسية، وتتحدد أشكالة فيما يكون فهم للأمور بطبيعتها البسيطة أو المعقدة كجملة واحدة، أو عمليات إستدلالية تنقص أو تذيد من محتوى المعلومة أو عمليات إستدلالية من الأمور المعلومة إلى الأمور المجهولة منطقية الإستدلال.

وفي هذا الجانب شبه تطابق لما قدمه أرسطو وأسماه عمليات الفكر الأساسية.

رابعا الجمع المعرفي بحسب المعيار الخيالي والتناسب الشبهي.

المعيار الخيالي ينقسم إلي الشيء المجهول المستدل عنه بالشيء الواقعي  كما في مثال القطار السابق.

أو الشئ المجهول في ذاته تتمثل له صورة لا وجود لها في الواقع كالتفكير في أن الأشجار قد تتحدث إلينا.

أما عن معيار التناسب الشبهي فلم أجد له خير من مثال الإمام الغزالي عن الوجود الشبهي .

يقول من أمثلة هذا الوجود ماورد في حق الله تعالى عن كل وصف،  ووصف غضب الله ليس كوصف غضب أي إنسان تعالى الله عن ذلك وله المثل الأعلى، فالغضب في حقيقته المعروفة غليان في دم القلب لإرادة التشفي،  وهذا المعنى قاصر علي المخلوق لكن الوصف يتناسب شبهيا مع إرادة الخالق في إنزال العقاب على من غضب عليهم.

أو كما إستنتج عقلي من مثال الإمام السابق، إنزال العقاب  على سجين قوى البنية يكون بدرجة أكبر من سجين ضعيف لكنه يبقي بالصفة عقابا يتناسب شبهيا رغم تفاوت درجته.

ارغب في التنويه أخيرا في أن مقالي هذا ماهو إلا محاولة مني لتوضيح مسألة المعرفة لذاتي أولا  ثم لغيري من خلال قرائتي وإطلاعي، بينما قد أكون أصبت في بعض الأمور وأخطأت في بعضها وأتقبل نقدكم المحترم البناء .

برجاء تقييم المقال

الوسوم

رامى الحلبى

فنان تشكيلى كاتب رأى وباحث فى التاريخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق