مدونات

أين الحب من هذا وذاك؟!

“من يحيا بلا حب فقد هلك” تلك الكلمات قالها صديق لي ذات مرة، فرد عليه آخر: “لا حب، لا مشاعر ذلك هو الوهم بعينه، الحب الحقيقي -إن وجد- هو مجموعة أفعال قد تخص بها شخص ما”. تحيرت أنا عند سماع العبارتين، فأين الحب من هذا وذاك؟

لندرك حكمة الحب والتعرف على ماهيته، علينا أن نتتبع مراحله منذ البداية، فنجد أن أول علاقة حب عايشناها هى حبنا لوالدينا وبالأخص لأمهاتنا، الطفل يختبر أول مشاعر الحب مع الأم، تلك التي تعطي بلا مقابل، و هي التي تؤسس مبدأ العطاء غير المشروط في الحب، فهي لا تنظر من وليدها شيئا حين تطعمه، وحين تهتم به وترعاه.

ينمو الطفل سريعًا، ومع بداية مرحلة المراهقة يتمرد الفتى على اهتمام والديه، ويراه نوعا من أنواع السيطرة، فيترك الحب العائلي ليبحث عن حب آخر، ويدخل في أسطورة الحب الأول، هذا الحب المعطوب والأسطورة الزائفة، حيث أننا في هذا العمر الصغير لا نفقه للحب معنى، ولكننا نتمايل مع كلمات مؤثرة من أغنية رومانسية، ونتفاعل مع مشهد لفيلم تشوبه العاطفة، فنريد أن نحاكي ما نرى، نكتشف لأول مرة عالما لم نكن نعلم بوجوده بداخلنا سابقًا، ولكن إن كان يوجد بهذه الفترة شيء حقيقي فهو البراءة، نكون على سجيتنا ولم تُتلف فطرتنا بعد.

تفقدنا الدنيا البراءة سريعًا، تصبح المشاعر النقية غير مرضية، فنبحث عن ماهو أكبر وأكثر جرأة، ففي العشرينات من العمر ننتهج في العلاقات نهج العصر، نحن في عصر السرعة نحاول أن نحصل على أكبر قدر من الغبطة والاستمتاع بأسرع وقت ممكن، بلا أدنى عبئ أو شعور بالمسؤولية، فنستهلك أرواحنا ومشاعرنا إما بتفريط أو بإفراط، فيكون الانهيار نتيجة حتمية لما نسميه حب.

القليل ممن يحاول العثور على الحب الحقيقي من وجهة نظره، ذلك الحب الخيالي الذي يروج له الشعر الركيك وبعض الروايات السطحية، حيث الصورة الذهنية عن فارس الأحلام والأميرة الجميلة، تصور لهم عقولهم السعادة الأبدية في العلاقة المنتظرة التي ستخلصهم من كل العذابات، فحين يعتقدون أنهم عثروا على المخلص المنتظر، يجدون أنفسهم في حقيقة الأمر وقعوا في براثن المسيح الدجال، ذلك الأناني المستغل للمشاعر، مصلحته هي المحرك الأول له، هو المسيطر بجبروت هائل، فتتحول العلاقة لعلاقة مرضية كسابقتها، ولكن هذه المرة بين ضحية ومستغل.

تستمر العلاقات المرضية تحت مسمى الحب، لتعبث في حياتنا بغير وعي حقيقي منا، نصل إلى فترة الثلاثينات حيث النضج المفترض، والهدوء النسبي والرغبة الملحة للاستقرار المزمع، فقد أعيتنا العلاقات العابرة والمشاعر الهشة، نرضخ للزواج، فنتزوج أول من نصادفه، لصدق اعتقادنا في أن الحب الحقيقي سيأتي بعد الزواج، فيتحول الحب في هذه المرحلة لأكذوبة الصادقين، نخدع أنفسنا بأيدينا، مصدقين لتلك الشعارات الواهية، ممنين أفئدتنا بنعيم مفقود، وبعد الزواج نجد أننا محاصرين مع شخص غريب، تتحول المشاعر المنتظرة لرغبات جسدية خالصة، تُقضى كواجبات مفروضة، خالية من أي لمسة حنان.

يثمر ذلك الزواج، فيأتي بأجمل هدية لتعزية الطرفين عن البؤس الكائن حولهم، ولكن كيف لشريكين لم يجدا السبيل لتحقيق السعادة والأمان لأنفسهم، أن يمنحوهم لأبنائهم؟ بالطبع سيكون الفشل الذريع من نصيبهم.  تكتمل دائرة حياتنا المفرغة بمرور الأيام، فنصل إلى الخمسينات من العمر، حينها تتجلى الرؤيا، ونكتشف أننا في كل ذلك الصخب لم نعثر على الحب الحقيقي، فقد أوهمنا أنفسنا بأننا اختبرناه عدة مرات، لكن بمرور الأيام ندرك أن كل ذلك ما كان إلا وهما، شرك نصبناه لأنفسنا ووقعنا فيه بجدارة، وتنقلت بنا الحياة بعبثية، بين تمثيل دور العاشقين تارة، ومستترين خلف شخصية الضحية تارة أخرى.

أما آن لتلك العبثية أن تنتهي؟ متى ستهنئ أفئدتنا وتنعم بدفئ المحبة؟

الإشكالية هنا يا سادة تتلخص في أننا طيلة الوقت لم نحب إلا أنفسنا، نحن نحب أنفسنا داخل عيون أحبابنا لا نحبهم لذاتهم، فننتظر منهم طوال الوقت أن يعطونا المزيد، بلا تفكير في ما وهبناه نحن للطرف الآخر لتقوية العلاقة والعمل على نجاحها؟ تجاهلنا أن صميم الحب يكمن في العطاء كما في الأخذ قولا وفعلا، وفي معظم الأحوال نصب على من نحب نقائصنا النفسية، ونحمله إحساسنا بالفشل في الحب وضياعه، من السهل الوقوع في الحب، ولكن من الصعب جدًا الاستمرار فيه والمحافظة عليه.

الحب عقد شراكة بين طرفين، لديهم إحساس بالمسؤولية، حتى تستمر تلك الشراكة وتزدهر يلزمنا المعرفة والوعي والتمرس وبذل جهود  لتطويرها، وإحياؤها كل فترة بشكل جديد، وتلك الأحجية لن تحل إلا عندما نتعلم كيف أن نتقبل أنفسنا، وكيف نحب أنفسنا أولًا حتى نستطيع أن نحب الآخر.

نحن من أهلكنا الحب فهلكلنا، تهنا عن كبد الحب حين  ابتعدنا عن أصل المحبة، أظلمت الدنيا حولنا حين غفلنا عن نور الله الذي في داخلنا، لن نتفقه في الحب إلا إذا أعدنا الوصل بيننا وبين بارئنا،  لابد من أن نطرق الباب الذي لن نرد منه خائبين، ولن نتعلم الرحمة إلا من الرحمن الرحيم، ولن نجد الود إلا من الودود الحكيم،  وحين نفر من أرواحنا المحدودة لروحه الرحبة، ونفني ذاتنا الدنيا في ذاته العليا، حينها فقط سندرك حقيقة الحب ونصل إلى جوهر الحياة.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مريم أحمد حسين

كاتبة مهتمة بالشأن الثقافي والمعرفي، بدأت كتابة المقالات بشكل احترافي ونشرها منذ 2016، وتم نشر أول رواية ورقية خاصة بي في معرض الكتاب 2019.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق