مدونات

عندما بكت قطر الندى

قطر الندى الأميرة أسماء الرقيقة الندية ابنة والي مصر حفيدة أحمد بن طولون، قرر والدها وحاكمها ببساطة أن ينهي حياتها بفسخ خطبتها على من تحب وزفها على الخليفة العباسي، بلا رحمة ولا شفقة قرر الحاكم بيع ابنته من أجل استقراره على كرسيه، كانت الأميرة هى البضاعة المزجاة المباعة بثمن بخس في سوق السلطة.

اقترب الزفاف لا يأبه أحد بانفطار قلبها وتوسلاتها ليل نهار لمنع هذا الزواج، علقت الزينة وأعلنت الأفراح والليالي الملاح، فرقت الهدايا وأغدق الحاكم بالعطايا على روح العروس، أنشد المنشدوون وهلل الشعب في كل أقطار مصر وهم يعلمون يقينا أن هذا الزواج جريمة في حق الأميرة، نظمت الأبيات الشعرية على صوت بكاء قطر الندى وجعلوا من نشيجها لحن شجي.

شيد الحاكم قصور بطول الطريق من القاهرة لبغداد لترتاح فيهم العروس أثناء رحلتها وبطول الطريق أيضا وقف ابناء الشعب فرحين يحيونها ويلقون النكات والحكايات لتفريج همها.

امتد الطريق طويلًا حتى وصل إلى عالمنا اليوم، ها هم ابناء هذا الشعب مازالوا يواجهون كل يؤلمهم بالتهليل والمزح والأغاني، حتى في أشد المحن تخرج “الإفيهات” من حيث لا تحتسب.

بالأمس كان هناك مطر وبكاء وخوف حد الفزع والكثير الكثير من الضحك، حتى أنتهى الموقف العبثي بوفاة طفلة بماس كهربائي نتيجة المطر وما زال الضحك مستمر.

يرى علم النفس أن الضحك والسخرية في أكثر المواقف جدية ما هو إلا تفريغ لكل المشاعر السلبية من حزن وأسى وضعف بشري لا يقوى على مواجهة المشاكل فيستتر برداء النكتة والتهكم،حتى يتحول الفرد في عقله من مهزوم ومقهور لسعيد بل أيضًا يتحول لمسيطر على الموقف وقاهر لكل ظروفه بظرفته وسرعة بديهيته ، وتكون الدعابة في هذه الحالة هى الملاذ الآمن للعقل لحمايته من الانهيار بسبب الاحساس بالفشل والعجز.

عجز الشعب قديمًا عن حماية قطر الندى ولم يقدموا لها سوى الحكايات المسلية والأغاني، كما عجز عن حماية دعاء الطفلة اللتي توفت بسبب الإهمال والفساد لا بفعل المطر، ولكنهم نجحوا بجدراة في إلقاء النكات في وقت قياسي والسخرية على كل شيء ومن كل شيء، عذرًا نجيب محفوظ فآفة حارتنا “الكوميكس”.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مريم أحمد حسين

كاتبة مهتمة بالشأن الثقافي والمعرفي، بدأت كتابة المقالات بشكل احترافي ونشرها منذ 2016، وتم نشر أول رواية ورقية خاصة بي في معرض الكتاب 2019.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق