ثقافة و فنون

مراجعة رواية “مرتفعات ووذرنج”

كيف انتهى حبي إلى مأساة..

قد تعتقد في بداية قراءتك للرواية أنك ستشهد أقوى قصة حب تجمع بين بطلين في القرن التاسع عشر، فقد اجتمعت جميع العناصر المألوفة في قصص الحب: بداية من المكان القروي ذي المناظر الطبيعية الخلابة التي يطل عليها المنزل من فوق قمة مرتفعات “ووذرنج”، والبطلة الجميلة الملامح “كاثرين إيرنشو” التي تعد روح المنزل – وستكون كذلك للأسف فعليا بعد وفاتها- بخفة ظلها وحيويتها، والبطل “هيثكليف” الذي يصل من مكان بعيد ليقع في حب البطلة على الفور، وبالطبع العدو الذي يحاول منع هذه العلاقة أن تقوم: الأخ “هندلي إيرنشو”،  ولكن هذه الرواية أبعد ما تكون عن القصة الرومانسية السعيدة فهنالك عدو آخر يقف بالمرصاد: وهو البحث عن المادة والسعي وراء النفوذ الذي يقتل الحب في أي زمان ومكان.

تبدأ القصة في الوقت الحاضر بقدوم السيد “لوكوود” الذي يبحث عن منزل في تلك الضواحي ليستأجره، ينتهي بحثه عند منزل “ثرشكروس غرانج” ويقرر أن يستأجره من مالكه الحالي “هيثكليف” فيذهب إليه في منزله فوق “مرتفعات ووذرنج”، وفجأة تهب عاصفة شديدة علي المنزل فيضطر “لوكوود” للمكوث في المنزل ليلة واحدة، وهناك أعتقد أنه رأى شبحًا لفتاة، فيفر مرتعبًا على الفور إلى المنزل الذي أستأجره وتقص عليه الخادمة “إيلين” قصة هذا المنزل وكيف انتهت قصة حب إلى سلسلة من المآسي. وتحكي أن السيد “إيرنشو” في ليلة عاصفة مماثلة لليلة يعود ومعه طفلًا غجريًا ويسميه “هيثكليف” ويقرر أن يربيه كما لو كان ابنا له، ويصبح على الفور الأقرب إلى كاثرين ويتشاركان مغامراتهما الطفولية معًا، وتشهد بحبها له قائلة “أرواحنا متشابهة مهما كانت المادة التي خلقت منها “ولكن “هندلي” الأخ الأكبر يشعر بالغيرة تجاه “هيثكليف” لأن أباه يحبه أكثر منه، فيبدأ في التعرض له ومضايقته بل وضربه حتى يقرر أبيه إرساله إلى المدرسة العسكرية لتأديبه. تتوفى الأم أولًا لتعب شديد ثم يتبعها الأب الطيب، فيعود “هندلي” ويصبح رب المنزل ويقرر معاقبة هيثكليف ويعامله كما لو كان خادمًا في المنزل ويسلبه أمواله ويمنعه من استكمال تعليمه. وعلى بعد خطوات يقع منزل “ثرشكروس غرانج” حيث تقطن عائلة “لنتن”: السيد والسيدة “لينت” والأولاد: “إدغار” و”إيزابيلا”. تمر السنوات ويعرض “إدجر” على “كاثرين” الزواج منه وهنا يتغير كل شيء.

تختار “كاثرين” الزواج من الشاب الثري “ذي الحسب والنسب” ولا تلتفت ورائها تاركة منزلها وتاركة ورائها قلبان محطمان، قلبها لأنها ستتخلى عن سعادتها مع زوج لا تحبه، وقلب “هيثكليف” الذي يرحل عن القرية فور سماعه خبر الزفاف ويغيب لثلاث سنوات، يعود بعدها أكثر ثراءً ويقرر الانتقام ممن سرق حب حياته فيعد خطة للاستيلاء على المنزلان لأنه لا ينسى أن افتقاده للأموال هو ما جعله يخسر أمام “إدغر”، تتوفى “كاثرين” وهي تلد ابنتها فتُسمي باسمها ويلوم الأب “هيثكليف” على وفاتها بسبب زياراته المتكررة التي أثقلت قلبها الرقيق، يقرر “هيثكليف” خداع “إيزابيلا” لتتزوجه لتكون أداة ضد أخيها، فيوهمها أنه ذو ثراء فاحش، وأملاك طائلة، وعائلة مرموقة، وتنخدع بسهولة لغموضه وقلة كلامه معها، ولكن سرعان ما تكتشف الأمر بعد الزواج، فيعاملها بقسوة مبالغة لأنه لا ينسى أن أخيها هو من سلب منه “كاثرين” حبه الوحيد.

يستولي “هيثكليف” على المنزل فوق “مرتفعات ووذرنج” بأن يدفع “هندلي” -الذي لجأ إلى الخمر بعد وفاة زوجته- إلى مراهنة منزله لصالحه لأنه كان قد أفلس، ويقع عاتق تربية الابن “هيرتون” على “هيثكليف” الذي يعامله كمعامله أبيه له، فيعامله كما لو كان خادمًا في منزله، ويستولي على منزل ” ثرشكروس غرانج” بأن يجهز زواجًا بين ابنه “لينتون” من زوجته “ايزابيلا” التي توفت لمرض شديد أيضًا، وبين “كاثي” الصغيرة-التي أصبحت مالكة المنزل بعد وفاة أبيها. بعد عدة أيام من الزواج يتوفى الابن، ويستمر “هيثكليف” في معاملته القاسية ل”كاثي” و”هيرتون” حتى في وجود السيد “لووكوود”-المستأجر الجديد- ولكن تنقلب الآية بعد مرض “هيثكليف” مرضًا غريبًا يجعله يمتنع عن الأكل والشرب حتي توفى وكأن لشبح “كاثرين” يدًا في الأمر. وتنتهي الرواية بخبر سعيد وهو زواج  “كاثي” وقريبها “هيرتون”، قصة الحب الناجحة الوحيدة في القصة.

الخلاصة في الأمر أن جميع الزيجات التي كانت تستند إلى التخطيط باءت بالفشل بل وأدت إلى مأساة، فزواج “ايزابيلا” من “هيثكليف” أو “لينتون” من “كاثي” وعلى رأسها زواج “كاثرين” من “إدغر” كان بغرض الاستيلاء على المزيد من الثروة والنفوذ، ولكن الزواج الناجح الوحيد هو الذي قام على الحب الخالص بين “كاثي” و”هيرتون” فكلاهما يملكان منزلًا خاصا به، فلا يطمع أحدهما في الآخر، كما أن “هيرتون” لا يجيد القراءة فلا يرقى لمجلس النبلاء ولكن “كاثي” تقرر أن تعلمه لأنها تحبه وتتقبله كما هو، وهو أيضًا يحبها لشخصها ولروحها التي تشبهه. وكما قال “هيثكليف” بعد وفاة “كاثرين” ” كيف لي أن أعيش دون حياتي، كيف لي أن أعيش دون روحي”. فلا تترك/ي حبيبك/تك مهما كان الثمن.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق