مدونات

مذكرات معلم (6): أنا لست أستاذًا بل موظفًا لا غير..

لغاية البحث في الاتهامات التي قيّدها في حقي خصومي في أكويم من حيث صدقها أوكذبها، كلّفتْ الإدارة الإقليمية مفتشًا بزيارتي. صادفته ذات صباح في فترة الاستراحة البينية وقد وصل لتوه قادما من ورزازات. خطوت في اتجاهه لأحييه وأسلم عليه.. بادلني التحية والسلام بوجه يبدو عليه الانشراح.. عندما نظرْتُ إليه لحظة مصافحتي له، أدْرَكْتُ أنه لم يسبق لي ملاقاته في أي مناسبة من المناسبات.

قال لي بكل لباقة إنه جاء إلى زيارتي بأمر من النيابة على خلفية الشكايات المقدمة ضدي.. لم يبدر مني ولو ملمح صغير يفيد المنع، بل فسحْتُ له المجال ليقوم بالمهمة التي جاء من أجلها. كنت أظن أنه سينجزها بحضوري في القسم أمام التلاميذ وأنه سيكتب محضر الزيارة مضمنًا إياه أجوبتي عن بعض الأسئلة، لكنه طلب مني إخلاء المدرسة والعودة إليها حالمًا ينهي مأموريته.

لم أعترض على الطريقة التي اختار المفتش نهجها لإنجاز ما كان مطلوبًا منه والتي اقتضت إبعادي وتغييبي عن المدرسة خوفا – ربما – من رد فعل يصدر عني لاحقا على شكل مقال فاضح في الجريدة التي حطّمتْ آنذاك الرقم القياسي في المبيعات. لماذا أمانع ومذكرتي اليومية (ما يقابل دفتر النصوص في الثانوي بسلكيه) مُحيَّنة، ودفاتر التلاميذ كلها مُصحّحة، وجذاذات الدروس جاهزة؟ وزيدون أنا ما دايْرْ والو، علاش غادي نْخافْ؟

نزلتُ أدراجي في اتجاه “الأوطيل” قاصدًا إحدى مقاهيه لأمكثَ فيها إلى أن يَحينَ انصراف المفتش فور إنهاء مَهمّتِِهِ.. بعد انصرام مدة زمنية كنتُ خلالها عرضة لإكراهات الانتظار والتوقع، نبّهتْني حاستي السادسة إلى أن المفتش على وشك الانتهاء، وإذا نهضْتُ الآن من مقعدي ومشيْتُ في الاتجاه الذي جِئْتُ منه فسوف أضبطه عند مدخل المدرسة. فعلا، هذا ما حصل.. عندما سألته عن النتيجة التي أفضى إليها بحثه، أجابني قائلا: الأطفال قاموا بأدوار شاهدي زور في مسرحية مفبركة، وأدلوا في حقك بوشايات كاذبة تدل على أن الكبار شحنوهم بها شحنا. تنفست الصعداء، وودعت المفتش لألتحق بقاعة الدرس في انتظار موعد الخروج الوشيك.

خلال هذه المدة القصيرة التي عشتها في أكويم، ربطت علاقة صداقة بمعلم من مدينة سلا يمتطي دراجة هوائية جيئةً وذهابًا بين “الأوطيل” والمدرسة الفرعية التي يعمل ويقيم فيها والتي كانت تقع في الضفة الأخرى من الوادي المحاذي للطريق الرئيسية. قال لي إنه حصل على الإجازة في الفيزياء من كلية العلوم بالرباط، وهو الآن مُصنّف مثلي في السلم الثامن ينتظر، إدماجه في السلم العاشر؛ الشيء الذي لن يحصل إلا بعد مرور خمس سنوات كلها انتظار اجتزناه كعقوبة فرضها علينا المسؤولون بدون جريمة تذكر.. تقديرًا للإجازة التي هو حاملها كنت أخاطبه أحيانا بكلمة “أستاذ” لكنه ينتفض في وجهي رافضًا هذه التسمية، مؤكدا على أنه موظف لا غير..

ذات يوم، دعاني صديقي المعلم/الموظف ذو القامة الطويلة والبنية الرشيقة للذهاب معه إلى الدوار الذي توجد به مدرسته. أثناء عبورنا للمسافة مشيًا على الأقدام، تبادلنا أطراف الحديث عن أمور كثيرة، منها ما يتعلق بالخصومة الحامية الوطيس التي جرت أطوارها بين مدير المؤسسة وبعض المعلمين، الذين يتزعمهم المعلم سليل دوار أكويم والآخر الوافد من منطقة سيدي بوعبيد الشرقي (نفعنا الله ببركاته). من هذا الحيث، تبيّن لي أن زميلي السلاوي لا دخل له في هذه الخصومة وأنه غير منشغل بحيثياتها وتفاعلاتها وملابساتها.

في محاولة منه لوضع حد لذيوع أصداء هذه الحرب الباردة التي طال أمدها، رتب النائب الإقليمي زيارة للمدرسة المركزية على رأس لجنة تكونت من رؤساء مصالح ومن بعض الموظفين. الشيء الوحيد الذي كنت أعرفه عن النائب هو أنه قبل تعيينه في هذا المنصب كان محسوبًا على وزارة الشباب والرياضة بناء على كفاءات ومؤهلات لها علاقة بفن الموسيقى عامة وبإتقان العزف على البيانو خاصة.

كل معلمات ومعلمي مجموعتنا المدرسية مطالبين بالحضور للاجتماع الذي سيترأسه النائب في المدرسة المركزية الكائنة بمجمع تورجدال القابع أسفل الجبل في حوض نهر صغير منتهاه سد المنصور الذهبي بمدينة ورزازات. جاء النائب والوفد المرافق له فدخلوا كلهم إلى الإدارة لينفردوا بالمدير في اجتماع مغلق. بعد ذلك، رأيناهم يخرجون إلى الفضاء المكشوف وينخرطون في أحاديث ومجاملات مع طائفة من رجال الُمجَمّع ومن المُدرِّسين.

دخلنا إلى قاعة فسيحة الأرجاء كثيرة النوافذ ما جعل ضوء الشمس يغمر سائر جنباتها.. كانت القاعة مؤثثة بطاولات وكراس ُرتّبتْ بعناية أمام منصة وُضِعتْ قرب الباب واتخذت من السبورة خلفيةً لها. استوى كل واحد في مكانه، وساد الصمت لثوان معدودات قبل أن يأخذ النائب الكلمة ليحدثنا عن أمور تخص علاقتنا بالسكان وأخرى تتعلق بحضوره لمؤتمر دولي حول التعليم انعقد مؤخرًا في الرباط.

في ارتباط بالنقطة الأولى، قال لنا إن الأهالي يهمهم كثيرًا رصد حركاتكم وسكناتكم بحيث أن كل سلوكاتنا تسترعي انتباههم بما فيها الكيفية التي يمسك بها المدخن منكم سيجارته بين أصابعه.

فيما يخص النقطة الثانية، أبلغنا مشكورا التوصيات التي خرج بها المؤتمر المذكور آنفا والذي شاركت فيه دول أجنبية كالبرتغال على سبيل الذكر لا الحصر. من هذه التوصيات التي بقيت – للأسف – حبرًا على ورق جعل اليوم الذي يقام فيه السوق الأسبوعي يوم عطلة، وتكييف الزمن المدرسي مع خصوصيات المحيط السوسيوثقافي الحاضن للمدرسة.

عندما أنهى كلمته، أراد بعض المعلمين التدخل تعقيبًا أو تعليقًا على خطاب النائب الإقليمي فامتنع عن إعطائهم الكلمة، لكن رئيس مصلحة كان يجلس بجانبه تحلى بما يكفي من الشجاعة ليطلب منه السماح لنا بالتكلم. استجاب النائب لطلب مرؤوسه فأذن لنا بالكلام. وفي الأخير، انفض الجمع وغادرنا القاعة. وبينما كنت على أهبة صعود التّلْعَةِ نحو الطريق الرئيسية، لمحتُ النائب ورجاله يلجون منزلًا غير بعيد عن المدرسة لتناول ما لذ وطاب من الأطعمة في إطار مأدبة فاخرة أعدها لهم واحد من أعيان المُجّمع. استطعتُ كذلك أن أشاهد والد إحدى تلميذاتي وهو يدخل مع الداخلين.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد رباص

رجل تربية وتعليم، يؤمن بمقولة "التعلم مدى الحياة". ناضل ككاتب صحافي متطوع في جرائد وطنية ورقية ورقمية تتبنى أو تتعاطف مع قيم اليسار الديمقراطي الاشتراكي ككل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق