مدونات

مذكرات معلم (5): سائحة في قبضة أحابيل لغة العيون

قبل استئناف مناوشة الذاكرة على هُدىً من الاتجاه الذي سوف تختاره بمحض إرادتها، دعوني أحدثكم في الفقرات الأولى من هذا الفصل عما جرى لي في شبكة الفيسبوك مع زميلين لي في المهنة (معلم ومعلمة) دخلا في تفاعل مباشر مع إحدى حلقاتي السالفات حالما رأت النور على صفحة واحدة من المجموعات التي أعيد فيها نشر مقالاتي..

بمجرد ما ظهر في أقصى أعلى يمين جداري الفيسبوكي رقم (1) بلون أحمر في الحيز الخاص بالإعلامات (notifications)، نقرتُ عليه نقرة واحدة فتمت آنيا وآليا إحالتي على شخص خص حلقتي تلك بتعليق مفاده طلب موجه إليّ مباشرةً بأن أتوقف عاجلا عن الكتابة في هذا الموضوع، لأن ذلك يذكِّره بمعاناة يومية تجرع مرارتها وخبر ويلاتها مقابل الحصول على كسرة خبز يداري بها جوعه، ولا شيء غير ذلك.

أدركت أني أمام أخ لي في المهنة.. رغم استعماله لكلمة بذيئة وتجاوز الحدود التي لا يسمح بها نطاق حريته، تجاوبت معه بأدب جم حيث أشرت بلباقة إلى أنه ليس من حقه دعوتي للتوقف عن الكتابة عن ذكرياتي التي صارت “حيتّة” مني، كما يقول أشقاؤنا المصريون.. حاولت ثنيه عن موقفه الغريب، وسقت له معطيات ذاتية وموضوعية تؤكد كلها على حقي في التعبير عما عشته من تجارب، من مواقف ومن مقالب في بعض الأحيان خلال الحقبة الماضية التي عشتها معلمَ صبيان في واحات من حوض درعة.

في الأخير، اقتنع المعلم بدفوعاتي ومرافعاتي، فاعترف لي بكون رؤيته قاصرةً عن بلوغ الآفاق التي اكتسحتها رؤيتي.. لكنه سرعان ما عاد لمهاجمتي، مجدِّداً دعوتي للتوقف عن الكتابة، عندما رأى فقط معلمة تشاركه الرأي دخلت على الخط بتعليق يفيد أن قراءتها لم تتعد العنوان إلى الفقرات التي تشكل منها نص الحصة موضوع التعليق، مبررة ذلك بتقززها ونفورها من إعادة ذكر تفاصيل واقع مرير أمسى في عداد ماض رهيب.

عندها، بذلت جهدا مضاعفا في الرد على هذه المعلمة وعلى هذا المعلم..استحضرت القصة “ديال اللي ما قدو فيل زادوه فيلة..” وعندما أدركت أن اليأس من النظر إلى ماضيهما بمنظار جديد بلغ منهما مبلغا عظيما، نبّهتما إلى أن موقفا سلبيا من واقع سيئ لن يزيده إلا سوءا في سوء، والعكس صحيح؛ أي أن موقفا إيجابيا من واقع سيئ يساهم في تغييره إلى واقع إن لم يكن إيجابيا فقد يكون أقل سوءاً.

في نهاية المطاف تسنى لي حسن التخلص من هذه الخصومة العابرة التي، مع ذلك، تحركها خلفية وقودها أحاسيس بشرية اختلط فيها الحسد بالفشل، اليأس بالنكوص والحقد بكره التميز، (تسنى لي ذلك) حينما أكّدْتُ لهما، بخلاف إرادتهما الشاذة، على إصراري على مواصلة الكتابة عن ذاتي اعتمادا فقط على ما اختزنته ذاكرتي من ذكريات.

عودا على بدء، وإمعانا في مواصلة الحكي، أبادر إلى تحديد مناط الأخير في هذا الفصل بالذات ضمن نطاق تنحصر فيه مشاهد خاصة، حفلت بها البيئة الصحراوية المحلية التي قدر لي أن أكتشفها بادئ ذي بدء في تزامن مع انطلاق حياتي العملية، وأقصد بها تلك المشاهد التي جمعتني بسياح أجانب يفرقهم الجنس والسن ويوحدهم الأصل الأوربي.

كلما حللت بمدينة “أكدز” الصغيرة، يسترعي انتباهي تواجدهم العابر وتنقلهم في كل الاتجاهات بحثا عن ضالتهم التي عنوانها الرئيس كل ما هو غريب وعجيب.. أحيانا يحدث أن أتواصل مع سائحة غجرية بلغة جسدية تكللها إشارات غنية بالدلالات، حاملتها نظراتي الساحرات.

عشت تجربة مماثلة، من نفس القبيل في سنتي الأولى، في نصفها الثاني تحديداُ، عند اللحظة التي كنت فيها على أهبة ولوج مقهىً يرتادها ثلة من أصدقائي من رجال التربية والتعليم.. كانت واجهة المقهى ذات الضلعين غاصة عن آخرها بالزبائن.. إلى جانب المدخل الوحيد للمقهى، جلست شابة أنيقة الملبس، ناعمة الملمس.. إلى جانبها الأيسر، جلس سائح آخر لم أتبين نوعية العلاقة التي تربطه بصاحبته.. شعرت تلقائيا بأني سرقت منه الأضواء، هو ابن جلدتها، لما أيقنت أني أخذت بلبها بحيث ما تزحزحت عن وجهي نظراتها قيد أنملة..وقبل أن أخطو الخطوة الأخيرة التي تفصلني عن عتبة المدخل، قالت الغانية ذات الوجه الجهير(الجميل) بصوتها الجهْوريّ وكانها ممثلة مسرحية طموح لإتقان دورها: oh! le beau garçon..

في لحظة أخرى من نفس السنة، سنحت لي فرصة مجالسة شابة ألمانية تربطها بأحد زملائي علاقة صداقة تطورت فيما بعد إلى علاقة غرام، ثم انتهت إلى زواج..فعند نهاية أحد الأسابيع، اقترح عليّ بعض المعلمين في مجموعتنا المدرسية الذهاب معهم إلى وليمة غذاء تكرم بها علينا المعلم السالف الذكر، الكازاوي المنشأ والذي يعمل في المدرسة المركزية.

في طريقنا إلى منزل المعلم الآدب احتفاء بقدوم عشيقته من ألمانيا، تبادلنا أطراف الحديث في أمره وكيف أن الحظ كان حليفه لما اختار أن يربط مصيره بشابة حسناء من أصول جرمانية وضعت فيه كامل ثقتها. ولأنها أحبته فقد وعدته بإنقاذه من إكراهات “دائرة الطباشير القوقازية” – مع الاعتذار لبريخت على هذه الاستعارة – بواسطة ترحيله إلى وطنها الأم ليستقرا سويا هناك في بحبوحة عيش مع خلف من البنات والبنين..

عند وصولنا إلى دار المعلم المحظوظ، استقبلنا بحفاوة وقدم لنا خطيبته الشقراء التي ارتسمت على محياها ابتسامة صادقة ما يوحي من لدنها بترحاب ينم عن أخلاق وآداب.. أكثر من ذلك، بدت لنا في كامل زينتها ما زادها رونقا على جمال.. لم يستغرق مقامنا سوى هنيهات قصار احتراما منا لحق العريس في الاختلاء بعروسه، خصوصا ولقاؤهما لم يتم إلا قبل ساعات معدودات بعد غياب طال أمده، سيما وهما قاب قوسين أو أدنى من شهر العسل.. مرت على هذه المأدبة التي هيأها المعلم لتوديعنا الوداع الأخير والممزوجة طعومها بأحلام الهجرة إلى أوربا رفقة سائحة متطلعة إلى بناء أسرة مع شاب متعلم من إفريقيا يحلم بالمجد والانعتاق من أسار البؤس، والارتماء في أحضان الفردوس المفقود.

أخيرا، أصل إلى مشهد أكثر إثارةً وأبلغ إشارةً في ما يتعلق بالسياح الوافدين على هاذي الديار.. اللحظة، هذه المرة، تنتمي إلى سنتي الرابعة التي عملت خلالها في مدرسة آيت امْلَكْتْ.. ففي يوم ربيعي دافئ، بعد تناول مأدبة الغذاء، قررت الذهاب إلى أكدز صحبة صديقي الحارس.. انطلقنا راجليْنِ، لتقودنا خطواتنا إلى ضفة النهر عبر الواد الناشف الذي يخترق البساتين.. رماله التي تغمر السافلة ما زالت شاهدة على أنه في فصل الشتاء الأخير مر من هنا السيل المائي الهادر الآتي من شعاب ومرتفعات تقع في الجهة الأخرى على مشارف جبل كيسان العظيم.

لم تعد تفصلنا عن النهر الدائم الجريان ماؤه سوى مسافة قصيرة وإذا بنا نصادف على قارعة الطريق ثلاثة رجال من الأهالي، أحدهم يقيم في منزل طيني معزول عن المجمعات كافة، يبعد عن مجرى النهر بمسافة معقولة.. وجدنا برفقتهم بنتا في سن المراهقة..هندامها، ملامحها وبشرتها، كل ذلك يدل على أنها سائحة أوربية.. استبشر الرجال الثلاثة خيرا بقدومنا ووصولنا في الوقت المناسب.. طلبوا مني إنقاذ الموقف بترجمة ما قالت لهم النصرانية الصغيرة، لأنهم لم يفهموا ولو كلمة واحدة من حديثها إليهم.. قالت الصبية إنها تشكر الشيوخ على ما قدموها لها من لبن منعش.. أخبرتُ الرجال بذلك، ُوسألتُ الفتاة عن أبيها وأمها أين تركتهما.. قالت إنهما في وقفة استراحة على الضفة الأخرى، وأنها تركتهما هناك يلعبان بالأوراق، فعبرت النهر بمفردها ومشت في هذا الاتجاه إلى أن التقت بهؤلاء الرجال الكرام.

اقترحت عليها العودة من حيث أتت، وإلا سوف تتيه عن والدْيها.. كل ذلك حدث أمام ذهول الشيوخ الثلاثة مع شعورهم بالعجز عن التواصل مع طفلة غجرية بلغتها الأم.. ما كدنا نخطو بضع خطوات بعد استئناف المسير في اتجاه النهر حتى أخذ الحارس يلح علي بأن أسأل الفتاة إن كانت ترغب في الزواج به.. تظاهرت بأني استجبت لطلبه، بينما في الحقيقة سألتها عما إذا كانت ترغب في الزواج بي. جاء جوابها بالنفي مدعوما بمبررات مُقْنِعة، فقلت للحارس إنها ترفض الزواج بك!!

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد رباص

رجل تربية وتعليم، يؤمن بمقولة "التعلم مدى الحياة". ناضل ككاتب صحافي متطوع في جرائد وطنية ورقية ورقمية تتبنى أو تتعاطف مع قيم اليسار الديمقراطي الاشتراكي ككل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق