مدونات

مذكرات معلم (3): داوني بالتي كانت هي الداء.

نستكمل مع حضراتكم سلسلة مذكرات معلم التي أحببتموها، (الجزء الأولالثاني من مذكرات معلم).
خلال السنة الثانية والثالثة، كان مجمع آيت املكت بالنسبة لي مكان عبور أخترقه جيئةً وذهابًا عبر المسافة التي تفصل بين مجمعي (آيت حمو أوسعيد) و(آيت خلفون). وكنت أعبره من جهتين: إما من أسفله عبر مسرب يمتد على طول الضفة الغربية وإما من أعلاه عبر طريق “غير معبدة” تمر وسط الدوار الذي يظهر مثل أخطبوط يحاول تسلق الجبل.
وفي السنة الرابعة، تشاء الصدف أن يصبح (آيت املكت) مكان إقامتي.

مذكرات معلم: ذكريات ربما لن تعود

لا وجود لحانوت واحد بهذا المجمع، ما يعني انتفاء أي إمكانية للتواصل شفويًا مع سكانه من الذكور، أما التواصل بنفس الطريقة مع الجنس الاخر فهو غير ممكن بالمرة سواء كان الحانوت موجودًا أم لا. في الواقع، يكون ذلك غير ممكن بالنسبة للغرباء أمثالي في كل بقعة من هاذي البلاد التي مازال أهاليها متمسكين بأعراف الأجداد وبعاداتهم وتقاليدهم.

كانت إقامتي بهذا المجمع تقتصر على المدرسة..لم يكتب لي أبدا أن حظيتُ بدعوة من أحد سكانه لحضور وليمة أقيمت على شرف المعلمين خلال الظهيرة أو في المساء. خارج المدرسة، كنتَ لا تجدني إلا في مجمع (آيت إسحاق) أو في مجمع (آيت خلفون).

من يوم لآخر، كنت أصادف في طريقي المُنْحَدِرِ إلى المجمع الثاني فتيات من (آيت إسحاق) قاصدات الجبل لجمع الحشائش الجافة سريعة الاشتعال، والتي تستعمل كحطب لطبخ الخبز في جوف فرن طيني.
يتميّز طعم الخبز المصنوع في فرن الطين بلذّة لا تُقاوَم ورائحة شهية. لكن ما كان لافتًا لاهتمامي أكثر ومستفزًا لفحولتي المكبلة بقيود غير مرئية هو منظر البنات وهن مبتسمات فرحات بتحررهن من رقابة البيت، عارضات لمفاتهن البارزة أساسًا على مستوى نهودهن المكتنزات!

الحياة هنا قاسية جدًا، وخصوصًا لمن نشأ وشب في مدينة ساحلية تشكل ملتقى طرق حضاري مثل مدينة المحمدية، الحرمان هنا مضاعف إلى حد الشمول، والقلق هو سيد الموقف بعد أن زُجَّ بي في نفق الانتظار، الجمود ولا شيء غير الجمود.

لا بد لي من مقاومة شرسة لهذا الثلاثي إذا أردتُ أن أُبْقِيَ على جدوة الأمل متقدةً داخلي، إذا أردتُ أن أبقى قيد الحياة سليم العقل. لهذا كانت الخمرة ملاذي ودواءً لدائي، أصدقائي من أبناء البلدة وآخرون من إخواني في الحرفة داء عطبهم قديم.

“هاد الشي علاش مللي تقرقب الما يبان العطشان”.

كلهم مستسلمون لسحر هذه الوصفة الخمرية.

مذكرات معلّم ميّت!

مات زميلي المعلم البارع في صنع أنخابٍ من ماء الحياة اعتمادا على مكونات طبيعية من إنتاج محلي يأتي على رأسها الثمر الذي تم التفريط في حلاوته..وسيلته في ذلك طنجرة ضغظ موصولة بأنبوب مطاطي قُسِّمَ إلى طرفين يجمع بينهما أنبوب نحاسي التوى على شكل V. لا وجود لبائع خمر في أكدز..كل من أراد التزود بكمية من هذه المادة الحيوية والطاقية عليه التوجه إلى متجر “ديميتري” بورزازات. رجال سرية الدرك بأكدز واعون بهذه المسألة..أحيانا، يقومون بتفتيش كل سيارة عائدة من ورزازات..إذا وجدوا بداخلها عددا كبيرا من قنينات الخمر يكسرونها ولا يتركون إلا قنينة واحدة لكل سكير.

ذات يوم، تحدّثْتُ مع الحارس في شأن التأثير الذي تمارسه المدامة على شاربها. قال لي إنه يكتسب مناعة استثنائية ضد مفعول الخمر أيا كان نوعها ومهما كان قدْرها. قلتُ له: “الله يهديك أصاحبي، الخمر لعبتْ بقومان”. لم يتزحزح عن ادعائه قيد أنملة..تشبُّثُه برأيه “ولو طارت معزة” نابع من ضائقته المالية الناتجة عن تجميد حوالته ودخوله في فترة انتظار ترسيمه وتمتيعه بالتعويضات العائلية كموظف حامل لرقم تأجير. أدركتُث حينئذ أن الجدال لا ينفع مع عون خدمة جعله جفاف أيامه مشتاقا إلى أن يداوى علته بالتي كانت هي الداء. في الأخير، ختمتُ حديثي معه بقولي: ما غابت غير تادلة، سبع حمير واجدة..

مرّتْ مياه عبر مجرى الوادي في تزامن مع مدة زمنية تعادل بضعة أيام..سافرتُ إلى ورزازات بقصد واحد وهو التزود بأكبر كمية ممكنة من المسكرات من أجل وضع ادعاءات الحارس في ماكينة الاختبار والتأكد بالتالي مدى قدرته على مقاومة تأثير الشراب. اشتريتُ لهذا الغرض حقيبة كبيرة ودخلت بها إلى متجر ديميتري. حرصتُ على تنويع مقتنياتي في حدود أربع ماركات: الماحيا، البيرة، النبيذ الأبيض والنبيذ الأحمر. شحنْتُ حقيبتي بكل هذه المشتريات وخرجتُ من المتجر قاصدا المحطة الطرقية القريبة من عين المكان.

في أخر محطة من مشوار عودتي إلى البلدة من ورزازات، لفظتني سيارة الأجرة على مبعدة ميل من مستقري. عليّ عبور النهر وانا أحمل على كتفي حقيبة مملوءة عن آخرها بكانيتات وقنينات عامرات ومغلقات بإحكام. وبفضل زخم الشباب وعنفوانه، وصلتُ بسرعة إلى المدرسة المركزية في كنف الظلام. دخلتُ إلى منزل الحارس دون استئذان..وجدته وزوجته جالسيْن إلى مائدة العشاء..نطرا إلى حقيبتي فعرفا أني جئتُ لتوي من المدينة ومعي بضاعة لم تخطئ طبيعتها حاسة الحارس السادسة ولم ترتعد لها فرائصه ولو انه علم أن الهدف من الإتيان بها إلى هنا امتحانه واختبار مدى تطابق ادعاءاته مع واقع الحال.

غابت لغة الشفاه وحضرت لغة العيون..أنا أعتبر لغة الصمت أبلغ وأشمل من لغة الكلام؛ دليلي على ذلك تعابير الوجه وفنون الكتابة والميم والرسم والنحت والتصوير وتراكماتها منذ غابر الازمان إلى حدود الآن. تم الانتهاء من وجبة العشاء الرديئة بأسرع ما يكون وبشكل متعمد..حملتُ الحقيبة وخرجتُث من السكن الوظيفي.

ترك الحارس زوجته وحيدة وخرج هو الأخر ليمشيَ في أثري. أخرجتُ علبة معدنية من الحقيبة، فتحتُ سدادتها، خرج الغاز المنحبس بداخلها محدثًا صوتًا مدويًا (تملك على إثره الحارس خوف من انفضاح أمرنا)، أفرغتُ محتوى العلبة في جوفي وتخلّصْتُ منها برميها بعيدًا.

ولما أحْسَسْتُ بأن الخوف تبخر من نفس الحارس ناولْتُه علبة فأتي على ما فيها في رمشة عين، عند بلوغنا لدار المقدم الواسعة الآرجاء والمحاطة بسور طيني عال، دعاني الحارس إلى الجلوس بجانب السور..امْتَثَْلتُ له وتفهمتُ حاجته إلى جرعات إضافية. عندما شرب ما تبقى من قنينة ماحيا، رمى الزجاجة بعيدا داخل السور. عندما سألته عن سبب إقدامه على ذلك، قال لي إن المقدم امتنع عن قرضه علبة شاي.

ها نحن الان بداخل غرفة في منزل طيني يقع خلف المدرسة. كنتُ أملك مفتاح هذا البيت بموجب عقد كراء غير مكتوب يلزمني بأداء مائة درهم في آخر الشهر.لم تدم إقامتي بهذا المنزل سوى شهرين. على ضوء الشمعة الباهت، جلستُ فوق مضجعي والمائدة الدائرية أمامي..إلى يميني وضعتُ الحقيبة وإلى يساري جلس الحارس. حان موعد لقاء الكأس بالقنينة..لاحظت أن صديقي يشرب بنهم جنوني في محاولة منه رفع التحدي..أحيانا يترامى على كأسي مدعيا أنه من نصيبه..أتركه لحاله ليعب الكؤوس تباعا. فجأة، جاء “سمير الليل”، الشاب الحرطاني من آيت املكت المكلف بإطعام تلاميذ المدرسة، طويل القامة، وصاحب الكاحلين الحاملين لندوب هي آثار لجروح كان عرضة لها أثناء قيامه بأعمال شاقة.

بمجرد ما أطل علينا سمير الليل بوجهه حتى طلبتُ منه أن يعد لنا وجبة عشاء ساخنة. بطواعية، استجاب لطلبي وشرع في إعداد الوجبة المتوفرة مكوناتها. قبل أن تكون جاهزة بوقت قصير، خرج الحارس ليتبول، فطال انتظارنا لعودته. قلتُث لسمير الليل أنِ اخرجْ لترى ما حل بصاحبنا. بسرعة، عاد الولد الطويل وهو يضحك، ثم قال لي: انهضْْ، تعال لترى! قلتُ في قرارة نفسي: الله يسمعنا خبار الخير، ما ذا حدث؟

وجدتُ الحارس ممتدا على ظهره فوق صخرة تتوسط الفناء في وضع تدلتْ معه قدماه ورأسه إلى الأسفل دون قدرة على النهوض. ضحكتُ كثيرا وبان لي رسوب الحارس في الامتحان. ساعدناه على الوقوف على قدميه وأرجعناه إلى المكان الذي كان جالسا فيه. نكت الشاب الوجبة في إناء معدني ووضعه أمامنا فوق المائدة. شرعنا في الأكل، غير أن الحارس كان في وضع لا يحسد عليه..لقد ظهر لي مثل طفل أيقظته أمه من نوم عميق ليتناول عشاءه. طفح به الكيل، لم يعد قادرا على أن يأكل ولا أن يشرب. عندها قلتُ لسمير الليل: عافاك إلا ما دّيهْ لدارو يَنْعَسْ.

الحارس في سكر طافح فقد معه القدرة على الوقوف والمشي، فحمله الشاب المسكين على ظهره قاطعا به مسافة لا يستهان بها، ولم يعد إلا بعد أن سلمه لزوجته.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

أحمد رباص

رجل تربية وتعليم، يؤمن بمقولة "التعلم مدى الحياة". ناضل ككاتب صحافي متطوع في جرائد وطنية ورقية ورقمية تتبنى أو تتعاطف مع قيم اليسار الديمقراطي الاشتراكي ككل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق