مدونات

مذكرات معلم (2): عندما يتحول القلم إلى سلاح في معركة ضد الأنذال!

ما رأيكم قبل أن نبدأ أن نسترجع ما حدث في الجزء الأول من مذكرات معلم ؟

في شهر مارس 1993، استلمت من مسؤول إداري في نيابة التعليم بمدينة ورزازات تعيينًا جديدًا في مجموعة مدارس تورجدال على سبيل التكليف؛ بمعنى أن المهمة التي اُنتدبت لها مؤقتة وسأبقى محسوبًا على مؤسستي الأصلية الواقعة في حوض درعة بين أكدز وزاكورة.

تقع مركزية تورجدال في مكان منخفض على سفح الجبل يمينًا، وقريبًا من الوادي ذي الصبيب المنسوب الدافق في فصلي الشتاء والربيع والمتواضع حد التلاشي في باقي أيام السنة. تمتاز المدرسة عن مثيلاتها التي سبق لي العمل فيها بصغر مساحتها المخضرة بشجيرات يانعة، ونباتات عطرية مزهرة سهر على زرعها وغرسها وسقيها وتشذيبها حارس المدرسة الذي يتطابق اسم عائلته مع اسم عائلتي، وكانت تلك أول مرة في حياتي أقف فيها على هذه المطابقة.

استقبلني المدير استقبالًا يليق برجل تربية وتعليم ورحب بقدومي. بعد الانتهاء من الإجراءات الإدارية الروتينة، أخبرني بأني سأكون مسؤولاً في مدرسة أكويم عن تدريس جميع المواد لمستويين هما الثالث والرابع.

في نفس اليوم، التحقت بالمدرسة الفرعية لأكتشف موقعًا زاخرًا بالحياة وعبقًا برائحة التاريخ. عالم جديد بالنسبة لي رغم أني اعتدت المرور بقربه ذهابًا وإيابًا في رحلاتي بين ورزازات والدار البيضاء.

يتكون طاقم المدرسة المكلف بالتدريس من معلمَتين ومعلمَين. تقربت من الأخيرَين وسرعان ما اندمجت معهما، فدعواني للإقامة معهما في دوار أكويم ريثما أتدبر أمري لإيجاد سكن مستقل. أحدهما قادم من مراكش، ذراعه اليمنى ملفوفة في “جبيرة” بيضاء. والواضح أنها تعرضت لكسر على هذا المستوى نتيجة عراك خاضه في لحظة سكر مع ندمائه. علمت من خلاله بوجود مسؤولٍ إداري بالنيابة مشهورٌ بأخذ الرشوة ينتمي لعائلته.

أما المعلم الآخر فهو مجاز مثلي في الفلسفة ويتحدر من أبي الجعد (شارع الله آبوعبيد الشرقي). لنا نفس التخصص وتابعنا دراستنا في وقت متزامن، فكيف لم يسبق لي لقاءه ولو بالصدفة على الأقل؟ يعود ذلك لكونه درس مرحلة الإجازة في فاس بينما قضيتها في الرباط.

قصتي لن تقرأها في أي مذكرات، فما بالك إن كانت مذكرات معلم !؟

الجو هنا باردٌ جدًا، وندف الثلج تتساقط بدون انقطاع.
وفي سبيل اتقاء لسعات البرد القارص، كنت ألبس (زوج من الجوارب)، فالحذاء العادي لا يصمد أمام البرودة الشديدة، لذا كنت حريصًا على تدفئة قدماي بجوارب قطنية سميكة، وانتعال حذاء جلدي ذي أسمال متينة.

في أكويم، أقمت أيامًا ضيفًا على زميلاي وعلمت أن وراء إسكانهما في قلب الدوار معلم من أبنائه، جرى تكليفه بالإشراف على تسيير مجموعة مدارس تامسطينت المتاخمة لجماعة تيديلي الجبلية، ليحل محل مدير المؤسسة الذي فضّل الرجوع الى قاعدته (قسمه) سالمًا على تحمل متاعب لا حصر لها كمدير لمجموعة مدرسية معزولة (لوقوعها في منطقة جبلية وعرة التضاريس وذات أحوال مناخية هي من القساوة بمكان).

تقع مدرسة أكويم في “الأوطيل” الذي لا يعني في عرف السكان مجرد فندقٍ لإيواء الزوار العابرين، وإنما يتجاوزه إلى محلات تجارية وحرفية متلاصقة ومتقابلة على جانبي الطريق الرئيسية الرابطة بين مراكش وورزازات. في بداية الطريق المؤدي لتيديلي، انتصبت إلى اليسار عمارة شامخة البنيان حديثة العمران، خُصص طابقها السفلي لمقهى يقصدها المعلمون العاملون في سائر أرجاء المنطقة، فيما أفردت الطوابق الأخرى لمبيت السياح الداخليين والخارجيين. يشهد هذا المقهى ذروة رواجه يومي السبت والأحد.
وفي الفضاء الممتد بين المدرسة والطريق الرئيسية، يقام كل سبت سوق قروي صغير تعرض فيه الخضر والفواكه والثوابل وأشياء أخرى.. غير بعيد عن المدرسة، تتراى بناية هائلة بمعمار حديث صممه مهندس أوربي ذات يوم من أيام الحماية. فيما بعد، علمت أنها مقر قديم للبعثة المسيحية الفرنسية. استبدلت مهام التنصير والدعوة للسيد المسيح بدروس عملية في التكوين المهني: النجارة والحلاقة للذكور والخياطة والطرز للفتيات، إضافة إلى احتضان البناية لمستوصف صغير يقدم خدماته الصحية لأطفال ونساء الناحية.

فضلا عن أطفال دوار أكويم، تستقبل المدرسة أطفال دوار الزاوية المنزوي إلى يمين الطريق الرئيسية المعبدة في اتجاه إغرم وسط أرض منبسطة تتخللها حقول مشجرة ويخترقها نهر صغير يسيل ماؤه في اتجاه ورزازات. تبدو منازله متلاصقة بحيث تشكل تجمعا سكانيا متراصا تكاد تنعدم الفراغات بين منازله. على بعد كيلومترين أو ثلاثة، هناك دوار إغرم الشهير بحانته التي سارت بذكرها الركبان.

هنا، قبل أن تذهب الجعة بعقلك، تسحرك المناظر الجبلية بجمالها وتشدك المياه المتدفقة إلى خريرها الناتج عن انسيابها بين جدوع الأشجار وجلاميد الصخور.

لست أدري لماذا تنقاد لي الكلمات بسلاسة كلما عادت بي الذاكرة إلى الأيام والليالي الخوالي التي عشتها في أكويم تورجدال..رغم قصر هذه المدة الزمنية فقد ترسخت وقائعها في ذهني بكل ظروفها وصروفها وكأنها تنتمي إلى الماضي القريب من تاريخ سيرتي الذاتية الذي لم ير منها النور سوى جزء ضئيل على شكل شذرات.

لم يعجبهم ما ذكرته في مذكرات معلم الجزء الأول (فكان الردّ دنيئًا!)

عندما تبين لي أن (مجموعة من القرويين) اجتمعوا بإيعاز من المعلم المكلف بإدارة شؤون المجموعة المدرسية لتامسطينت لكتابة شكاية ضدي، لم أدخل في حسابي آنئذ اللجوء إلى أحدهم من ذوي السلطة والنفوذ لغاية الاستنجاد به عساه يصد عني غائلة الغوغاء الذين ما أدركوا مزايا الحوار لحل العديد من المشاكل. فمن خصالي الحميدة -ربما يكون ذلك سبب تعاستي في محيط موبوء بالنفاق الاجتماعي- طموحي الأزلي لأن أكون منسجما مع مبادئي. فمثلاً، علموني في المدرسة ألّا أغش في الامتحان انطلاقًا من فضيلة الاعتماد على النفس وضمانًا لمبدأ تكافؤ الفرص، لهذا لا أتحمس كثيرًا لمسؤول إداري أو حزبي أو نقابي أو حتى مخزني اقترح علي مساعدتي على الحصول على امتياز كيفما كان نوعه، أنا هنا لست بصدد المديح الذاتي النرجسي، بل أترجم بطريقتي حبًا لذاتي الذي لولاه لتعذر علي حب الآخر والمجتمع والوطن.

كاتب مذكرات معلم يواجه الغوغائيين.. وحيدًا

كان علي إذن مواجهة المتآمرين ضدي وحيدًا أعزل إلا من أسلحة أقل خطورة من تلك الموصوفة بالبيضاء مع أن استعمالها يترتب عنه نزيف الدماء الحمراء..من هذه الأسلحة كان هناك القلم الذي كنت أرى فيه أحيانا سيفا بتارا شريطة توفر حامله، الذي كنته ولازلت، على عنصري الحقيقة والموهبة..تقديم الأولى على الثانية ليس من قبيل العبث بل هو متأت عن أولوية تستحقها الأولى بنسبة أكبر مقارنة بالثانية..هذا الحلم مشروع بالنسبة لمن يفضل، مثلي، الترقية الأفقية على الترقية العمودية، لا لشيء سوى لأن الأولى تتضمن الثانية ولهذا يقول الفرنسيون (إن أخص خصائص الأفق الاحتضان) ..الله يجيب من يفهمني وما يعطيني والو!!

في صباح الغد، أخبرني أحد أصدقائي من أبناء مجمع أكويم أن المعلمين انفردا البارحة في أحد المنازل بنفس الوجوه التي تم استدعاؤها لحضور الاجتماع المنسوف والذي كان مقررا تنطيمه في أحد أقسام المدرسة. لم يفاجئني هذا الخبر لأني كنت على علم مسبق بأنهم سوف يعقدون جمعهم غير المبارك في مكان آخر. مع ذلك، أعربت لصديقي عن شكري وامتناني لصنيعه الجميل. التحقت بمكتبي في القسم واستويت على مقعده بعد المناداة على التلاميذ كل واحد باسمه حتى أتأكد ممن حضر منهم وممن غاب. تناولت قلما أسود ووضعت أمامي دفترا من حجم كبير يقال له commercial بلغة الإفرنج.

فتحت الدفتر وبدأت أدون المعلومات التي علي توظيفها في معركتي ضد الأنذال التي ليست سوى في بدايتها..منذ مجيئي إلى هنا، لاحظت جيدا كيف يطبع المعلمان المراكشي والشرقاوي (نسبة إلى شرقاوة أبي الجعد) على خدود بعض تلميذات المستوى الخامس قبلات حارة هي أقرب إلى التحرش الجنسي منها إلى الحنان العاطفي، استبعدت تماما هذا النوع من المعلومات من التقرير المفصل الذي كنت بصدد كتابته بهدف إرساله إلى النيابة بورزازات عن طريق السلم الإداري.

عند هذه النقطة بالذات، أتقبل بصدر رحب اعتراضين إثنين لا ثالث لهما يمكن أن يعبر عنهما القارئ اللبيب، من يغامر بفك الشفرات الخبيئة بين السطور:

1- بدأت في تدوين المعلومات ونسيت تمرير التعلمات

2- تريد إرسال تقريرك الشامل عن طريق السلم الإداري وقد خسرت علاقتك بالمدير عندما استدرجك المعلم الشرقاوي إلى قضاء ليلة في الفندق على حسابه بمقابل كتابة مقال صحافي تهاجمانه فيه.

بالنسبة للاعتراض الأول، أقول في تلك الآونة تكون قد مرت على تعييني خمس سنوات ما رست فيها مهنتي بكل حماس وعنفوان ما مكنني من اكتساب مهارات بداغوجية تسعفني في تحفيز المتعلمين وتنشيطهم عوض أمرهم بأن يبقوا مكثوفي الأيدي.

أما بالنسبة للاعتراض الثاني، أبادر إلى توضيح شيء أساسي وهو أن المدير لم يعلم بمحاولتنا تلك الفاشلة..كنت متأكدا من مساندته لي سيما وقد علمت منذ وطات قدماي أرض أكويم وتجرعت أول قطرة من مائه أن معلمي م/م تورجدال يناصبونه العداء ويتربصون به الدوائر ما عدا عنصر أو عنصران.

وما زال لديّ ما أكتبه في مذكرات معلم ، فانتظروني!

هل سبق أن شعرت بأن العيش مع الثعبان أهون من معاشرة الإنسان؟

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

أحمد رباص

رجل تربية وتعليم، يؤمن بمقولة "التعلم مدى الحياة". ناضل ككاتب صحافي متطوع في جرائد وطنية ورقية ورقمية تتبنى أو تتعاطف مع قيم اليسار الديمقراطي الاشتراكي ككل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق