مدونات

مذكرات الولد الشقي، أقلام من القرن العشرين (1)

“أرجو ألا أموت قبل سن التسعين لكى أعيش على هذه الأرض أطول فترة ممكنة، ولكى أرى أكبر عدد ممكن من البلاد، ولكى أتعرف على أكبر عدد ممكن من الناس، ولكى أقرأ أكبر عدد ممكن من الكتب، ولكى أموت وليس لي في الحياة مطمعٌ جديد.”

مذكرات الولد الشقي

هكذا اختتم الولد الشقي كتابة مذكرات الساخر محمود السعدني الذى تحقق له ما أراد فتوفى وقد بلغ عقده التاسع، وقد رُحت أتخيله يمشى وعكازه في يده اليمنى والزلط في يده اليسرى يقذف به كلَ من يقابله في طريقه ضاحكًا مصهللاً يحتفى ببلوغه ما بعد الثمانين.

وهو خيالٌ يشوبه الكثير من المتعةِ والهروب من جدية الواقع الحالي وكآبته في آن. وكتابٌ يطل صاحبُه عبره كي يخبر قارئه بأن “يفكها شوية لأن الدنيا مش مستاهلة” ثم يأخذك من يديك في جولة ذكرياته غير الطفولية وملاعيبه الشيطانية ومقالبه الجهنمية. فتتمنى أن تكون أحد رفاقه أو ضحاياه حتى يُخلد اسمُك بين دفتي كتابه.

سوف تعرج على مدرسته وحصص الحساب والقواعد التي كان يكرهها كره العمى ومدرسيها. سيخبرك على غير عادة الكبار بأنه كان فرحًا أشد الفرح عندما طُرد من المدرسة لعدم دفع المصروفات، بل أنه تمنى أن يصيرَ فراشًا أو بائع بطاطا على أن يصيرَ تلميذًا. وسيعرج على زملاء الدراسة الذين (استغفلهم) وأقنعهم بالسفر إلى الإسكندرية للعمل مع الانجليز مرة براتب شهري مائة جنيه والثاني براتب بلغ الألف جنيه، ويصف لكَ أثناء الضحك البهيم ظلامَ الإسكندرية بعد قصفها أثناء الحرب!

سيعرج على شخصياتٍ حقيقية وإن بدت وهمية، لأنك تعرف أن هناك بالفعل من انسعر وارتدى البدلة بعد القفطان وقد بارك الله له في القرش والسحتوت وصار ثلاثة بيوت وأرصدة بنكية وأراضٍ مثل الشيخ كراميش.

وربما سيكون الكاتب الأول الذى تقابله ويخبرك سرًا في بير أن تاريخ الفراعنة لم يروق له وأن أسماءهم غريبة وغير مفهومة له. وأنه يفضل قصص التاريخ الإسلامي وحبكات القصص المملوكية. لأنه رجل يعرف قيمة الكلمة التي جابت أجل المجلة عندما كتب لها الزجل ومنها ستعرف دون قصد رأيه في الأفلام المصرية في سطر “ثم بدأت أكتب قصصًا، وكانت هي الأخرى كالزجل.. قصص هايفة.. لدرجة أنـّها تصلح كلها أفلامًا مصرية”.

لكن الساخر يعرف متى يتوقف ويظهر عرفانه بمن أحسن إليه فهو “أحيانًا ينسى الإساءة لكنه لا ينسى المعروف قط” إذ أخذ يتحدث عن الرجل الذى أحسن إليه قاسم جودة ونشر المقال الأول له فراحت حياته تدور حوله، في المدرسة ومع الأهل والأصدقاء. مثلما دارت كل حياته حول شقاوة الولد الذى يقول “وبقدر ما كانت هذه الأيام عاصفة، بقدر ما كانت لذيذة، وبقدر ما كانت بائسة، بقدر ما كانت عريضة، ورغم الظلام الذى اكتنف حياتي، ورغم البؤس الذى كان دليلي وخليلي، إلا أنني لست آسفا على شيء. فلقد كانت تلك الأيام حياتي! ومن عصير تلك الأيام، ومن رحيق تلك الليالي، خرج الى الوجود ذلك الشيء الذى هو أنا!”

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

YasmeenEltokhy

لا يوجد فى هذا العالم سوى أنا وهذه اللحظة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى