مدونات

مدينة موحشة!

حينما قرر السفر من البادية حيث يعمل إلى المدينة، كان يعلم ما يروج فيها من تدني أخلاقي، وهبوط ثقافي حاد يصيب مجتمعها؛ مدينة غارقة في الرأسمالية حتى النخاع، يزنك الناس فيها بمقدار أموالك، قل لي ما تملك أقول لك من تكون!! ومن تكون أصلًا كي تتسكع في مدينتنا فأنت مجرد بدوي لاترقى لمستوانا!! هكذا يخاطبك بعض أهل هذه المدينة ممن يعتبرون أنفسهم فوق الناس، ممن ضاع منهم خلق التواضع، وكأنهم كائنات من صنف ملائكي، وغيرهم في مستوى الحضيض، وأي حضيض ذاك الذي وصل إليه أهلها في كل شيء.

حينما تتجول في شوارعها خاصة الجزء القديم (العريق منها) ترى أناسًا أشكالهم غريبة إلى حد ما، تسريحات شعرهم توحي وكأنهم في طور الحمق، تتطاير من أفواههم كلمات نابية منحطة توحي بقلة أو انعدام تربيتهم، بل وتقابل امرأة في مقتبل العمر تتطاير الكلمات النابية من فمها، وتمر في أزقة فتسمع موسيقى سوقية! وفتاة ترقص على أنغامها، ربما محاولة لنسيان واقعها المرير (مع أني أرى الرقص من أسوأ الفنون التي عرفتها البشرية، فما الفائدة من اهتزاز الجسد ذات اليمين وذات الشمال أمام الأغيار كتعبير عن الفرحة!!)

فالكل عاطل حتى يظهر غريب في حينا فيقوم متسكعو الحي بالسطو على ممتلكاته، والويل كل الويل لمن يغفل عن جيبه في حضرة زقاقهم، شجاراتهم تحل بالسكاكين، نقاشاتهم تختزل في الجنس والعربدة والقمار، ومن رحل خارج هذا القطر، وزار تلك الأقطار هناك حيث يريدون جلهم أو كلهم أن يعيشوا، بعد أن يتزوجوا بشقراء أو حمراء، لكي يحوزوا الإقامة الدائمة.

أما الجانب العصري في المدينة فالناس لا تعرف بعضها البعض، لا وجود لمنطق الجار والجوار، فكل يستمتع بحياته الخاصة، إذا كنت تصلي فأنت غريب عن عالمهم، فالكل يشرب خمرًا! إلا من رحم ربك. ولا أحد يحس بأحد، فأحاسيسهم مال، ومجالستهم تحتاج مال، والسلام عليهم محال، لأنهم يتأففون من أمثالي؛ نحن البسطاء، لا نظهر لهم من فرط بساطتنا وفقرنا ربما، فكل من لا يتسوق من أسواقهم الممتازة فقير!! وكل من لم يأكل في ماكدونالدز ضاع عمره!!

في محطة الحافلة

زحام فظيع، وصراخ وعويل وكأن الساعة اقتربت، أشخاص ينتظرون حافلات، وما إن تظهر واحدة حتى يجري الكل وراءها مثلما تركض الوحوش في البرية (عذرًا على التشبيه لكن هي الحقيقة نقولها رغم مرارتها)، إنه مجتمع غابوي، يأكل القوي الضعيف، لن تجد لك مكانًا هنا.

عد إلى كوخك واستمر في مشاهدة الضباع البشرية تأكل بعضها، تبًا لكم أيها البشر، ألهذه الدرجة انتزعت منكم الرحمة والشفقة، ألهذه الدرجة نزع منكم الخوف من الإله!!

الحمقى والمتسولون في كل الأرجاء

ظاهرة غريبة في أوطاننا، تلك التي تتعلق بتنامي انتشار الحمقى والمتسولين، فجرب أن تخرج من مسجد هذه المدينة يوم الجمعة بعد أن تنتهي الصلاة، فتجد العديد من الأشخاص يمدون أيديهم لك، يلتمسون من يجود عليهم بصدقة، منهم المحتاج حقًا ومنهم المدمن حقًا؛ مدمن التذلل والخضوع، مدمن الخنوع.
يتلاشى إحساس السعادة الذي تحسه عقب الصلاة، فيحل البؤس محله. وماذا عساك تفعل لهؤلاء، وماذا عسانا نفعل غير التعاطف.
أما الحمقى فبسبب الممنوعات تطير عقلهم، ويُسلب وعيهم، فيظلّون في الشوارع حتى يموتون جوعًا وعطشًا وبردًا. يعتدون على من مر بهم، يركضون في كل اتجاه، ولا اتجاه.

هي كلمات قاسية وصفت بها المدينة الوحشة، لكن هو الواقع يأبى إلا أن يظهر في أبشع صوره على الورق، واقع يسبب الأرق، لأمة ضاعت حضارتها بين أفول لم يعقبه شروق، بعد موات لم يتبعه انبعاث، بين أضغاث الأحلام ضاعت حقيقتنا.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى